د. علي السردي
تُعد السياسة الخارجية الإسرائيلية تجاه المنطقة العربية من أكثر القضايا تأثيرًا في بنية النظام الإقليمي للشرق الأوسط، نظرًا لارتباطها بالمحددات الأمنية والاستراتيجية والجيوسياسية التي أسهمت في صياغة توجهات إسرائيل الإقليمية منذ تأسيسها. وقد اتسم هذا السلوك الخارجي بالسعي الدائم والمستمر إلى تعزيز المكانة الإقليمية لإسرائيل من خلال توظيف أدوات القوة العسكرية والدبلوماسية والاقتصادية بما يخدم مصالحها القومية ويضمن استدامة تفوقها الاستراتيجي
وانطلاقًا من عقيدتها الأمنية، تبنت إسرائيل سياسة خارجية قائمة على مبدأ الردع الاستراتيجي والحفاظ على التفوق النوعي في مجالات عدده ابرزها، العسكرية والاستخباراتية والتكنولوجية. والتي انعكست على توجهاتها الإقليمية الرامية إلى منع ظهور قوى منافسة لها قد تؤثر في ميزان القوى القائم، فضلًا عن سعيها إلى بناء شبكة من التحالفات والعلاقات التي تعزز قدرتها على التأثير في القرارات القضايا الإقليمية.
ومن منظور إعادة تشكيل البيئة السياسية المحيطة بها، عملت إسرائيل خلال العقود الأخيرة انتهاج العمل الدبلوماسي في المنطقة العربية عبر توظيف المصالح المشتركة والتحديات الأمنية العابرة للحدود كمدخل لإقامة علاقات سياسية واقتصادية جديدة. وقد أسهم هذا التوجه في إحداث تحولات ملحوظة في طبيعة التفاعلات الإقليمية، حيث انتقلت بعض العلاقات من منطق الصراع التقليدي إلى أنماط أكثر تعقيدًا تقوم على التعاون والتنسيق في ملفات محددة
أما بالنسبة للقضية الفلسطينية لا تزال تمثل محورًا رئيسيًا في رسم ملامح السلوك الخارجي الإسرائيلي تجاه العالم العربي. فاستمرار الاحتلال وتوسع الأنشطة الاستيطانية وتعثر مسارات التسوية السياسية تظل عوامل مؤثرة في طبيعة العلاقات الإسرائيلية العربية، كما تشكل مصدرًا دائمًا للتوتر السياسي والازمات على المستوى الإقليمي والدولي. وفي هذا السياق، تواجه إسرائيل انتقادات متكررة تتعلق بمدى التزامها بقرارات الشرعية الدولية ومبادئ القانون الدولي الإنساني
ومن منظور العلاقات الدولية، تسعى إسرائيل إلى ترسيخ دورها كفاعل إقليمي مؤثر على الساحو الاقليمية من خلال توظيف أدوات القوة الصلبة والقوة الناعمة معًا. فإلى جانب قدراتها العسكرية المتقدمة، تستثمر في مجالات التكنولوجيا والاقتصاد والابتكار لتعزيز نفوذها السياسي وتوسيع دائرة شراكاتها مع النظم السياسيةالإقليمية والدولية. ويعكس هذا النهج إدراكًا متزايدًا لأهمية الأبعاد التكنولوجية والاقتصادية في صياغة النفوذ السياسي المعاصر.
كما يرتبط السلوك الخارجي الإسرائيلي بمتغيرات البيئة الدولية، ولا سيما التحولات في مواقف القوى الكبرى تجاه قضايا الشرق الأوسط. وقد أتاح هذا الواقع لإسرائيل هامشًا أوسع للمناورة الدبلوماسية، الأمر الذي مكنها من إعادة ترتيب أولوياتها الاستراتيجية بما يتوافق مع التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تشهدها المنطقة
وفي ضوء هذه المعطيات، يمكن القول إن السياسة الخارجية الإسرائيلية تتجاوز الأهداف الأمنية التقليدية لتشمل مشروعًا أوسع يهدف إلى إعادة دراسة البدائل في تشكيل التوازنات السياسية داخل النظم السياسية للنظام الإقليمي العربي. فمن خلال توظيف التحالفات الاستراتيجية، وتوسيع مجالات النفوذ، وإدارة التفاعلات الإقليمية وفق رؤية بعيدة المدى، تسعى إسرائيل إلى تكريس موقعها كقوة مركزية في معادلات الشرق الأوسط.
وفي الختام، يبقى السلوك الخارجي الإسرائيلي عاملًا رئيسيًا في فهم طبيعة التحولات السياسية التي تشهدها المنطقة العربية. فبين اعتبارات الأمن القومي ومتطلبات النفوذ الإقليمي، تستمر إسرائيل في انتهاج سياسات متعددة الأبعاد تهدف إلى تعزيز حضورها الاستراتيجي والتأثير في مسارات النظام الإقليمي، وهو ما يجعل دراسة هذه السياسات ضرورة لفهم مستقبل التوازنات السياسية في الشرق الأوسط.




