شريط الأخبار
الرواشدة: الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي يفرضان تحديث التعليم وتعزيز الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا القلعة نيوز تهنئ بالمولد النبوي الشريف الملكة: في مولد النبي نستمد من سيرته نورا يهدي قلوبنا ولي العهد: صلى عليك الله يا علم الهدى الملك: سيرة المصطفى نبراس نستلهم منه القيم ومكارم الأخلاق البوتاس العربية" تهنىء جلالة الملك وسمو ولي العهد والشعب الأردني بذكرى المولد النبوي الشريف الصفدي: سيتم توقيع نحو 24 اتفاقية ومذكرة تفاهم خلال زيارة الملك إلى الصين مشروع قانون جديد يعيد رسم قواعد الاستثمار في النفط والغاز والتعدين في يوبيله الذهبي.. البنك الأردني الكويتي يدخل موسوعة "غينيس للأرقام القياسية" بأكبر لوحة فسيفسائية من العملات المعدنية على شكل شعاره لمواصلة تمكين ودعم الشباب الأردني في مجالات الريادة والابتكار.. منصّة زين للإبداع شريكاً استراتيجياً لمركز الشباب العربي – الأردن صاحب "جمل المحامل" يرحل.. سليمان منصور حارس الذاكرة الفلسطينية يودعنا عن 79 عاماً المستشفى الميداني الاردني جنوب غزة يواصل تقديم الرعاية الطبية للاشقاء البروفيسور حابس العواملة ينصح تلميذه خليل الزيود: أنت مميز لكن لا تزج الدين في علم النفس إكستند تدمج "لافاد" و"سبيكس" و"فوديز بلوك" و"وورلد إيدج" اليوم اول إيام الدراسة " رقمنة" منصة عربية لتعزيز محتوى الإقتصاد الرقمي والريادة مفتي المملكة يحسم الجدل: الأدب مع النبي واجب.. والإساءة إلى مقامه من كبائر الذنوب الظواهر المنفلتة : شباب متسكعون (أصواتهم منكرة، مفرداتهم ساقطة، سراويلهم ساحلة) عشيرة الزيود : نرفض أي إساءة للرسول ونرفض التشهير بخليل الزيود .. والقضاء هو الفيصل امتحان الثانوية العامة في الأردن:

قازان يكتب: من بكين إلى المستقبل: الدبلوماسية الملكية وتوسيع خيارات الأردن في عالم متغيّر

قازان يكتب: من بكين إلى المستقبل: الدبلوماسية الملكية وتوسيع خيارات الأردن في عالم متغيّر

عدنان فيصل قازان

لم تكن زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى جمهورية الصين الشعبية، خلال الفترة من 18 إلى 24 آب 2026، زيارة ثنائية تقليدية تُضاف إلى سجل العلاقات الخارجية للمملكة، وإنما حملت في توقيتها ومضمونها ومحطاتها دلالات تتجاوز البعد الاقتصادي المباشر، فمن بكين عاصمة القرار السياسي، إلى شنغهاي، مركز التجارة والأعمال، وصولًا إلى شنجن، إحدى أبرز حواضن التكنولوجيا والابتكار في العالم، تحركت الدبلوماسية الملكية الأردنية في مساحة تجمع السياسة بالاقتصاد، والاستثمار بالتكنولوجيا، والعلاقات الثنائية بالتحولات الكبرى التي يشهدها النظام الدولي.

وتكتسب الزيارة وزنًا إضافيًا كونها تأتي بعد نحو نصف قرن على إقامة العلاقات الدبلوماسية الأردنية الصينية عام 1977، وبعد عقد على الارتقاء بها إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية عام 2015، فيما يستعد البلدان للاحتفال في عام 2027 بمرور خمسين عامًا على تأسيس العلاقات بينهما، ولذلك فإن السؤال لم يعد متعلقًا بمستقبل العلاقة من حيث استمرارها، وإنما بطبيعة المرحلة الجديدة التي يمكن أن تدخلها، وهل تبقى الشراكة في إطار التجارة والتعاون التقليدي؟ أم تتحول إلى شراكة أعمق في الاستثمار والإنتاج والتكنولوجيا والاقتصاد الجديد؟

من التجارة إلى شراكة تصنع القيمة
في جوهر التحرك الملكي، تبدو الرسالة الأردنية واضحة، الصين ليست بالنسبة للأردن مجرد سوق للاستيراد، والأردن لا ينبغي أن يكون بالنسبة للصين مجرد سوق للمنتجات، والمساحة الأوسع هي بناء شراكة إنتاجية تحقق قيمة مضافة للاقتصاد الأردني، وتربط الاستثمار الصيني بالتصنيع والتصدير ونقل التكنولوجيا وبناء القدرات البشرية.

ولهذا ركز جلالة الملك خلال لقاءاته مع المسؤولين والشركات الصينية على قطاعات تمتلك أهمية مباشرة لمستقبل الاقتصاد الأردني، من الصناعات الدوائية والغذائية والهندسية والزراعة، إلى الطاقة والمعادن والأسمدة، إلى الطيران والسياحة، وصولًا إلى التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي والصناعات المتقدمة، وهذه القطاعات ليست قائمة منفصلة من الفرص، وإنما تشكل في مجموعها صورة لاقتصاد يريد الأردن أن ينتقل فيه من الاعتماد على التجارة إلى توسيع قاعدة الإنتاج، ومن استيراد التكنولوجيا إلى توطين المعرفة والاستفادة منها في بناء قدرات وطنية.

فالاستثمار الحقيقي بالنسبة للأردن ليس مجرد رأس مال يدخل المملكة، وإنما رأس مال يخلق مصنعًا، وينقل تقنية، ويدرّب كوادر، ويفتح أسواقًا، ويربط الشركات الأردنية بسلاسل الإنتاج العالمية، ويوفر وظائف ذات قيمة، ويزيد من قدرة الاقتصاد على التصدير، ومن هنا تبرز إحدى أهم الفرص التي تفتحها الشراكة مع الصين، أن يتحول الأردن إلى قاعدة إنتاج وتصدير للشركات الصينية نحو الأسواق العربية والإقليمية والدولية، مستفيدًا من موقعه الجغرافي واتفاقياته التجارية واستقراره وكفاءاته البشرية، عندها تصبح العلاقة مع الصين أداة لتعزيز الإنتاج الوطني، لا مجرد زيادة حجم الواردات.

بكين وشنغهاي وشنجن.. ثلاث بوابات للصين

يحمل مسار الزيارة نفسه دلالة تستحق التوقف عندها، ففي بكين، التقى جلالة الملك الرئيس شي جينبينغ ورئيس مجلس الدولة لي تشيانغ ورئيس اللجنة الدائمة للمجلس الوطني لنواب الشعب الصيني تشاو لجي، بما يعكس المستوى السياسي الرفيع للعلاقة بين البلدين، ثم انتقل الحوار في شنغهاي إلى مساحة الشركات والاستثمار والتجارة والسياحة، قبل أن يصل في شنجن إلى التكنولوجيا والابتكار والصناعات المتقدمة والروبوتات وحلول النقل والخدمات اللوجستية.

وهكذا، لم تكن الزيارة إلى الصين السياسية وحدها، وإنما إلى الصين الاقتصادية والتكنولوجية أيضًا، وهذه نقطة جوهرية، لأن القوة الصينية المعاصرة لا تقوم على عامل واحد، بل على منظومة متكاملة تجمع الدولة القوية، والاقتصاد الإنتاجي، والقدرة التكنولوجية، وسلاسل التوريد العالمية، ومن الطبيعي أن يحاول الأردن بناء علاقة مع هذه المنظومة في مجملها، لا مع جزء واحد منها.

وفي هذا السياق، يكتسب الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا أهمية خاصة بالنسبة للأردن، الذي يمتلك قاعدة بشرية شابة ومؤهلة يمكن أن تشكل عنصرًا رئيسيًا في أي شراكة تكنولوجية مستقبلية، والتحدي هنا ليس استيراد الحلول التقنية الصينية، وإنما بناء شراكات تسمح بنقل المعرفة، وتطوير البحث والتطوير، وتأهيل الكفاءات، وإقامة مشاريع وشركات قادرة على إنتاج التكنولوجيا، لا استهلاكها فقط.

السياحة والطيران.. جسر اقتصادي جديد

كما حملت الزيارة اهتمامًا واضحًا بالسياحة باعتبارها إحدى أكثر القنوات قدرة على ربط الاقتصادين الأردني والصيني، فالسوق الصينية من أكبر الأسواق السياحية في العالم، وفتحها أمام الأردن لا يعني زيادة أعداد الزوار فحسب، بل تحريك قطاعات واسعة من الاقتصاد، من الطيران والفنادق والنقل والمطاعم إلى التجارة والخدمات والمواقع السياحية والثقافية.

ولهذا جاء البحث في تسيير رحلات جوية مباشرة بين البلدين، إلى جانب مذكرة التفاهم بين الملكية الأردنية والخطوط الجوية الصينية، ليحمل أهمية تتجاوز قطاع الطيران نفسه، فالربط الجوي هو بنية تحتية للعلاقة الاقتصادية، لأنه يسهل حركة السياح والمستثمرين ورجال الأعمال والطلبة، ويجعل المسافة الجغرافية أقل تأثيرًا في العلاقات التجارية والإنسانية.

السياسة حاضرة بقوة.. والصين ليست شريكًا اقتصاديًا فقط

لكن اختزال الزيارة في الاقتصاد سيكون قراءة ناقصة، فالبيان المشترك الذي صدر في ختامها، والمكون من خمسة عشر بندًا، يكشف أن العلاقة الأردنية الصينية تتحرك في مساحة سياسية أيضًا، خصوصًا في ظل تنامي الدور الصيني في القضايا الدولية والإقليمية.

وفي القضية الفلسطينية، جاء الموقف المشترك واضحًا في الدعوة إلى تثبيت وقف إطلاق النار في غزة، وإدخال المساعدات الإنسانية، ودعم الأونروا، والحفاظ على وحدة الأراضي الفلسطينية، والتأكيد على حل الدولتين وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من حزيران 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، كما ثمّنت الصين الدور الأردني في إيصال المساعدات الإنسانية إلى غزة، وأكدت دعمها للوصاية الهاشمية التاريخية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.

وهذه النقطة تحمل أهمية خاصة للأردن، لأن القدس والقضية الفلسطينية ليستا ملفًا خارجيًا عابرًا في السياسة الأردنية، وإنما ترتبطان بمصالح الدولة وثوابتها ودورها الإقليمي، وبالتالي فإن وجود توافق سياسي مع قوة دولية كبرى بحجم الصين حول هذه القضايا يضيف بعدًا مهمًا للعلاقة الثنائية، كما تضمن البيان توافقًا حول أهمية احترام سيادة الدول والقانون الدولي، وحل النزاعات بالحوار والدبلوماسية، والتنسيق بشأن قضايا المنطقة، وهو ما يعكس مساحة متنامية للحوار السياسي بين عمّان وبكين في مرحلة تشهد فيها المنطقة والعالم تحولات متسارعة.

الأردن لا يغيّر محوره.. بل يوسّع خياراته

ومن الخطأ قراءة الانفتاح الأردني على الصين باعتباره انتقالًا من محور دولي إلى آخر، الأردن لا يحتاج إلى استبدال شريك بشريك، وإنما إلى توسيع شبكة علاقاته بما يمنحه مساحة أكبر للحركة وقدرة أعلى على حماية مصالحه الوطنية في عالم تتغير فيه موازين القوة الاقتصادية والسياسية والتكنولوجية.

هذه هي إحدى أهم سمات الدبلوماسية الأردنية، الحفاظ على العلاقات التاريخية والشراكات القائمة، مع فتح أبواب جديدة أمام قوى اقتصادية وسياسية صاعدة، فتنويع الشراكات لا يعني تغيير التحالفات، وإنما يعني زيادة الخيارات، وزيادة الخيارات تعني قدرة أكبر على المناورة، وعلى جذب الاستثمار، وفتح الأسواق، وتعزيز القدرة التفاوضية، وخدمة المصالح الوطنية، وفي هذا السياق، فإن تعميق العلاقة مع الصين يمكن أن يشكل جزءًا من رؤية أوسع للأردن بوصفه دولة صغيرة في الحجم، لكنها قادرة على تعظيم وزنها من خلال موقعها الجغرافي، واستقرارها، وعلاقاتها الدولية، ورأس مالها البشري.

من نجاح الزيارة إلى اختبار التنفيذ
ومع ذلك، فإن النجاح الحقيقي للزيارة لن يقاس بعدد الاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي وقعت، وإنما بما ستنتجه هذه الاتفاقيات على الأرض، فالتفاهمات السياسية تفتح الأبواب، لكن المشاريع هي التي تصنع الأثر الاقتصادي، وهنا تبدأ المسؤولية الأردنية الأصعب، تحويل مخرجات الزيارة إلى مشاريع محددة، وجداول زمنية، وشراكات بين القطاعين العام والخاص، ومتابعة حقيقية للاستثمارات، وتسهيل الإجراءات، وربط الشركات الأردنية بالشركات الصينية، وضمان أن يكون لكل اتفاقية مسار واضح نحو التنفيذ.

فإذا تحولت الاتفاقيات إلى مصانع ومشاريع تكنولوجية واستثمارات في الطاقة والمعادن والزراعة والصناعات الدوائية، وإذا أصبحت الرحلات الجوية المباشرة واقعًا، وارتفعت أعداد السياح الصينيين، ونمت الصادرات الأردنية، وانتقلت التكنولوجيا والمعرفة إلى الكفاءات الأردنية، عندها فقط يمكن القول إن العلاقة دخلت مرحلة جديدة بالفعل.

الدبلوماسية الملكية.. حين تصبح الزيارة مشروع دولة

في المحصلة، تحمل زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى الصين معنى يتجاوز تفاصيل برنامجها ومخرجاتها المباشرة، إنها زيارة لدولة ترتبط بالأردن بعلاقة دبلوماسية عمرها قرابة خمسين عامًا، لكنها في الوقت نفسه زيارة إلى قوة دولية صاعدة تمسك بمفاتيح مهمة في الاقتصاد والتكنولوجيا والسياسة الدولية.

ومن بكين إلى شنغهاي وشنجن، تحركت الدبلوماسية الملكية في ثلاثة مسارات متكاملة، السياسة، والاقتصاد، والتكنولوجيا، وفي كل مسار كان الهدف واحدًا، توسيع المجال الذي يستطيع الأردن أن يتحرك فيه، وتحويل علاقاته الدولية إلى فرص حقيقية للدولة والاقتصاد والمواطن، ولهذا فإن القيمة الأعمق للزيارة ليست في أنها فتحت أبوابًا جديدة مع الصين فحسب، وإنما في أنها أكدت أن الأردن ينظر إلى التحولات الدولية باعتبارها فرصًا لإعادة بناء موقعه، لا مجرد أحداث تجري من حوله.

فالأردن لا يريد أن يكون سوقًا في خريطة الاقتصاد العالمي، وإنما شريكًا فيه، ولا يريد أن يكون مستهلكًا للتكنولوجيا، وإنما مساهمًا في إنتاجها، ولا يريد أن يحصر خياراته في دائرة واحدة، وإنما أن يمتلك شبكة واسعة من الشراكات التي تعزز قدرته على حماية مصالحه وتحقيق أهدافه، ومن هنا يمكن قراءة زيارة الملك إلى الصين باعتبارها محطة في مسار أوسع للدبلوماسية الملكية، دبلوماسية توظف السياسة لفتح أبواب الاقتصاد، وتوظف الاقتصاد لبناء الشراكات، وتوظف الشراكات لتوسيع خيارات الدولة في عالم يعاد تشكيله أمام أعيننا.