القلعة نيوز:
بقلم: د. يوسف فايز الدلابيح
لم يعد الاستثمار في عالم اليوم مجرد أرقام تتعلق بحجم رؤوس الأموال أو عدد المشاريع التي تدخل إلى دولة ما، وإنما أصبح جزءاً من منظومة أوسع تتصل بالتنمية وفرص العمل وبناء القدرات وتحسين مستوى المعيشة. ومن هنا، فإن الحديث عن الاستثمار في الأردن يمكن أن يُقرأ من زاوية اقتصادية، لكنه في الوقت ذاته يحمل أبعاداً تتصل بحقوق الإنسان، وفي مقدمتها الحق في العمل، والحق في التنمية، وتكافؤ الفرص.
وفي هذا السياق، يبرز حضور صاحب السمو الملكي الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، في متابعة عدد من الملفات الاقتصادية والاستثمارية، باعتباره جزءاً من توجه وطني يسعى إلى ربط التحديث الاقتصادي بقدرة الدولة على توفير فرص حقيقية أمام الأجيال الجديدة.
فجذب الاستثمار لا ينبغي أن يكون غاية قائمة بذاتها، وإنما وسيلة يمكن أن تسهم في بناء اقتصاد أكثر قدرة على توفير فرص العمل، واستيعاب الطاقات الشابة، وتعزيز الإنتاجية، وفتح مجالات جديدة أمام الكفاءات الأردنية.
ومن هنا، فإن متابعة ملف الاستثمار، بما في ذلك المؤتمرات واللقاءات الاقتصادية، لا ينبغي أن تُقرأ فقط باعتبارها مناسبات للتعريف بالفرص المتاحة في المملكة، وإنما باعتبارها فرصة لإعادة التفكير في طبيعة الاستثمار الذي يحتاجه الأردن، ومدى قدرته على إنتاج قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد والمجتمع.
ومن منظور حقوق الإنسان، يرتبط الاستثمار ارتباطاً وثيقاً بالحق في العمل. فقد أقر العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية حق كل شخص في العمل، بما يشمل حقه في كسب رزقه من خلال عمل يختاره أو يقبله بحرية. ولا يعني ذلك أن الدولة مطالبة بتوفير وظيفة لكل فرد بصورة مباشرة، وإنما يعني أن السياسات الاقتصادية والتنموية ينبغي أن تهيئ بيئة تسمح بتوسيع فرص العمل وتعزيز المشاركة الاقتصادية.
وهنا يصبح السؤال الأهم عند تقييم أي مشروع استثماري ليس فقط: كم تبلغ قيمته؟ وإنما أيضاً: ماذا سيضيف للاقتصاد الوطني؟ وهل يسهم في توفير فرص عمل؟ وهل ينقل المعرفة والتكنولوجيا؟ وهل يفتح المجال أمام الشركات والكفاءات الأردنية للمشاركة في قطاعات إنتاجية جديدة؟
وتكتسب هذه الأسئلة أهمية خاصة في ظل التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي، حيث لم تعد المنافسة بين الدول تعتمد على رأس المال وحده، وإنما أصبحت المعرفة والابتكار والمهارات والتكنولوجيا من أهم عناصر القدرة التنافسية.
ولذلك فإن الاستثمار في الإنسان يظل أحد أهم مقومات جذب الاستثمار نفسه. فالمستثمر يبحث عن بيئة مستقرة، وتشريعات واضحة، وبنية تحتية مناسبة، لكنه يبحث كذلك عن الموارد البشرية القادرة على تشغيل المشاريع وتطويرها والاستمرار في المنافسة.
ومن هنا يمكن فهم العلاقة بين الاهتمام بالاستثمار والاهتمام بتعليم الشباب وتمكينهم. فالشاب الأردني لا ينبغي أن يكون مجرد مستفيد من فرص الاستثمار، وإنما شريكاً في إنتاجها وتطويرها. وكلما ارتفعت مهارات الشباب في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي والطاقة والهندسة وغيرها، ازدادت قدرة الاقتصاد الوطني على جذب استثمارات نوعية تبحث عن المعرفة والكفاءة.
كما أن تنويع الاستثمارات في قطاعات مثل التكنولوجيا والطاقة والمياه والسياحة والصناعات المتقدمة يمكن أن يفتح مساحات جديدة أمام الاقتصاد الأردني، خصوصاً إذا اقترن ذلك بسياسات تضمن استفادة المجتمعات المحلية من ثمار التنمية، وتمنح الشباب فرصاً عادلة للمشاركة فيها.
وفي هذا الإطار، تكتسب الدبلوماسية الاقتصادية أهمية متزايدة. فالعلاقات الدولية لم تعد محصورة في الملفات السياسية التقليدية، وإنما أصبحت تشمل بناء الشراكات الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية، بما يخدم المصالح الوطنية ويعزز قدرة الدول على مواجهة المتغيرات العالمية.
ويأتي حضور ولي العهد في الملفات الاقتصادية والشبابية ضمن مشهد أوسع من العمل الوطني؛ فالحضور في هذه الملفات يعكس أهمية بناء نموذج تنموي تكون فيه الدولة قادرة على تحويل الفرص إلى نتائج ملموسة، ويكون الشباب قادرين على الانتقال من مرحلة البحث عن الفرصة إلى مرحلة المشاركة في صناعتها.
ومن منظور القانون الدولي لحقوق الإنسان، فإن التنمية ليست منفصلة عن الكرامة الإنسانية. وقد تطور الخطاب الدولي خلال العقود الماضية ليؤكد أن الإنسان يجب أن يكون محور عملية التنمية وغايتها، وأن النمو الاقتصادي يكتسب قيمته الحقيقية عندما ينعكس على حياة الناس وقدرتهم على التمتع بحقوقهم الاقتصادية والاجتماعية.
ولهذا فإن نجاح السياسة الاستثمارية لا يقاس فقط بعدد الاتفاقيات أو المؤتمرات، وإنما بمدى قدرتها على تحويل الاستثمار إلى إنتاج، والإنتاج إلى فرص، والفرص إلى تمكين حقيقي للإنسان.
وفي النهاية، فإن التحدي الأكبر أمام الأردن ليس مجرد جذب الاستثمار، بل جذب الاستثمار الذي يصنع قيمة، ويوفر فرصة، وينقل معرفة، ويبني إنساناً قادراً على المنافسة في اقتصاد عالمي سريع التغير.
وهنا تتقاطع الرؤية الاقتصادية مع منظومة حقوق الإنسان؛ فحين يصبح الاستثمار وسيلة لتوسيع فرص العمل، وتمكين الشباب، وتعزيز المعرفة، وتحقيق التنمية المتوازنة، فإنه لا يعود ملفاً اقتصادياً فحسب، بل يصبح جزءاً من بناء مستقبل الإنسان والمجتمع.
ولعل جوهر الرؤية المستقبلية يمكن اختصاره في سؤال واحد:
هل نستطيع أن نحول الاستثمار من أرقام في التقارير إلى فرص يلمس أثرها الإنسان في حياته ومستقبله؟
فإذا كانت الإجابة نعم، فإن الاستثمار يكون قد تجاوز مفهوم رأس المال، ليصبح استثماراً في الإنسان ذاته؛ وهو الاستثمار الذي يبقى أثره الأطول في بناء أردن أكثر قدرة على مواجهة المستقبل.
د. يوسف فايز الدلابيح




