الدكتور بكر الشوابكة
كثيرا ما نردد كلمة القدر حتى أصبحت أحيانا شماعة نعلق عليها فشلنا وتقصيرنا وترددنا
نفشل فنقول هذا قدرنا
نقصر فنقول لم يكن مكتوبا لنا
نضيع فرصة فنقول لم تكن من نصيبنا
ونتردد في اتخاذ قرار ثم نريح أنفسنا بالقول إن ما سيحدث سيحدث
وهنا يجب أن نفرق بين الإيمان بالقدر وبين استخدام القدر كذريعة نهرب بها من مسؤولية أفعالنا
فالإيمان بالقدر لا يعني أن الإنسان بلا إرادة ولا يعني أن كل خطوة يقوم بها قد أجبر عليها دون اختيار
وهنا يطرح سؤال نفسه
إذا كان الله يعلم مسبقا ماذا سنفعل وإلى أين ستنتهي بنا حياتنا فهل معنى ذلك أن كل شيء مكتوب علينا بطريقة تلغي اختيارنا
أليس العلم بالشيء مختلفا عن إجبار الإنسان عليه
تخيل أبا عاش مع أبنائه سنوات طويلة وعرف طباع كل واحد منهم وقدراته وطريقة تفكيره وردود أفعاله
لو طلب من أبنائه إنجاز مهمتين مختلفتين فإنه قد يعرف في قرارة نفسه أي واحد منهم سيكون أقدر على إنجاز المهمة الأولى وأيهم سينجح أكثر في الثانية
هو يعرف أبناءه جيدا ولذلك يستطيع أن يتوقع النتيجة قبل أن تحدث
لكن معرفته بالنتيجة لا تعني أنه أجبرهم على التصرف بطريقة معينة
لم يضع القرار في أيديهم ثم يحركها بدلا منهم
هم اختاروا وتصرفوا بحسب ما يعرف الأب عن طباعهم وقدراتهم
فإذا كنا نستطيع أن نفهم أن معرفة الأب بطباع أبنائه تجعله قادرا على توقع بعض أفعالهم ونتائجها دون أن يكون هو من أجبرهم عليها
فكيف لا نستوعب أن الله الذي خلق الإنسان وخلق عقله ونفسه وأودع فيه قدراته وإرادته يعلم ما سيختاره الإنسان وما ستؤول إليه أفعاله دون أن يعني ذلك أنه أجبره على اختيارها
بل الفرق أكبر بكثير
فمعرفة الإنسان مهما بلغت تبقى محدودة وقد يخطئ في توقعاته أما علم الله فلا تحده معرفة ناقصة ولا احتمال ولا تجربة
وعليه فإن علم الله بما سنختاره لا يعني أن علمه هو الذي أجبرنا على الاختيار
هو يعلم ما سنفعل لأن علمه كامل ولا يخفى عليه شيء أما نحن فنعيش الاختيار لحظة بلحظة ونفكر ونقرر ونتردد ونقدم ونتراجع
ولهذا لا يصح أن نستخدم علم الله المسبق ذريعة لنعفي أنفسنا من مسؤولية ما نفعله
فإذا أخطأت لا تقل لم يكن بيدي
وإذا قصرت لا تقل لم يكن هذا قدري
وإذا فشلت لا تجعل كلمة القدر نهاية الحديث
بل اسأل نفسك أين أخطأت وأين قصرت وماذا كان يمكن أن أفعل وماذا تعلمت
لأن المشكلة ليست في أن يفشل الإنسان
المشكلة أن يفشل ثم يبحث عن مبرر يحميه من مواجهة نفسه
وهنا تصبح كلمة القدر أخطر عندما تتحول من مصدر للطمأنينة إلى وسيلة للهروب من المسؤولية
فالقدر لا يعني أن تتخلى عن إرادتك ولا يعني أن تجلس منتظرا ما سيحدث
هناك أمور تأتيك دون أن تختارها وهناك أمور تبدأ من قرار منك
وهنا تظهر مسؤوليتك
أنت لا تختار أين تبدأ حياتك ولا تختار كل الظروف التي تحيط بك ولا تستطيع التحكم في كل ما يحدث حولك لكنك تستطيع أن تختار كيف تواجهه وماذا تفعل بعده وأي طريق تسلك
قد تجد نفسك أمام فرصة وتحتاج إلى قرار
وقد تجد نفسك أمام مشكلة وتحتاج إلى موقف
وقد تجد نفسك أمام خوف وتحتاج إلى شجاعة
وفي كل مرة يكون هناك شيء تستطيع أن تفعله
المشكلة أن كثيرا من الناس لا يخافون من الفشل بقدر ما يخافون من اتخاذ القرار
يبقون في أماكن لا تشبههم لأن التغيير مخيف
ويتمسكون بفرص انتهت لأن المجهول أكثر إخافة
ويؤجلون خطواتهم لأنهم ينتظرون اللحظة المثالية التي قد لا تأتي أبدا
ثم يقولون كان هذا قدري
بينما الحقيقة أن بعض ما نسميه قدرا كان في الأصل نتيجة تردد طويل أو قرار لم نتخذه أو فرصة تركناها تمر
القدر يجب أن يمنحنا الطمأنينة فيما لا نستطيع تغييره وليس أن يمنحنا عذرا حتى لا نفعل ما نستطيع فعله
أنت لا تختار أين ولدت ولا كل الظروف التي مررت بها ولا كل ما سيحدث لك
لكن تستطيع أن تختار موقفك
وتستطيع أن تحاول
وتستطيع أن تتعلم
وتستطيع أن تغير طريقك
وتستطيع أن تبدأ من جديد
وهذه المساحة التي تملكها هي مسؤوليتك
قد لا تستطيع أن تضمن النتيجة لكنك تستطيع أن تبذل السبب
وقد لا تعرف إلى أين ستصل لكنك تستطيع أن تخطو
وقد تخاف من القرار لكنك تستطيع أن تتخذه
فالجرأة لا تعني أنك تعرف المستقبل
الجرأة أن تتحرك وأنت لا تعرفه
والإيمان بالقدر لا يعني أن تجلس منتظرا ما سيحدث بل أن تعمل بما تستطيع ثم ترضى بما لا تستطيع تغييره
لذلك لا تجعل القدر شماعة تعلق عليها فشلك ولا تجعل الإيمان بالقدر سببا للتخلي عن مسؤوليتك
فما كتبه الله لا يمنعك من الاختيار وما يعلمه الله عن اختيارك لا يعني أنه أجبرك عليه
أنت تختار والله يعلم
أنت تسعى والله يقدر
أنت تعمل والله يكتب النتيجة
ولهذا ربما لا يكون السؤال الأهم ماذا كتب لي
بل ماذا فعلت أنا بما أتيح لي
فبعض الناس ينتظرون أن يتغير قدرهم بينما المطلوب منهم أن يغيروا أنفسهم
وبعضهم يظنون أن التسليم للقدر يعني الاستسلام والفرق بين الاثنين كبير
التسليم أن تعمل ثم تطمئن
أما الاستسلام فهو أن تتوقف ثم تلوم القدر
وفي النهاية قد لا نصنع كل تفاصيل أقدارنا لكننا مسؤولون عن اختياراتنا
والطريق الذي نمشيه يبدأ دائما بخطوة
فاختر حين تستطيع
وآمن حين تتردد
وتجرأ حين تخاف
ثم اترك ما لا تملك لله
ولا تجعل القدر شماعة تعلق عليها ما كان عليك أنت أن تفعله
فالقدر يبدأ حين نختار، ويتشكل حين نؤمن، ويتحول إلى واقع حين نجرؤ.
من كتابي القادم
«سلسلة من الإثارة الفكرية في زمن المعادلات الصعبة»
أسئلة كثيرة نعيشها ولا نتوقف عندها
من نحن ،هل نصنع قدرنا أم نمضي إليه ،كيف تصنع تجاربنا وعينا
وهل نستطيع أن نختار طريقنا وسط معادلات الحياة الصعبة
هذه بعض الأسئلة التي يحاول الكتاب الاقتراب منها بتأملات في الإنسان والحياة والاختيار والقدر والوعي والتجربة
يصدر قريبًا بإذن الله




