شريط الأخبار
برعاية الوزير الرواشدة .. مجلة "أفكار" تنظم ندوة مستقبل الثقافة في الأردن وزير الثقافة يرعى إطلاق مبادرة يوم الرواية التاريخية وحماية السرديات وزير الثقافة يلتقي رئيس اتحاد الناشرين الأردنيين السعودية وتركيا وباكستان تبحث التعاون الدفاعي في إطار اتفاقية مكة أبو غزالة: الأردن مؤهل ليكون منصة فاعلة للراغبين في المساهمة بإعمار سوريا مطار الملكة علياء: حريق لم يؤثر على العمليات وحركة الطيران 72 ساعة من الجدل: كيف استقبل السوريون رقميًا اجتماع عمّان؟ برعاية " الوزير الرواشدة " .. مجلّة "أفكار" تُنظّم ندوةً ثقافية مساء اليوم للتاريخ... شهادة القبول الموحد للنواب: سنعالج الملاحظات في المرحلة المقبلة المصري: استعراض بن غفير أمام الأسيرات الفلسطينيات عارٌ على صمت العالم اهم القرارات التي اتخذتها الهيئة الإدارية لجمعية متقاعدي الضمان الاجتماعي في اجتماعها رقم (٧) بتاريخ ٢٠٢٦/٨/٢٩ وزير الصحة: بروتوكول وطني شامل لتنظيم التبرع وزراعة الأعضاء إعادة تمساح نيلي من الأردن إلى السودان دول عربية تدين الهجمات العدوانية على الأردن شؤون القدس: اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري تذكير بمأساة الشعب الفلسطيني مجلس التربية يوافق على تشكيل مجلس أمناء جامعة الشرق الأوسط عبدالرؤوف الروابدة.. مقامةُ الوفاء والأمانة لا حضارة لنا بدون ماضي الذم والقدح والتحقير الإلكتروني

حين يوصي الدكتور نذير عبيدات بحمل العلم والقيم

حين يوصي الدكتور نذير عبيدات بحمل العلم والقيم
ليث الفرايه

في كلِّ مناسبةٍ، يعودُ رئيس الجامعة الأردنيّة الدكتور نذير عبيدات إلى فكرةٍ لطالما ردّدها في لقاءاته بالطّلبةِ، وإن اختلفت طبيعة تلك المناسبات أو تعددت عناوينها؛ إذ تقوم الفكرة، بما معناه، على أنَّ: "المعرفة لم تعد شحيحة، والوصول إليها لم يعد هو التحدّي؛ فمصادر العلم وأدواته أصبحت متاحة على نطاقٍ واسعٍ، لكن التحدّي الحقيقيّ يكمُن في الإنسان نفسه: ماذا تعلّم؟ وكيف غيّر ما تعلّمه من وعيه وتفكيره؟ ومتى وأين يستطيع أن يوظفه ليصنع به أثرًا؟”.

إلّا أنّها بدت أكثر تجليًّا ووضوحًا، وأخذت أبعادًا إنسانيّة ووطنيّة، حينَ طرحها في كلمته التي ألقاها في ختام حفل تخريج "فَوج الهواشم” في الجامعةِ الأردنيّة.

حينها استوقفتني كلمته بالفعل؛ لأنّها لم تكن مجرد تهنئة للخريجينَ في يوم فرحهم ومغادرتهم لجامعتهم التي احتضنتهم على مدار سنين، فنهلوا من علمها ومعارفها وخبراتها؛ بقدر ما بدت وصية أراد الرئيس عبيدات أن يضعها في قلوبهم وعقولهم قبل أن يغادروا المكان… وصية لا تتعلّق بشهادة التخرّج وحدَها؛ وإنّما تتعلق بما ينبغي أن يفعلوه بها وبأنفسهم بعد أن يحملوها إلى الحياة.

ولعلّ رئيس الجامعة ترك لهم في كلمة وداعه شيئًا يمكنهم أن يعودوا إليه كلما احتاجوا إلى تذكير أو نصيحة، وإن نسوا أو تناسوا، فها هم آباؤهم وأمهاتهم، الذين قدموا إلى الحفل ليشاركوهم فرحتهم، فليكونوا "الذاكرة” لهم؛ تسعفهم في زحام الحياة، وتعيد إلى أذهانهم ما قاله لهم معلّمهم في اللقاء الأخير الذي ودعهم فيه: "أنَّ قيمة ما تعلّموه لا تقاس بما حفظوه، وإنما بما سيصنعونه به في حياتهم وحياة الآخرين”.

ولم تأتِ هذه الفكرة في كلمة الرئيس بصيغة مباشرة واحدة، وإنما توزّعت في عبارات مختلفة؛ بعضها جاء واضحًا وصريحًا، وبعضها حمل معناها بصورة غير مباشرة، لكنها كانت جميعها تلتقي عند مفترق سؤال واحد: "ماذا سيفعل الإنسان بما تعلّمه؟”.

ولعلّ أوضح العبارات قوله: "وتذكروا دائمًا… أنَّ العلم الذي لا يقوده ضمير، قد يصبح قوة بلا قيمة وبلا معنى”، مؤكّدًا من خلالها أنَّ امتلاك المعرفة وحده لا يكفي، ما لم يرافقها ضمير يوجّهها، وقيم تضبط استخدامها، وغاية تجعل منها قوة نافعة للإنسان وللمجتمع.

وينتقلُ رئيس الجامعة بالفكرة إلى موضع آخر حين خصَّ الخريجين بالقول: "اليوم تبدأ رحلتكم الحقيقية… فاتركوا لكم أثرًا فيها”، ومن ثم: "ستحملون شهاداتكم… لا تنسوا أن تحملوا معها قيمكم”؛ ثم يردف بالعبارة التي تشرح المعنى كله: "فالشهادة تفتح بابًا… أما الإنسان الذي يحملها، فهو الذي يترك أثرًا فيما وراء ذلك الباب”.

وقصد بذلك أنَّ الشهادة، مهما كانت درجتها العلميّة، لا تصنع وحدها مستقبلًا متميّزًا لصاحبها؛ وإنما وحده صاحب الشهادة القادر على أن يمنحها معناها، بما يفعله بعدها، وبما يفعله بها، وبتمسكه بقيمه، وبما سيحدثه من أثر.

ويمضي الرئيس عبيدات في طرح فكرته، مانحًا إياها معنى أعمق وأكثر اتساعًا، حين قال: "هنا تعلمتم كثيرًا من الحياة… إلا أنَّ الحياة ما زالت تخبئ أسرارًا لا تنتهي”، وأيضًا: "فلا تخافوا الأسئلة، ولا تستعجلوا الإجابات”؛ وكأنه يقول لهم إنَّ العلم الذي حصلوا عليه داخل الجامعة ليس نهاية المطاف، بل هو بداية لعلم أوسع وأنفع سينهلونه من الحياة وتجاربها؛ فالعلم لا يتوقف عند حد، والإنسان سيظل يعيش ويتعلّم ويكتسب المزيد من الخبرات، ثم يوصيهم بعدها بعدم استعجال الإجابات، وإنما بالتريث والتمهل في الحصول عليها، حتى تأتي في وقتها.

ثم يتابع: "قد يمتلك الإنسان العلم، والذكاء، والنجاح… لكن إذا غابت الرحمة، أو الصدق، أو الوفاء، اختلت أنغام حياته”؛ ليعود هنا إلى القيم والضمير، مؤكّدًا أنَّ العلم وحده لا يكفي إذا تجرّد من القيم والأخلاق والإنسانيّة، وأنَّ القوة لا تكتمل إذا فقد صاحبها رحمته.

هكذا ظلّت الفكرة حاضرة في الكلمة، وإن تنقلت بين أكثر من صورة وفي أكثر من موضع، ولعلّ هذا هو المعنى الذي أراد الرئيس أن يتركه مع الخريجين وهم يغادرون الجامعة؛ أن يأخذوا علمهم معهم، لكن ألا يحملوه وحدَه؛ وإنّما يصحبوه بالقيمِ والضمير، وبالقدرةِ على السؤال، وبالرّحمةِ والصّدق والوفاء، وأن يجعلوا منه عملًا نافعًا وأثرًا يبقى.

ما هو لافت أنَّ كلمة رئيس الجامعة لم تتوقّف عند وصية العلم الذي سيحمله الخريج معه، وكيف سيسهم من خلاله في إحداث أثر؛ وإنما تعدت ذلك إلى منحى آخر من الوصايا، بعد أن سلّط فيها الضَّوء على الخريج ذاته؛ هذا الإنسان الذي أمضى سنوات دراسته الجامعيّة في هذا المكان، وهي مدة كافية لأن تتشكّل شخصيته وهُويته في هذا الفضاء وأن يترك في تكوينه شيئًا يتجاوز المعرفة الأكاديميّة.

وهذا ما أشارَ إليه عبيدات حين قال: "ومن لقاء ذلك الزمان بهذا المكان… ولِد شيء اسمه أنتم”، وأيضًا: "لقد رسم الخالق لكلِّ واحد منكم زمانًا، ومكانًا. فاكتملت لكلِّ واحد منكم معادلة ثلاثيّة الأبعاد، لا تشبه سواها”، ثمّ قوله: "وبين الزمان، والمكان، والإنسان… ولد معناكم الخاص”.

وقد بدا كلّ خريج، بهذا الوصف بحسب رؤية رئيس الجامعة؛ نتاج تجربة خاصة لا ولن تتكرر؛ فكما جاء في الكلمة؛ الطرقات قد تتشابه، لكن الرحلات التي يسلكها أصحابها بتفاصيلها لن تتكرر أبدًا؛ كما أنَّ الزمان الذي انقضى، والمكان الذي احتضنهم، والتجارب التي عاشوها فيه، اجتمعت جميعها لتصنع إنسانًا مختلفًا لا يشبه سواه، يحملُ من جامعته أكثر من مجرّد شهادة.

ومن الإنسان، انتقلَ الرئيس عبيدات إلى من كانوا وراءه في هذه الرحلة؛ إلى الأسرة التي فيها كانت بذرة النشأة، وترعرعت حتى نضجت، وإلى الوطن الذي سيحمل الخريجونَ شيئًا من سمعته ومكانته على أكتافهم أينما حلّوا وأينما ارتحلوا في مستقبلهم.

ودون أن يعزل الرئيس فرحة التخرّج عن واقع الأمّة وما يحيط بها من ألم، استحضر الأردنّ وقيادته الهاشميّة، وما يبذل من أجل وطنه وأمته، وما يتعرض له أهلنا في غرب النهر وغزة من ظلمٍ وقسوة؛ وكأنّه يقول هنا بأنّ الخريج، ومهما أخذته الحياة؛ وطنه لا يغادره أبدًا، ولا تنتهي مسؤوليته تجاهه بمجرد مغادرة أسوار الجامعة أو حدود الأرض.

كلّ ذاك جاء في كلمة رئيس الجامعة الأردنيّة الدكتور نذير عبيدات؛ التي تستحقّ أن تحفظ في ذاكرة وأرشيف تخريج "فوج الهواشم”؛ لتكون شاهدًا على زمان ومكان لن يتكررا، لما جمعته من وصف أدبيّ جاء على هيئة خطاب رسميّ، وحفلت بالكثير من التأمل والحكم والذكريات والقيم والإنسانيّة والأسرة والوطن، والإنسان الذي هو أغلى ما نملك وأنجح استثمار.

ونختم بالقول: بعد أن انطفأت الأنوار وأُسدل الستار على هذا اليوم الاستثنائيّ؛ سيغادر الخريجونَ الجامعة الأردنيّة إلى أمكنة وأزمنة جديدة ومختلفة، لكن شيئًا منها سيذهب معهم؛ علمًا ومعرفة، وقيمًا وتجربة، وذكريات عاشوها مع أساتذة ورفاق، وأيام لن تتكرر.

ويبقى السؤال الذي أراد الرئيس عبيدات أن يتركه: ماذا سيفعل الخرّيجونَ بما تعلّموا، وماذا سيكونون بعد أن تأخذهم الحياة إلى عالمهم الجديد؟

لعلّ الأيام وحدَها كفيلة بأن تجيب عن ذلك، ونطلب من الله أن يمدّ في أعمارنا لنرى ما سيصنعه هؤلاء الخريجونَ بما تعلّموه، وما سيتركونه من أثر في حياتهم وحياة الآخرين ووطنهم.