ماهر البطوش
يُبنى احترام الإنسان ومكانته بين الناس عبر سنوات من العمل والمواقف والعلاقات، وتترسخ سمعته من خلال ما يقدمه وما يتركه من أثر في محيطه. لكن هذه الصورة التي استغرق بناؤها وقتاً طويلاً قد تتعرض للاستهداف بفعل اتهام أو إشاعة أو واقعة تُنسب إليه دون وجه حق. وعندما يصل الأمر إلى النيل من سمعته واعتباره وثقة الآخرين به، فإن الضرر لا يصيب جانباً مادياً يمكن تعويضه بسهولة، وإنما يمس قيمة إنسانية قد يكون استردادها أصعب بكثير من فقدانها.
ومن هنا اكتسبت المادة (16) من قانون الجرائم الإلكترونية رقم (17) لسنة 2023 أهمية خاصة، عندما جرّمت أفعالاً من شأنها اغتيال الشخصية إلكترونياً. واختيار المشرع لهذا التعبير يحمل دلالة واضحة، فالمقصود ليس الاعتداء على حياة الإنسان، وإنما استهداف شخصيته وسمعته ومكانته من خلال الوسائل الإلكترونية، متى وقع الفعل قصداً ودون وجه حق.
ويأتي هذا المقال ضمن سلسلة "قراءة تحليلية في قانون الجرائم الإلكترونية" التي تتناول مواد القانون مادة بعد أخرى، بهدف تبسيط النصوص وبيان ما تحمله من رسائل توعوية للمستخدم العادي، لأن الفضاء الإلكتروني أصبح جزءاً من الحياة اليومية، وما يُقال فيه قد تتجاوز آثاره لحظة نشره.
وتنص المادة (16) على معاقبة كل من أشاع أو عزا أو نسب قصداً دون وجه حق إلى أحد الأشخاص، أو ساهم في ذلك، من خلال الشبكة المعلوماتية أو تقنية المعلومات أو نظام المعلومات أو الموقع الإلكتروني أو منصات التواصل الاجتماعي، أفعالاً من شأنها اغتيال شخصيته.
وتبرز هنا عبارة "دون وجه حق" باعتبارها فاصلاً مهماً بين ممارسة التعبير وبين الفعل الذي قد يدخل في نطاق التجريم. فالقانون لا يمنع النقد أو إبداء الرأي أو مناقشة أداء الأشخاص، وإنما تتجه الحماية إلى الحالات التي يتحول فيها التعبير إلى نسبة أفعال أو وقائع إلى شخص بغير حق، وبطريقة من شأنها النيل من شخصيته أو سمعته أو اعتباره. فالنقد يناقش الفعل، أما اغتيال الشخصية فيستهدف الإنسان من خلال ما يُنسب إليه.
ولم يحصر المشرع المسؤولية في الشخص الذي بدأ بإطلاق الادعاء، بل امتد النص ليشمل من يساهم في ذلك، وهي نقطة بالغة الأهمية في التعامل مع المحتوى الإلكتروني. فالمساهمة في نشر محتوى يمس شخصية إنسان قد تكون لها آثار قانونية متى توافرت شروط التجريم، ولذلك لا ينبغي أن تكون عبارة (أنا فقط أنقل ما وصلني) مبرراً لتداول اتهام أو إساءة لم يتم التحقق منها؛ فالمحتوى الذي لم تصنعه بنفسك قد تتحمل مسؤولية المساهمة في نشره.
ومن جهة أخرى، لم يشترط النص أن تتحقق النتيجة فعلاً حتى تقوم الجريمة، وإنما اكتفى بأن تكون الأفعال من شأنها اغتيال الشخصية. أي أن العبرة بطبيعة السلوك ومدى قدرته على النيل من شخصية الإنسان وسمعته، مع توافر باقي عناصر الجريمة. وهذا يفرض على المستخدم أن يفكر في أثر ما ينشره، لا أن ينتظر وقوع الضرر حتى يدرك خطورة ما فعل.
كما اشترط المشرع أن يقع الفعل قصداً، بما يعني توافر العلم والإرادة في ارتكابه، ولذلك لا يكفي وجود محتوى على منصة إلكترونية وحده لقيام المسؤولية، وإنما تُبحث ظروف الواقعة ومضمونها وكيفية ارتكابها ومدى توافر القصد الذي يتطلبه النص.
وقد رتب المشرع عقوبة على هذه الجريمة بالحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر أو غرامة لا تقل عن 5000 دينار ولا تزيد على 20000 دينار أو بكلتا هاتين العقوبتين. وهي عقوبة تعكس أن المساس بسمعة الإنسان واعتباره من خلال الوسائل الإلكترونية ليس مجرد خلاف عابر متى اكتملت الشروط القانونية للجريمة.
إن فهم المادة (16) لا يعني التضييق على النقد أو إغلاق باب التعبير، وإنما يعني إدراك الحدود الفاصلة بين الرأي والاتهام، وبين النقد والإساءة. فحرية التعبير تظل قيمة أساسية، لكنها لا تمنح صاحبها حق نسبة الوقائع إلى الآخرين دون وجه حق، ولا تعفيه من مسؤولية ما يساهم في نشره وتداوله.
وفي النهاية، لا تجعل خلافاً عابراً أو لحظة غضب سبباً في هدم سمعة إنسان، فبعض الكلمات تُكتب في ثوانٍ لكنها قد تترك في حياة صاحبها أثراً لا يُمحى بسهولة. احفظ للناس أسماءهم وكرامتهم كما تحب أن تُحفظ لك، وتحقق قبل أن تنسب، وفكّر قبل أن تنشر، فحرية التعبير لا تعني أن نملك حق إيذاء الآخرين، والوعي الحقيقي ليس أن تقول كل ما تستطيع قوله، بل أن تعرف متى تكون الكلمة حقاً، ومتى يكون الامتناع عنها احتراماً ومسؤولية.




