شريط الأخبار
لائحة المنتخب الاردني للشطرنج المشارك في الاولمبياد سمرقند اوزبكستان 2026 السعود يدعو رئيس الوزراء إلى زيارة ميدانية لعمان الثانية والوقوف على احتياجاتها الخدمية والتنموية عاجل ... المصري يستقيل من رئاسة كتلة حزب عزم النيابية ترامب: كل شيء يسير بشكل استثنائي بشأن إيران أوغندا توافق على نشر وحدة من جيشها في غزة صدور نظام الاختصاص والتصنيف الفني في مهنة التمريض والقبالة قتيلان و 13 إصابة بانفجار استهدف حافلة ركاب في ريف دمشق إرادة ملكية بتعيين العيسوي والبطاينة في مجلس الأمن القومي إرادة ملكية بمنح وسام الاستقلال لسفيرين (أسماء) الأردن يدين تفجير حافلة بجرمانا في سوريا رئيسة فنزويلا تقلد قائد وأعضاء فريق البحث الأردني أوسمة صدور نظام لاعتماد خبراء محلفين في المحاكم النظامية لأول مرة المواصفات: شعور المواطنين بسرعة استهلاك البنزين قد يكون مرتبطًا بارتفاع أسعاره سنتكوم: تغيير مسار 49 سفينة وتعطيل سفينتين منذ إعادة حصار إيران تعديلات قانون الجامعات الأردنية تدخل حيز التنفيذ : واقعيه المشهد المركز العربي الطبي/ مستشفى خاص متطور في الاردن أقوى وأضعف جوازات السفر في العالم خلال 2026 .. سنغافورة تتصدر اللجنة النقابية في "البوتاس": مشروع التوسعة الجنوبية يعزز التنمية ويوفر فرص عمل الضمان تعتمد تسجيل دخول الأردنيين لخدماتها الإلكترونية عبر "سند" الأمير علي: لن ندعم إنفانتينو ولن نصوت له

هل المواطن وحده؟

هل المواطن وحده؟
نسرين الطويل

قبل أن نختلف حول من نلوم… هناك سؤال واحد يحدد مستقبل أي وطن: من يتحمل مسؤولية بنائه؟

هل المواطن وحده؟

أم من يملك السلطة، والقرار، والقدرة على التغيير؟

لأن العدالة في توزيع المسؤولية لا تعني مساواة الجميع في حجم التأثير.

ففي كل مجتمع، تتناسب المسؤولية مع مقدار السلطة. فمن يملك القوة، ويملك القرار، ويملك القدرة على التغيير، لا يمكن أن تكون مسؤوليته مساوية لمسؤولية المواطن العادي.

فالحقوق تتساوى بين الناس، أما المسؤوليات فلا. فالمسؤولية تكبر كلما اتسعت دائرة التأثير.

بعد حديثي عن مشكلة النظافة وسلوك المجتمع، وصلني تعليق يقول إنني أحمل الحكومة كل المسؤولية.

توقفت عند هذه الفكرة، لأنني لا أؤمن لا بإلقاء اللوم على طرف واحد، ولا بإعفاء أي طرف من مسؤوليته.

أنا لا أهاجم الحكومة…

لكنني أؤمن أن من يملك القدرة على وضع القوانين، وتطبيقها بعدالة، وصناعة السياسات، يتحمل مسؤولية أكبر في بناء النظام وحماية المصلحة العامة.

فالحكومة ليست مسؤولة عن حمل المكنسة، لكنها مسؤولة عن بناء منظومة تجعل احترام المكان والنظام سلوكًا طبيعيًا، وتجعل مخالفة القانون أمرًا له نتائج واضحة.

وفي الوقت نفسه…

المواطن ليس خارج المعادلة.

فالوطن لا يبنيه طرف واحد…

ولا يهدمه طرف واحد.

دعونا نواجه سؤالًا بسيطًا:

لماذا نفتخر بنظافة بيوتنا، ثم نقبل أن يكون الشارع أمامها مليئًا بالقمامة؟

كيف يتحول المكان الذي نعتبره امتدادًا لكرامتنا داخل المنزل، إلى مكان لا نشعر بأي مسؤولية تجاهه بمجرد أن نخرج إلى الشارع؟

إذا دخلت بيتًا ورأيت الأطفال يرمون ألعابهم وثيابهم في كل مكان، فما أول سؤال سيخطر في بالك؟

هل المشكلة في الأطفال فقط؟

أم ستسأل:

أين التربية؟

وأين قوانين هذا البيت؟

وهذا تمامًا ما يجب أن نسأله عندما ننظر إلى مجتمعنا.

فالمجتمع هو بيتنا الكبير.

إن أخطر ما يصيب المجتمعات ليس تراكم القمامة في الشوارع… بل تراكم فكرة أن المسؤولية تقع دائمًا على شخص آخر.

فعندما ينتظر المواطن الحكومة، وتنتظر الحكومة المواطن، ويتبادل الجميع اللوم… يبقى الوطن هو الخاسر الوحيد.

القوانين ليست رفاهية…

إنها الأداة التي تحمي النظام عندما لا يكفي الوعي وحده.

صدقوني…

لو أن صاحب أي محل يعلم أن ترك القمامة أمام محله سيكلفه مخالفة مالية حقيقية، فلن يكرر ذلك.

ليس لأن شخصيته تغيرت فجأة…

بل لأن القانون ساعد على بناء سلوك جديد.

وهكذا تُبنى المجتمعات.

ولو أن كل بلدية اشترطت على كل من يبني منزلًا، أو يفتح محلًا، أن يزرع شجرة أو نبتة أمامه ويحافظ عليها، لتغير وجه مدننا خلال سنوات قليلة.

فالمدن الجميلة لا تولد صدفة…

إنها نتيجة قرارات صغيرة تتكرر كل يوم.

أحيانًا تبدأ الحضارة بشجرة…

وأحيانًا تبدأ بسلة قمامة…

وأحيانًا تبدأ بقانون يُطبَّق بعدل على الجميع.

لكن القانون وحده لا يكفي.

فلو أن كل أسرة علّمت أبناءها أن الوطن هو البيت الأكبر، وأن رمي القمامة في الشارع يشبه رميها في غرفة الجلوس، لكبر جيل يرى المحافظة على المكان احترامًا لنفسه قبل أن تكون واجبًا على غيره.

ولو أن كل مدرسة غرست في طلابها أن احترام البيئة والمكان جزء من احترام الإنسان، لتغيرت علاقتنا بالمجتمع.

ولو أن المؤسسات الدينية جعلت معنى "النظافة من الإيمان” مشروعًا عمليًا، فخرج الشباب لخدمة أحيائهم، وتنظيف شوارعهم، وغرس الأشجار، لرأينا أثر القيم في الواقع قبل أن نسمعها في الكلمات.

الوطن لا يبنيه السياسي وحده…

ولا رجل الدين وحده…

ولا المعلم وحده…

ولا الأسرة وحدها…

بل يبنيه الجميع.

الحكومة بالقانون.

والأسرة بالتربية.

والمدرسة بالوعي.

والمؤسسات الدينية بغرس القيم وتحويلها إلى عمل.

والمواطن باحترام المكان الذي يعيش فيه.

أنا لا أبحث عن مذنب…

ولا أبحث عن شماعة نعلّق عليها أخطاءنا.

أنا لا أبحث عن طرف أنتصر له… بل عن وطن ينتصر للجميع.

ووطن كهذا لا يُبنى بالشعارات…

ولا يولد بالصدفة…

ولا يقوم على تبادل الاتهامات.

بل يُبنى عندما يفهم كل صاحب سلطة أن سلطته مسؤولية…

ويفهم كل مواطن أن حريته مسؤولية…

ويفهم كل أب وأم أن التربية مسؤولية…

ويفهم كل معلم أن رسالته مسؤولية…

ويفهم كل صاحب قرار أن أثره يمتد إلى أجيال.

حين تتحول السلطة إلى مسؤولية…

وتتحول التربية إلى مشروع…

ويتحول القانون إلى عدالة…

ويتحول المواطن من متفرج إلى شريك…

عندها فقط… يولد الوطن.

فالأوطان لا تنهض لأن فيها أناسًا صالحين فقط…

بل لأنها تبني أنظمة تساعد الناس على أن يكونوا أفضل، وتزرع فيهم شعورًا بأن المسؤولية ليست عبئًا، بل شرفًا.

فالأوطان العظيمة لا يصنعها أناس يتقنون الشكوى…

بل يصنعها أناس يتقنون تحمّل المسؤولية.

وهذا هو الوطن الذي أؤمن به… وأسعى إليه.


"كل إصلاح يبدأ من الإنسان… لكن الإنسان يحتاج إلى منظومة تساعده على أن يكون أفضل.”

كاتبة ومستشارة أسرية وتربوية مؤسسة ومديرة Nesrin Consulting ورئيسة فرع كاليفورنيا للاتحاد العربي للمثقفين العرب في الولايات المتحدة.
متخصصة في بناء الوعي الأسري والمجتمعي، وتطوير الفكر التربوي، وتؤمن بأن تغيير الأوطان يبدأ ببناء الإنسان، وأن التربية، والقيم، والمسؤولية المشتركة هي الأساس لصناعة مجتمعات أكثر وعيًا وعدلًا وحضارة.