شريط الأخبار
الطراونة يحذر من تعاطي الكريستال يدفع بعض المدمنين إلى ارتكاب جرائم الصحة: علاج 549 حالة إدمان على المؤثرات العقلية عام 2025 أبو السمن: قطاع الإنشاءات من الركائز الأساسية للاقتصاد الوطني الرواشدة : السردية الأردنية تمثل كنزاً وطنياً نسعى من خلاله إلى إبراز كل ما هو عظيم في تاريخ الأردن اختتام بطولة العرب للشطرنج للشباب 2026 🇯🇴🔥 إدارية النواب تقر مواد بالإدارة المحلية لسنة 2026 الأمير علي: المنتخب لم يتسلم أمواله من كأس العرب وفرضت علينا ضرائب في المونديال روبيو: إحراز تقدم في المحادثات مع إيران لإعادة فتح مضيق هرمز وزير الخزانة الأميركي يأمل باتفاق مع إيران الأربعاء لإعادة فتح مضيق هرمز 3 وزراء في معبر "الكرامة" لحل معيقات الترانزيت مع العراق الملك يترأس اجتماعا لمتابعة إجراءات الحكومة لتعزيز أمن الطاقة والغذاء اتفاقية بين الأردن وأمريكا بقيمة 354.6 مليون دولار خطوة قضائية تعيد خلط أوراق نتنياهو لا صحة لاستقالة صالح السقار من حزب مبادرة "البوتاس العربية" تمول مشروع إنشاء مبنى العيادات الخارجية في مستشفى الكرك الحكومي بكلفة تصل إلى (4) ملايين دينار Hormuz back in focus as Trump suspends planned strike on Iran استهداف سفينة بضائع سائبة بمقذوف قرب مضيق هرمز الحوثيون يعلنون ضرب "هدف حساس" في مطار نجران في السعودية الأردن يؤيد بيان مصر وقطر وتركيا ويدين الانتهاكات الإسرائيلية في غزة إيران: خطة قيد النقاش مع عُمان لإعادة فتح مضيق هرمز تحت إشراف طهران

بني عطية يكتب: العرف العشائري

بني عطية  يكتب: العرف العشائري
بقلم د. عوده حامد الاصفر بني عطية
من وحي ما تشرفت به من مجالس والدي -رحمه الله-، ومن مجالس الغانمين شرواكم، وما سمعته من أهل الإصلاح وأصحاب الخبرة، أكتب هذه الكلمات، لا ادعاءً للإحاطة، وإنما نقلًا لما تعلمته واستفدته، فإن أصبت فمن الله وحده، وإن أخطأت فمن نفسي، والله من وراء القصد.

قبل أن يُبادر أحد إلى نقد الأعراف العشائرية أو إصدار الأحكام عليها، لا بد أولًا من فهم نشأتها، والظروف التي أوجدتها، والمقاصد التي قامت عليها. فليس من الإنصاف أن تُختزل منظومة اجتماعية امتدت لعقود طويلة، وربما لقرون، في انطباعات عابرة أو أحكام سطحية لا تستند إلى معرفة حقيقية بتاريخها ووظيفتها.

لقد جاءت الأعراف العشائرية استجابةً لحاجة المجتمعات إلى الأمن والاستقرار، وحفظ الدماء والحقوق، وإخماد نار الفتن والثأر، وإعادة الوئام بين الناس. وفي مراحل تاريخية سابقة، حين لم تكن مؤسسات الدولة قد بلغت اتساعها الحالي أو كانت إمكانات الوصول إلى خدماتها محدودة في بعض المناطق، كانت هذه الأعراف تؤدي دورًا مهمًا في احتواء الأزمات، ومنع اتساع دائرة النزاعات، والمحافظة على تماسك المجتمع، حتى أصبحت جزءًا من الثقافة الاجتماعية في كثير من البلدان العربية.

ولم تكن الأعراف العشائرية في يوم من الأيام بديلًا عن الشريعة الإسلامية، بل إن الأصل فيها أن تكون منسجمة مع مقاصدها في تحقيق العدل، ورفع الظلم، وإصلاح ذات البين، ولذلك قرر العلماء قاعدة عظيمة مفادها أن «العادة محكمة»، أي أن العرف يُعتد به ما دام لا يصادم نصًا شرعيًا ولا يهدر حقًا ثابتًا. أما إذا خالف الشريعة أو ترتب عليه ظلم أو اعتداء، فلا كرامة لعرف يخالف شرع الله أو يضر بالناس.

والذين يظنون أن الصلح العشائري يتم في ساعة أو بكلمة عابرة، لا يعرفون شيئًا عن حجم الجهود التي تُبذل خلف الكواليس. فالصلح يسبقه تعبٌ ومشقة، وساعات طويلة من الحوار، وتقريب وجهات النظر، واحتواء الغضب، وإقناع النفوس، حتى تُغلق أبواب الفتنة، ويأمن الناس، ويأخذ كل ذي حق حقه. فإذا اختار صاحب الحق بعد ذلك العفو والصفح، فإنما يفعل ذلك مروءةً واحتسابًا للأجر، لا ضعفًا ولا إكراهًا.

ومن الإنصاف أيضًا أن نقرر أن الأعراف ليست نصوصًا مقدسة، بل هي اجتهادات بشرية، تقبل التطوير والمراجعة والتقويم كلما اقتضت المصلحة ذلك. وقد شهدنا في الأردن خلال السنوات الأخيرة توافقًا وطنيًا وعشائريًا على تعديل بعض الأعراف، ومن أبرزها تضييق نطاق الجلوة العشائرية، وهو دليل واضح على أن العرف ليس جامدًا، وإنما يتطور بما يحقق العدالة ويخفف الضرر ويحفظ السلم المجتمعي.

كما أن وجود دولة قوية، وقضاء عادل، وأجهزة أمنية محترفة، لا يتعارض مع الدور الإصلاحي الذي يقوم به الوجهاء وأهل الصلح، بل إن التكامل بين سيادة القانون والإصلاح الاجتماعي هو الضمان الحقيقي لاستقرار المجتمع، فلا يطغى أحدهما على الآخر، بل يتعاونان لتحقيق الأمن وصيانة الحقوق.

والمؤسف أن بعض الأصوات التي تهاجم الأعراف العشائرية لم تحضر مجلس صلح واحد، ولم تقرأ في هذا الباب، ولم تسمع من أهله، ثم تتحدث بثقة وكأنها المرجع فيه. وهذه هي المشكلة الحقيقية؛ أن يتصدر المشهد من لا علم له، وأن يصبح الجهل منبرًا تُبنى عليه الأحكام، فيُضلَّل الناس، ويُشوَّه ما لا يعرفونه.

كما أن الخطأ الذي يقع فيه البعض هو تعميم الحكم؛ فإذا وجد عرفًا خاطئًا أو ممارسةً مرفوضة، حكم على جميع الأعراف بالبطلان. وهذا ليس من الإنصاف، لأن العاقل يفرق بين الأصل والتطبيق، وبين العرف الصحيح الذي يحقق المصلحة، والممارسة الخاطئة التي يجب تصحيحها أو إلغاؤها.

إن الأعراف العشائرية ليست قضية تُفهم من تعليق في وسائل التواصل، ولا من مقطع لا يتجاوز دقيقة، وإنما هي علم وتجربة وتاريخ، شارك في بنائها رجال إصلاح وقضاة عشائريون ووجهاء أفنوا أعمارهم في حقن الدماء، وإطفاء الفتن، وجمع الكلمة، وتقريب النفوس، حتى عاش الناس في كثير من المراحل حالةً من الأمن الاجتماعي بفضل الله ثم بفضل جهودهم.

ومن أراد أن يتحدث في هذا الباب، فليتسلح أولًا بالعلم، وليقرأ قبل أن يحكم، وليستمع إلى أهل الخبرة قبل أن يهاجم، فإن الكلام بغير علم لا يبني رأيًا، ولا يصنع إصلاحًا، وإنما يوقع الناس في اللبس، ويزيد الفرقة، ويجعل صاحبه داخلًا في قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾.

فالنقد البنّاء حق، بل هو ضرورة، والإصلاح مطلب، لكن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بهدم كل ما ورثناه، ولا بتقديس كل ما ورثناه، وإنما يبدأ بالعدل والإنصاف؛ فنُبقي على ما حقق المصلحة وحفظ المجتمع، ونُصلح ما اعوج، ونُلغي ما ثبت ضرره ومخالفته للشريعة والقانون. وبهذا وحده تُصان المجتمعات، وتستقيم الأحكام، ويعلو صوت الحكمة على ضجيج الشعارات.