القلعة نيوز:
بقلم: الدكتورة اعتماد جميل الجعافرة
مدير الشؤون الإدارية والمالية في مديرية التربية والتعليم للواء المزار الجنوبي
ليست كل الكلمات سواء، كما ليست كل المنابر متشابهة. فثمة خطابات تُقال لتؤدي واجب المناسبة، وثمة خطابات تُلقى لتسجيل موقف، لكن القليل النادر منها يتحول إلى حدثٍ فكري وأخلاقي يتجاوز زمانه ومكانه، ويغدو جزءاً من الذاكرة الإنسانية. وهكذا جاءت كلمة جلالة الملكة رانيا العبدالله في مؤتمر «ساوث باي ساوث ويست» في لندن؛ كلمة لم تستهدف صناعة التصفيق بقدر ما استهدفت إيقاظ الضمير، ولم تُصغ لتواكب الحدث، بل لتعيد تعريفه من أساسه.
في لحظةٍ عالميةٍ تتسابق فيها الدول نحو امتلاك أدوات القوة الجديدة، وتتنافس فيها المؤسسات على تشكيل ملامح المستقبل، وقفت جلالة الملكة رانيا لتطرح السؤال الذي بدا أكبر من التكنولوجيا وأعمق من السياسة وأكثر إلحاحاً من الاقتصاد:
ماذا يبقى من العالم إذا خسر إنسانيته؟
لم يكن حديث جلالتها في المؤتمر مجرد تأملٍ فكري في واقع العالم، بل كان مواجهةً أخلاقيةً مباشرة مع الأسئلة التي تؤرق البشرية اليوم. فقد تحدثت عن الإنسان الذي يكاد يضيع وسط ضجيج الأخبار وتسارع الأحداث، وعن خطر أن تتحول المآسي المتكررة إلى مشاهد اعتيادية تفقد قدرتها على تحريك الضمير العالمي. وفي جوهر رسالتها كان تحذير واضح من أن أخطر ما يمكن أن يصيب المجتمعات ليس الحروب وحدها، بل الاعتياد عليها، وليس المآسي ذاتها، بل فقدان القدرة على التأثر بها.
ولم يكن حديث جلالة الملكة رانيا عن الإنسان منفصلاً عن واقع العالم اليوم؛ فبينما تتسارع الابتكارات وتتضاعف القدرات التقنية بصورة غير مسبوقة، تتسع في المقابل فجوات العدالة، وتتزايد مشاهد النزوح والحروب والاستقطاب والكراهية. وكأن البشرية، وهي تتقدم بخطى مذهلة في ميادين العلم والمعرفة، ما تزال تتعثر في امتحانها الأخلاقي الأهم.
ومن هنا جاءت رسالتها لتؤكد أن التحدي الحقيقي لم يعد في ما نستطيع أن نبتكره، بل في ما نستطيع أن نحافظ عليه من قيم الرحمة والتعاطف والمسؤولية الإنسانية في خضم هذا التسارع الهائل.
ومن أبرز ما ميّز خطاب جلالة الملكة رانيا أنه لم يكتفِ بوصف الأزمة الأخلاقية التي يعيشها العالم، بل كشف التناقض العميق الذي بات يطبع المشهد الإنساني المعاصر؛ فالعالم الذي استطاع أن يختصر المسافات بالتكنولوجيا، ويحقق قفزات هائلة في الذكاء الاصطناعي والاتصالات والمعرفة، ما يزال عاجزاً عن اختصار المسافة بين المبادئ التي يعلنها والممارسات التي يشهدها الواقع. وهذا التناقض هو ما منح الخطاب ثقله الحقيقي؛ إذ أعاد طرح السؤال حول معنى التقدم ذاته: هل يقاس بما نملكه من أدوات وقدرات، أم بما نملكه من عدالة ورحمة وقدرة على حماية الإنسان؟
ولعل الرسالة الأعمق في الكلمة تمثلت في إعادة الاعتبار للقيم بوصفها شرطاً للتقدم لا نتيجة له. فالتاريخ الإنساني يثبت أن الحضارات لا تنهار حين تضعف مواردها فحسب، بل حين تفقد بوصلتها الأخلاقية أيضاً. ومن هنا بدت دعوة جلالة الملكة رانيا دعوةً إلى مراجعة عالمية شاملة، لا تستهدف السياسات وحدها، بل تستهدف الوعي الإنساني نفسه؛ ذلك الوعي الذي ينبغي أن يبقى قادراً على التمييز بين القوة والحق، وبين المصالح العابرة والقيم الدائمة، وبين ضجيج الأحداث وصوت الإنسان الذي يجب أن يبقى في مركز كل معادلة حضارية.
كما أن حديثها عن ضرورة التمسك بالإنسانية لم يكن طرحاً مثالياً بعيداً عن الواقع، بل قراءة عميقة لما يعيشه العالم من تحولات كبرى. فالأزمات التي تعصف بالشعوب، والحروب التي تحصد الأبرياء، والتفاوت المتزايد في الفرص والموارد، كلها تؤكد أن العالم لا يحتاج إلى مزيد من القوة بقدر حاجته إلى مزيد من الضمير. ولذلك بدت كلمات جلالتها وكأنها دعوة عالمية لإعادة الاعتبار للقيم التي قامت عليها الحضارات الكبرى؛ قيم العدالة والكرامة والتكافل، باعتبارها الضمانة الحقيقية لاستقرار المجتمعات واستدامة التقدم.
وفي قلب هذا المشهد المضطرب، كانت المنطقة العربية حاضرة بين سطور الخطاب. فالأرض التي أنهكتها الصراعات، والشعوب التي دفعت أثمان الحروب والنزاعات، تقدم كل يوم الدليل على أن غياب العدالة لا يصنع أمناً، وأن تجاهل معاناة الإنسان لا يحقق استقراراً. ومن هنا اكتسبت كلمات جلالة الملكة رانيا بعداً يتجاوز حدود المناسبة، لتصبح نداءً أخلاقياً عالمياً يحذر من أن استمرار الصمت أمام المآسي لا يهدد الضحايا وحدهم، بل يهدد المنظومة الإنسانية بأسرها.
لم تكن تتحدث باسم دولة فحسب، ولا باسم منطقةٍ مثقلةٍ بالصراعات، بل باسم الإنسان أينما كان؛ ذلك الإنسان الذي بات يجد نفسه في كثير من الأحيان وحيداً أمام الحروب والكوارث والتهجير والفقر والخذلان الدولي. ومن هنا جاءت قوة خطابها؛ إذ لم ينشغل بوصف الأزمات بقدر ما انشغل بالدفاع عن القيمة الإنسانية التي تتعرض للاستنزاف كل يوم.
لقد خاطبت جلالة الملكة رانيا جوهر الإنسان مباشرة، مستحضرةً الحقيقة التي يحاول العالم أحياناً تجاهلها: أن المأساة لا تصبح أقل ألماً لمجرد تكرارها، وأن الضحية لا تفقد حقها في التعاطف لأن صور معاناتها تكررت على الشاشات. وفي ذلك تجلت قوة الخطاب وقدرته على إعادة الإنسان إلى مركز الاهتمام بعد أن كادت الأرقام والإحصاءات والسياسات تطغى على الحكاية الإنسانية ذاتها.
ومن بين سطور الخطاب، كان الأردن حاضراً بكل وضوح؛ لا باعتباره دولةً صغيرة في الجغرافيا، بل باعتباره فكرةً كبيرة في المعنى. فالأردن الذي حمل أعباء اللجوء، واحتضن الإنسان قبل أن ينظر إلى الكلفة، ورفع راية الاعتدال وسط العواصف، ظهر في كلمات الملكة بوصفه امتداداً لرسالة هاشمية عميقة الجذور، تقوم على أن كرامة الإنسان ليست شعاراً سياسياً، بل عقيدة دولة ومنهج قيادة.
لقد استطاعت جلالة الملكة رانيا أن تنقل التجربة الأردنية من حدود المكان إلى فضاء الإنسانية الرحب، وأن تجعل من القيم التي يؤمن بها الأردنيون لغةً عالميةً يفهمها الجميع. ولذلك لم يكن خطابها مجرد كلمةٍ في مؤتمر عالمي، بل صورةً مشرقةً للأردن وهو يمارس دوره الحضاري والأخلاقي في الدفاع عن الإنسان أينما كان.
وعندما انتهت الكلمة، لم يكن ما بقي في الذاكرة مجرد عباراتٍ بليغة، بل شعورٌ عميق بأن العالم ما زال يحتاج إلى أصواتٍ تذكّره بإنسانيته. أصواتٍ ترفض أن يتحول الألم إلى رقم، والضحية إلى خبر، والعدالة إلى ترفٍ سياسي.
وحين تحدثت جلالة الملكة رانيا في لندن، لم تكن تخاطب جمهوراً في قاعة مؤتمر فحسب، بل كانت تخاطب الضمير الإنساني العالمي، وتوقظ فيه ما تبقى من نبالة وعدالة ورحمة. ولهذا لم يكن صدى كلماتها تصفيقاً عابراً، بل صدى رسالةٍ أخلاقيةٍ كبرى أعادت التذكير بحقيقةٍ طالما أثبتها التاريخ: أن الأمم تُقاس بما تملكه من قيم قبل أن تُقاس بما تملكه من قوة، وأن الإنسان سيبقى دائماً القضية الأولى والأخيرة مهما تبدلت الأزمنة وتغيرت موازين العالم.
لقد استعاد الضمير الإنساني صوته في تلك الكلمة، واستعادت الكلمة رسالتها النبيلة، واستعاد الإنسان مكانته بوصفه القيمة العليا التي لا يجوز أن تضيع وسط ضجيج العالم. ولهذا لم يكن خطاب جلالة الملكة رانيا حدثاً عابراً في روزنامة المؤتمرات الدولية، بل وثيقةً أخلاقيةً وحضاريةً ستبقى شاهدةً على أن الإنسانية، مهما ضعفت، ما زالت قادرة على أن تجد من يدافع عنها ويمنحها صوتها من جديد.
الدكتورة اعتماد جميل الجعافرة
مدير الشؤون الإدارية والمالية
مديرية التربية والتعليم للواء المزار الجنوبي




