حسن محمد الزبن
في صالونات عمان السياسية، يُنظر إلى دولة سمير زيد الرفاعي على أنه رجل الدولة التكنوقراط الذي يقارب الملفات بعقلية الأرقام والمؤشرات والمعادلات الرياضية الصارمة. لكن قراءة مسيرته من الداخل، وتفكيك شيفرة شخصيته، يكشفان عن أبعادٍ أعمق؛ فالرجل لا يدير الأزمات بعقلٍ إداري مجرد فحسب، بل يمتلك سيكولوجية سياسية خاصة تشكلت في كنف مدرسة الحكم الهاشمية، وصقلتها ذاكرة استثنائية قوامها الاتصال الإنساني الفريد.
من يقترب من سمير الرفاعي يدرك فوراً ميزة يختص بها: إنه رجل يمتلك ذاكرة قوية جداً، لكنها ذاكرة تعمل بطريقة انتقائية ومذهلة. قد لا يسعفه الوقت أو ازدحام المشاهد في حفظ تفاصيل الوجوه بدقة، لكنه يمتلك قدرة فائقة وغير عادية على حفظ الأسماء. الاسم بالنسبة للرفاعي ليس مجرد لقب عابر، بل هو عنوان كامل للشخص، وحضور في الذاكرة، وملف إنساني وسياسي يُستدعى بلمح البصر. هذه الميزة جعلته دوماً قريباً من النبض الإداري، قادراً على مأسسة العمل وربط المهام بأصحابها دون تداخل.
إن طريقة تفكير سمير الرفاعي لا يمكن فهمها بمعزل عن جذوره السياسية العميقة. فالرجل ابن مدرسة "زيد الرفاعي" – والده رئيس الوزراء الأسبق والسياسي المخضرم الذي كان واحداً من أقرب المقربين والمستشارين للملك الباني الحسين بن طلال، طيّب الله ثراه. في هذا البيت المفتوح على أسرار الدولة ورجالاتها، نشأ سمير الرفاعي قريباً من مركز صنع القرار منذ نعومة أظفاره.
هذه النشأة في كنف والده أتاحت له بناء علاقات قوية ووطيدة ومبنية على الاحترام المتبادل مع الأمراء الهاشميين منذ الصغر. ومن هذا المنطلق، لم تكن علاقته بجلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين مجرد علاقة مسؤول بمليكه، بل هي علاقة ثقة راسخة، وفهم عميق للرؤية الهاشمية، وقدرة على ترجمة التوجيهات الملكية إلى خطط برامجية ملموسة.
تتشابك قراءتي لشخصية الرفاعي مع تجربة شخصية محفورة في الذاكرة تعود إلى عام 2002. في ذلك الوقت، كان "مركز الحسين الثقافي" في منطقة رأس العين بعمان لا يزال يزهو ببداياته كمنبر رئيسي للتبادل الثقافي بين الأردن والعالم عقب افتتاحه الرسمي في نهاية التسعينيات.
كنت هناك، برفقة نخبة من الشعراء والفنانين التشكيليين من العراق والأردن، نحتفي بافتتاح معرض "الفنانين الروس التشكيليين"، وهو حدث تميز بحضور ملكي ودبلوماسي لافت جسدته رعاية سمو الأمير الحسن بن طلال، وحضور غفير من السفراء والمستشارين لتعزيز حوار الحضارات. تميز المعرض بتنوع فريد للمدارس الفنية؛ حيث غصت القاعة بلوحات تمثل رواد الفنون البصرية من شتى الأقاليم الروسية، وتنوعت الأعمال بين المدرسة الواقعية والروسية الكلاسيكية والمناظر الطبيعية والبورتريه.
في تلك الأجواء المفعمة بالجمال، وبعد أن صافحت سمو الأمير الحسن عقب "ضحكة مجلجلة" ملأت قاعة العرض بهجةً، وقفت جانباً مع دولة سمير الرفاعي (الذي كان يرافق الأمير) بحكم موقعه كأمين عام للديوان الملكي العامر وتجاذبنا حديثاً عابراً. في تلك اللحظة تجلت أسمى معاني النبل الإنساني لديه، إذ سألني بكل تواضع واهتمام إن كنت أحتاج إلى أي شيء يمكن أن يقدمه لي. شكرت مبادرته الكريمة واعتذرت بلطف.
ولأن الرجل لا ينسى، ولا يطوي مواقفه عابراً، فقد أعاد المحاولة مرة ثانية، ولكن هذه المرة عبر اتصال هاتفي حمل إلحاحاً طيباً من معالي السيد أمجد العضايلة، الذي كان يعمل حينها في دائرة الإعلام في الديوان الملكي العامر، متسائلاً إن كنت بحاجة لأي شيء. ومرة أخرى، شكرت لهم هذا النبل الذي أكد ت فيه أنني لا ينقصني شيء سوى الاعتزاز بهذه القامات.
والشيء بالشيء يُذكر؛ فإن معالي أمجد العضايلة – هذا الدبلوماسي والإعلامي القدير – كانت له وقفات ومواقف نبيلة معي لا تُنسى، خصوصاً عندما كنت أغوص في توثيق مراحل متقدمة من تاريخ وحياة جلالة الملك الحسين بن طلال، حيث كان العضايلة دائماً نعم العون والسند بمقاربته المهنية الراقية.
هذا الموقف الإنساني الملتزم يفسر تماماً كيف يفكر سمير الرفاعي كمسؤول؛ إنه يؤمن بالمتابعة، والمأسسة، ولا يترك الأمور للصدف. عندما تولى رئاسة الوزراء (2009-2011)، انعكست هذه العقلية المنظمة في قرارات تاريخية اتسمت بالجرأة لمواجهة تداعيات أزمة مالية عالمية خانقة، وتركزت رؤيته التنفيذية على محاور إصلاحية مفصلية:
1. خطة دمج وإلغاء الهيئات المستقلة وأثرها المالي الفعلي
جاءت هذه الخطة كخطوة جريئة لمعالجة التضخم الإداري والمالي في بنية الدولة وضبط النفقات، في وقت بلغت فيه موازنات المؤسسات المستقلة أرقاماً قياسية تقترب من حجم الموازنة العامة للمملكة. وتضمن برنامج الهيكلة في مرحلته الأولى ما يلي:
* دمج القطاعات الاستثمارية والتنموية: جرى دمج (مؤسسة المدن الصناعية، ومؤسسة المناطق الحرة، وهيئة المناطق التنموية) تحت مظلة واحدة سميت هيئة المناطق التنموية والمناطق الحرة، وتم تحويل المدن الصناعية والمناطق الحرة إلى شركات تطوير تتبع للهيئة لمنع التشتت الاستثماري.
* توحيد الرقابة المالية وسوق رأس المال: دمج (هيئة الأوراق المالية، وهيئة التأمين، ومجلس تنظيم التعامل في البورصات الأجنبية) لتصبح جهة رقابية موحدة باسم هيئة تنظيم سوق رأس المال.
* قطاع التشغيل والتدريب: دمج (مؤسسة التدريب المهني) مع (مشروع التشغيل والتدريب الوطني) لينصهرا في جهة واحدة هي مؤسسة التشغيل والتدريب المهني لتوحيد خطط تأهيل الشباب الأردني.
* إلغاء الصناديق المتداخلة: إلغاء "صندوق دعم الحركة الثقافية"، وتحويل "صندوق المخاطر الزراعية" إلى مجرد مديرية تابعة لوزارة الزراعة، وإلغاء "الهيئة التنسيقية للتكافل الاجتماعي" وتحويلها إلى مجلس تنسيقي يتبع لوزارة التنمية الاجتماعية.
وقد حققت هذه الخطوات أثراً مالياً فعلياً ملموساً ومباشراً تمثل في:
* وفر مالي مباشر: حققت المرحلة الأولى وفراً مالياً مباشراً للموازنة العامة قُدّر بنحو 70 إلى 80 مليون دينار أردني في عامها الأول.
* ضبط النفقات الجارية: انخفضت المصاريف التشغيلية (إيجارات المباني، السيارات الحكومية، المكافآت والمياومات) في المؤسسات المدمجة بنسبة تجاوزت 25%.
* وقف التضخم الوظيفي: تجميد التعيينات العشوائية خارج مظلة ديوان الخدمة المدنية في تلك الهيئات، مما منع هدر ملايين الدنانير كرواتب وعقود مرتفعة.
* تأسيس لنهج مستقبلي: رغم أن عمر الحكومة لم يطل لاستكمال كافة المراحل، إلا أن خطتها وضعت الإطار القانوني والمالي الذي استندت إليه الحكومات اللاحقة في استكمال هيكلة القطاع العام وتخفيض النفقات.
2. مأسسة العمل والحوكمة المالية
* منظومة قياس الأداء (KPIs): أُلزمت كل وزارة بتقديم خطط عمل محددة بأهداف رقمية وجدول زمني مع مراجعة دورية لنسب الإنجاز.
* إصلاح التعيينات: تم تفعيل دور ديوان الخدمة المدنية كمرجعية وحيدة للتوظيف في المؤسسات الرسمية لضمان العدالة وتكافؤ الفرص.
* مدونة السلوك الوزاري: أطلقت الحكومة مدونة سلوك صارمة ألزمت الوزراء بمنع تقاضي الرواتب التقاعدية الإضافية أو الجمع بين وظيفتين، وضبطت استخدام السيارات الحكومية والمصاريف الرسمية، مما أسهم مع السياسات التقشفية في خفض عجز الموازنة العامة بنسبة تقارب 30%.
3. الاستثمار في قطاع التربية والتعليم
آمن الرفاعي بأن بناء الدولة يبدأ من المعلم، فقام بإنفاذ علاوة الـ 30% للمعلمين ووضعها موضع التنفيذ الفعلي لدعم القطاع التربوي استجابة للتوجيهات الملكية، إلى جانب إقرار مكرمة ملكية بتخصيص مقاعد جامعية في الجامعات الرسمية لأبناء المعلمين تقديراً لجهودهم الإنسانية والوطنية.
4. قانون "الدوائر الافتراضية" (2010) ومخرجات مجلس النواب السادس عشر
أقرت الحكومة قانون انتخاب مؤقت عام 2010 اعتمد على آلية جديدة سُميت بـ الدوائر الافتراضية (أو الدوائر الفرعية) كبديل لنظام الصوت الواحد التقليدي المباشر:
* تقسيم افتراضي لا جغرافي: تم الإبقاء على الدوائر الانتخابية الكبرى كما هي جغرافياً (مثلاً: محافظة معينة لها 5 مقاعد)، ولكن تم تقسيم المقاعد داخل الدائرة الواحدة إلى دوائر فرعية افتراضية تحمل أرقاماً أو رموزاً.
* آلية الترشح والاقتراع: كان على كل مرشح أن يختار دائرة فرعية واحدة محددة ليرشح نفسه فيها. وعند الاقتراع، يقوم الناخب بالتصويت لمرشح واحد فقط في إحدى هذه الدوائر الفرعية داخل دائرته الكبرى.
* الهدف السياسي: كان الهدف الأساسي منع التكتل العشائري المباشر أو احتكار المقاعد من قِبل قوى تقليدية بعينها في مناطق جغرافية ضيقة، وتوزيع الفرص لضمان صعود كفاءات وتكنوقراط ومستقلين عبر تفتيت جبهات التصويت المغلقة.
وقد أفرز هذا القانون مجلساً نيابياً (مجلس النواب السادس عشر) بملامح سياسية واجتماعية مختلفة تميزت خارطته بالآتي:
* مقاطعة جبهة العمل الإسلامي: قررت الحركة الإسلامية (المعارضة الأبرز حينها) مقاطعة هذه الانتخابات احتجاجاً على قانون الصوت الواحد والدوائر الافتراضية، مما أخلى الساحة تماماً للمستقلين والتيارات الوسطية.
* صعود الوجوه الجديدة والتكنوقراط: نجح نظام الدوائر الفرعية في تفتيت التحالفات العشائرية التقليدية المغلقة، مما سمح بظهور نسبة كبيرة من الوجوه الجديدة (أكثر من 70% من أعضاء المجلس كانوا يدخلون البرلمان لأول مرة)، وبرز بينهم تكنوقراط وأكاديميون ومتقاعدون عسكريون.
* تعزيز الكوتا النسائية: ارتفع تمثيل المرأة في هذا المجلس بشكل ملحوظ؛ حيث تم زيادة المقاعد المخصصة للكوتا النسائية من 6 مقاعد إلى 12 مقعداً (مقعد لكل محافظة)، بالإضافة إلى فوز السيدة "ريم بدران" بالتنافس الحر عن العاصمة عمان، ليصل مجموع السيدات إلى 13 نائباً.
* التركيز على الكتل الوسطية ونيل الثقة التاريخية: تشكلت داخل المجلس كتل برلمانية كبيرة ذات توجهات وسطية وقريبة من الدولة (مثل كتلة التيار الوطني، كتلة الوفاق، وكتلة الشعب)، وحصلت حكومة الرفاعي من هذا المجلس على ثقة قياسية بلغت 111 صوتاً من أصل 119 نائباً حضروا الجلسة.
الاختبار الحقيقي لكيفية تفكير هذا الرجل تجلى مطلع عام 2011، إبّان اندلاع موجة "الربيع العربي". لم يكن المشهد محلياً صِرفاً، بل كان مشحوناً برياح إقليمية عاتية بدأت بسقوط نظام بن علي في تونس واشتعال ثورة 25 يناير في مصر، مما خلق حالة اندفاع شعبي غير مسبوقة في الشارع الأردني للمطالبة بإصلاحات فورية، تمثلت في مسيرات احتجاجية منتظمة قادتها أحزاب سياسية ونقابات مهنية، وحراكات شبابية وشعبية في ذيبان والكرك وعمان وإربد.
هنا، ركزت قوى المعارضة احتجاجاتها ضد الحكومة لعدة أسباب؛ أولها أن السياسات الاقتصادية والتقشفية الصارمة التي انتهجها الرفاعي – ورغم نجاحها المحاسبي والمالي لضبط موازنة الدولة – تسببت في ضيق معيشي للمواطنين بسبب رفع الدعم الجزئي وضبط التعيينات. وثانيها، الانتقادات لقانون الدوائر الافتراضية الذي اعتبرته المعارضة تفتيتاً للعمل الحزبي البرامجي. وثالثها والمفارقة الأكبر، كانت تلك الثقة التاريخية والقياسية (111 صوتاً)؛ إذ شكلت صدمة للمحتجين الذين رأوا أن البرلمان لا يمثل نبض الشارع الحقيقي، فتحولت الهتافات للمطالبة برحيل الحكومة وحل البرلمان معاً.
في تلك اللحظة الحرجة، برز تفكير سمير الرفاعي كابن شرعي للدولة؛ فلم يتمسك بالكرسي ولم يدخل في عناد سياسي مع الشارع. وتماشياً مع الحكمة الملكية الهاشمية في امتصاص الاحتقان وفتح صفحة جديدة، قدم الرفاعي استقالة حكومته بشجاعة في 1 فبراير 2011. لقد كانت استقالة قائمة على التضحية بالمنصب من أجل مصلحة الوطن واستقراره، ليمهد الطريق لحكومة معروف البخيت، وتوجيهات كتاب التكليف الملكي اللاحق التي ركزت على المباشرة الفورية بإصلاحات سياسية حقيقية، وتعديل قوانين الانتخاب والأحزاب، واتخاذ خطوات اقتصادية سريعة لحماية الفئات محدودة الدخل.
لم تكن محطة الاستقالة عام 2011 نهاية المطاف، بل كانت إعداداً لدور تاريخي أعمق تجسد في يونيو 2021، عندما نال ثقة جلالة الملك عبد الله الثاني ليرأس "اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية". هذه اللجنة شكلت المحطة الأبرز في مسيرته بعد رئاسة الوزراء، وأسست للخارطة التشريعية والسياسية الحالية في المملكة.
هنا، وظّف الرفاعي عقليته التوافقية لإدارة لجنة ضخمة ضمت 92 عضواً يمثلون التنوع السياسي والفكري في الأردن (من إسلاميين، ويساريين، ليبراليين، قوميين، ومستقلين، إلى جانب الشباب والمرأة). تمثلت المهمة الأساسية في الانتقال بالحياة السياسية الأردنية نحو مرحلة "الحكومات البرلمانية الحزبية" القائمة على البرامج.
وفي أكتوبر 2021، قدمت اللجنة مخرجاتها التاريخية التي تحولت لقوانين نافذة غيرت وجه العمل السياسي:
* قانون انتخاب جديد (نظام هجين): خصص لأول مرة 41 مقعداً في البرلمان لقائمة وطنية مغلقة تتنافس عليها الأحزاب السياسية (مع التخطيط لزيادتها تدريجياً لتصل إلى 65% في الانتخابات اللاحقة)، إلى جانب دمج الدوائر المحلية وتخفيض سن الترشح إلى 25 عاماً لتمكين الشباب.
* قانون أحزاب جديد: وضع شروطاً صارمة لمأسسة الأحزاب (أن لا يقل المؤسسون عن 1000 شخص من 6 محافظات على الأقل، وبنسبة تمكين للشباب والمرأة لا تقل عن 20%)، مع نقل المرجعية للهيئة المستقلة للانتخاب لضمان الحياد والنزاهة.
* تعديلات دستورية مواكبة: ضمنت حماية العمل الحزبي، وحظر ملاحقة المواطنين وطلبة الجامعات بسبب انتمائهم الحزبي، وتنظيم العلاقة بين السلطتين تمهيداً للحكومات البرلمانية.
وقد تجسد الأثر المباشر لهذه العقلية الهندسية في انتخابات البرلمان العشرين، التي أفرزت برلماناً يسيطر على أكثر من ثلث مقاعده نواب ينتمون لأحزاب سياسية برامجية بناءً على مخرجات لجنة الرفاعي، لتقود المشهد الأردني الحالي نحو مرحلة جديدة من مأسسة العمل الحزبي الكفؤ.
الحراك الميداني: واجب وطني لا طمع في الكرسي
عقب صدور مخرجات اللجنة الملكية، شهدنا تحركاً ميدانياً واسعاً ومكثفاً لدولة سمير الرفاعي؛ حيث طاف محافظات المملكة من شمالها إلى جنوبها، والتقى بالشيوخ، والوجهاء، والأهالي، وأصحاب الفكر والشباب في البوادي والمخيمات والمدن. هذا الحراك فتح باباً واسعاً لـ"القيل والقال" والتأويلات السياسية في الصالونات، حيث تداولت بعض الأقلام والمجالس تفسيرات سطحية تزعم أن الرجل "طامع بالكرسي"، وأنه يقوم بجولات استعراضية يروج فيها لنفسه لكي يعود مجدداً إلى "الدوار الرابع".
لكن القراءة العميقة والموضوعية لسيرة الرفاعي وطبيعة تفكيره تدحض هذه المزاعم جملةً وتفصيلاً. فالرجل لم يكن بحاجة يوماً لترويج نفسه؛ وهو الذي خرج من عقر دار رئاسة الوزراء بإرادته واستقالته الشجاعة إيثاراً لاستقرار الوطن عام 2011. إن جولاته في المحافظات والتقاءه بالقوى المجتمعية لم تكن ديباجة انتخابية أو سعياً وراء سلطة أذعن لتسليم مفاتيحها سابقاً دون تردد، بل كانت ترجمة والتزاماً تاماً بموجبات التكليف الملكي.
لقد أدرك الرفاعي أن التحديث السياسي لا يمكن أن ينجح إذا ظل حبيس الأوراق والصالونات النخبوية في العاصمة عمان، بل يجب أن يُشرح للناس وجهاً لوجه، وأن يُسمع صوت الأهالي وتُبدد مخاوفهم، وتُغرس فكرة العمل الحزبي البرامجي في وجدان الشباب الأردني مباشرة. كان يتحرك بصفته رئيساً للجنة التحديث، حاملاً مشروع الدولة ومستقبلها التشريعي، ولم يكن يروج لشخصه أو يبحث عن شعبوية زائلة.
وأخيرا؛ فدولة سمير زيد الرفاعي يفكر كمهندس للسياسات وبانٍ للجسور؛ يجمع بين إرث فهم توازنات الدولة الأردنية وهيبتها، وبين لغة العصر القائمة على البرامج والأرقام والمؤسسية والمساءلة. إنه رجل دولة لا تهزه الأرقام ولا ترهبه العواصف، يتنحى بشجاعة عندما تتطلب مصلحة الأردن العليا ذلك، ويعود ليصوغ مستقبل البلاد التشريعي والسياسي عندما يستدعيه الواجب الملكي.
لقد أثبتت الأيام أن سمير الرفاعي زاهدٌ في المناصب إذا تعارضت مع استقرار الأردن، وحريصٌ على النزول للميدان إذا تطلب الواجب الوطني التوعية والبناء. وخلف هذا الغلاف الرسمي الصارم، يقبع رجلٌ تشرّب حب الوطن من مدرسة الهاشميين، يحفظ الأسماء، ويتابع التفاصيل، ولا يتوانى عن تقديم العون، مؤمناً بأن السياسة في نهاية المطاف هي خدمة إنسانية، وتضحية مسؤولة، وبناء جسور وثيقة لا تنقطع أبداً.




