القلعة نيوز -
لم تعد التنمية في مفهومها المعاصر مسؤولية الحكومات المركزية وحدها بل أصبحت عملية تشاركية تتكامل فيها أدوار المؤسسات الوطنية والمحلية والمجتمعات المدنية والقطاع الخاص وفي هذا السياق تبرز البلديات باعتبارها أحد أهم الفاعلين في منظومة التنمية المحلية نظراً لقربها من المواطنين وإدراكها لاحتياجاتهم وقدرتها على تحويل الموارد المحلية إلى فرص تنموية تسهم في تحسين نوعية الحياة وتحقيق التنمية المستدامة.
وفي الأردن شهدت البلديات خلال العقود الأخيرة تحولاً تدريجياً في طبيعة أدوارها ووظائفها حيث انتقلت من مفهوم المؤسسة الخدمية التي تقتصر مهامها على تنظيم الشوارع وجمع النفايات وتقديم الخدمات الأساسية إلى مفهوم المؤسسة التنموية التي يقع على عاتقها المساهمة في تحريك عجلة الاقتصاد المحلي وتعزيز الاستثمار وتمكين المجتمعات المحلية من المشاركة في صناعة مستقبلها التنموي.
إن التنمية المحلية الحقيقية تبدأ من المجتمع المحلي نفسه وتنطلق من فهم دقيق لاحتياجاته وموارده وتحدياته ومن هنا تكتسب البلديات أهمية استثنائية باعتبارها الجهة الأقدر على ربط الخطط الوطنية بالاحتياجات المحلية وتحويل الرؤى والاستراتيجيات العامة إلى مشاريع وبرامج ملموسة يشعر المواطن بأثرها المباشر في حياته اليومية فالبلدية ليست مجرد وحدة إدارية بل هي مؤسسة تنموية تمثل حلقة الوصل بين الدولة والمجتمع وبين السياسات العامة ومتطلبات الواقع المحلي.
ويُعد البعد الاقتصادي من أبرز مجالات الدور التنموي للبلديات فالمجتمعات المحلية تمتلك طاقات وموارد متنوعة غالباً ما تبقى غير مستغلة بالشكل الأمثل وهنا يبرز دور البلديات في اكتشاف المزايا النسبية لكل منطقة وتوجيه الاستثمارات نحو القطاعات الواعدة سواء في الزراعة أو الصناعة أو السياحة أو الخدمات كما أن تطوير البنية التحتية وتحسين البيئة الاستثمارية وتبسيط الإجراءات الإدارية يشكل عوامل أساسية في جذب الاستثمارات وخلق فرص العمل والحد من البطالة والفقر.
ولم تعد البلديات الناجحة تقاس بحجم ما تقدمه من خدمات فقط وإنما بقدرتها على توليد التنمية الاقتصادية المحلية فالبلدية القادرة على استثمار أصولها وممتلكاتها وعقد شراكات فاعلة مع القطاع الخاص واستقطاب التمويل للمشاريع التنموية هي بلدية تمتلك رؤية تنموية تتجاوز الإدارة التقليدية إلى الإدارة الريادية القائمة على الابتكار والاستدامة.
أما البعد الاجتماعي للتنمية المحلية فيتجلى في الدور الذي تؤديه البلديات في تعزيز التماسك المجتمعي وترسيخ مبادئ المشاركة والمواطنة الفاعلة فالتنمية لا تُقاس بالمباني والمشروعات فحسب وإنما بقدرتها على بناء الإنسان وتمكينه ولذلك تسهم البلديات في دعم المبادرات الشبابية والنسائية وتوفير المساحات الثقافية والرياضية والترفيهية وتعزيز العمل التطوعي بما يسهم في بناء مجتمع أكثر تماسكاً وقدرة على مواجهة التحديات.
وفي ظل التحديات البيئية المتزايدة التي يشهدها العالم أصبح للبلديات دور استراتيجي في تحقيق التنمية البيئية المستدامة فالإدارة الرشيدة للنفايات والمحافظة على الموارد الطبيعية والتوسع في المساحات الخضراء وتشجيع استخدام الطاقة المتجددة لم تعد مجرد أعمال خدمية بل أصبحت استثمارات طويلة الأمد في صحة الإنسان وجودة الحياة واستدامة الموارد للأجيال القادمة.
ويكتسب الدور التنموي للبلديات أهمية مضاعفة في المناطق الطرفية والريفية والبادية الأردنية حيث تمثل البلدية في كثير من الأحيان المؤسسة التنموية الأكثر حضوراً وتأثيراً ومن هنا فإن تمكين البلديات في هذه المناطق يشكل مدخلاً أساسياً لتحقيق العدالة التنموية وتقليص الفجوات الاقتصادية والاجتماعية بين المحافظات والأقاليم المختلفة بما ينسجم مع الرؤية الوطنية الرامية إلى تحقيق تنمية متوازنة وشاملة.
ورغم ما تحقق من إنجازات ما تزال البلديات تواجه جملة من التحديات المتعلقة بمحدودية الموارد المالية وارتفاع النفقات التشغيلية وضعف الاستثمار البلدي والحاجة إلى تطوير القدرات المؤسسية والفنية غير أن هذه التحديات يمكن أن تتحول إلى فرص إذا ما تم تبني نهج تنموي قائم على الحوكمة الرشيدة والتخطيط الاستراتيجي والشراكات الفاعلة والاستثمار الأمثل للموارد المحلية.
إن مستقبل البلديات في الأردن لا يكمن في توسيع نطاق الخدمات التقليدية فحسب بل في تعزيز دورها كقادة للتنمية المحلية وشركاء في صنع المستقبل فالبلديات التي تمتلك رؤية واضحة وإدارة كفؤة وشراكة حقيقية مع المجتمع قادرة على أن تكون محركاً للنمو الاقتصادي وحاضنة للمبادرات المجتمعية ومنصة للاستثمار والإبداع والتنمية المستدامة.
وفي ظل مسارات التحديث السياسي والإداري والاقتصادي التي تشهدها المملكة فإن الرهان على البلديات لم يعد رهاناً على تحسين الخدمات فقط بل هو رهان على بناء مجتمعات محلية قوية ومنتجة وقادرة على المشاركة الفاعلة في تحقيق أهداف التنمية الوطنية وعندما تمتلك البلديات الأدوات والموارد والصلاحيات اللازمة فإنها تتحول من مؤسسات لإدارة الواقع إلى مؤسسات لصناعة المستقبل ومن وحدات خدمية إلى شركاء حقيقيين في بناء الأردن الحديث الذي ينشده الجميع.
موفق عبدالحليم ابودلبوح




