شريط الأخبار
الموبايل المغلق شيري إنترناشيونال تجمع شركاءها في الشرق الأوسط وتستهدف 500 ألف وحدة شركة الاستشارات الاستثمارية الجديدة ZT Global تطلق أعمالها رسميًا في دبي ZincFiveتطلق نظام إدارة البطاريات من الجيل التالي، واضعةً معيارًا جديدًا لإدارة بطاريات النيكل والزنك "جائزة محمد بن راشد آل مكتوم العالمية للمياه" تستقبل المشاركات حتى 30 سبتمبر 2026 الأردن... وطنٌ قدم الكثير لهم لكن مازالوا يطعنونه في الخاصرة عزيزي للتطوير العقاري تطلق "عزيزي فلورنس"، المجتمع السكني المتكامل بقيمة 8.1 مليار دولار في الشارقة التَّخْطِيطُ الْمُسْتَقْبَلِيُّ لِلتَّعْلِيمِ... قِيَادَةٌ حَكِيمَةٌ وَإِدَارَةٌ رَشِيدَةٌ عرس أهل الصناعة المخدرات تستهدف الشباب بكثره... يجب تغليظ القوانين الرقمنة واثرها على تقديم الخدمات للمواطنين التحريض عبر وسائل التواصل الاجتماعي على استهداف الأردن، هل تكفي التشريعات الأردنية النافذة لردعه؟ مشاجرة في أبو ترابة بلواء القصر بمحافظة الكرك تُسفر عن 3 إصابات أحدهم دهساً واثنين بعيارات نارية. الأردن يتسلّم رئاسة الدورة الثانية والخمسين لمؤتمر العمل العربي الجيش يشيع جثمان مكلف خدمة علم توفّي متأثرًا بإصابته في حادث الصحراوي وزير العمل ونظيرته الفلسطينية يبحثان تبادل الخبرات عٌمان تعلن تأجيل الاجتماع الخليجي الإيراني بشأن مضيق هرمز مصر تعزي الأردن في ضحايا حادث حافلة المجندين المكلفين بخدمة العلم مئات المستفيدين من عروض Orange Money بالتزامن مع بداية العام الدراسي 2026 صناعيو إربد يحسمون انتخابات الغرفة بالتزكية قبيل الاقتراع

التَّخْطِيطُ الْمُسْتَقْبَلِيُّ لِلتَّعْلِيمِ... قِيَادَةٌ حَكِيمَةٌ وَإِدَارَةٌ رَشِيدَةٌ

التَّخْطِيطُ الْمُسْتَقْبَلِيُّ لِلتَّعْلِيمِ... قِيَادَةٌ حَكِيمَةٌ وَإِدَارَةٌ رَشِيدَةٌ
التَّخْطِيطُ الْمُسْتَقْبَلِيُّ لِلتَّعْلِيمِ... قِيَادَةٌ حَكِيمَةٌ وَإِدَارَةٌ رَشِيدَةٌ
القلعة نيوز -بقلم: أستاذ مشارك محمد حرب بشير اللصاصمة عميد كلية اللغات وعلومها

لَا نَحْتَاجُ إِلَى تَعْلِيمٍ يَلْحَقُ بِالْمُسْتَقْبَلِ... بَلْ إِلَى تَعْلِيمٍ يَسْبِقُهُ وَيُسْهِمُ فِي صِنَاعَتِهِ فِي زَمَنٍ لَمْ يَعُدِ التَّغَيُّرُ فِيهِ حَدَثًا عَابِرًا، بَلْ أَصْبَحَ سِمَةً دَائِمَةً لِلحَيَاةِ، لَمْ يَعُدْ كَافِيًا أَنْ تُدِيرَ مُؤَسَّسَاتُنَا التَّعْلِيمِيَّةُ يَوْمَهَا بِكَفَاءَةٍ؛ فَالْقَضِيَّةُ الْأَكْبَرُ هِيَ: كَيْفَ نُدِيرُ غَدَنَا بِوَعْيٍ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ؟ هُنَا يَظْهَرُ التَّخْطِيطُ الْمُسْتَقْبَلِيُّ لِلتَّعْلِيمِ لَا بِوَصْفِهِ وَثِيقَةً إِدَارِيَّةً أُخْرَى، وَلَا جَدْوَلًا زَمَنِيًّا يُعَلَّقُ فِي الْمَكْتَبِ، بَلْ بِوَصْفِهِ عَقْلَ التَّعْلِيمِ الَّذِي يَرَى مَا وَرَاءَ الْمَشْهَدِ، وَيَقْرَأُ اتِّجَاهَاتِ التَّغَيُّرِ، وَيَبْنِي الْيَوْمَ عَلَى مَا يَحْتَمِلُهُ الْغَدُ.
إِنَّ التَّعْلِيمَ الَّذِي لَا يَمْلِكُ رُؤْيَةً مُسْتَقْبَلِيَّةً قَدْ يَبْدُو مُنَظَّمًا فِي حَاضِرِهِ، وَلَكِنَّهُ سَرِيعُ التَّعَرُّضِ لِلِاخْتِلَالِ حِينَ تَتَغَيَّرُ الْمُتَطَلَّبَاتُ، وَتَتَحَوَّلُ الْمِهَنُ، وَتَتَسَارَعُ التِّقْنِيَاتُ، وَتَتَبَدَّلُ أَوْلَوِيَّاتُ الْمُجْتَمَعِ. الْمُسْتَقْبَلُ لَا يُنْتَظَرُ... إِنَّهُ يُخَطَّطُ لَهُ ثَمَّةَ فَرْقٌ كَبِيرٌ بَيْنَ أَنْ نَنْظُرَ إِلَى الْمُسْتَقْبَلِ بَوَصْفِهِ مَجْهُولًا نَنْتَظِرُ حُدُوثَهُ، وَأَنْ نَنْظُرَ إِلَيْهِ بَوَصْفِهِ فَضَاءً يُمْكِنُ اسْتِشْرَافُهُ وَتَشْكِيلُ بَعْضِ مَلَامِحِهِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الرُّؤْيَتَيْنِ هُوَ فَرْقٌ بَيْنَ مُؤَسَّسَةٍ تَنْتَظِرُ الْمُتَغَيِّرَاتِ، وَمُؤَسَّسَةٍ تَسْتَعِدُّ لَهَا قَبْلَ وُقُوعِهَا. وَلِذَلِكَ فَإِنَّ التَّخْطِيطَ الْمُسْتَقْبَلِيَّ لَا يَعْنِي التَّنَبُّؤَ بِالْمُسْتَقْبَلِ بِدِقَّةٍ، فَهَذَا أَمْرٌ يَتَعَذَّرُ فِي عَالَمٍ مُتَسَارِعٍ، بَلْ يَعْنِي بِنَاءَ الْقُدْرَةِ عَلَى قِرَاءَةِ الِاتِّجَاهَاتِ، وَتَحْلِيلِ السِّيَاقَاتِ، وَاسْتِكْشَافِ السِّينَارْيُوهَاتِ الْمُمْكِنَةِ، وَتَهْيِئَةِ الْمُؤَسَّسَةِ لِلتَّعَامُلِ مَعَ أَكْثَرَ مِنْ احْتِمَالٍ.
إِنَّهُ انْتِقَالٌ مِنْ عَقْلِيَّةِ رَدِّ الْفِعْلِ إِلَى عَقْلِيَّةِ اسْتِبَاقِ الْفِعْلِ.
مِنْ إِدَارَةِ الْيَوْمِ إِلَى قِيَادَةِ الْغَدِ وَهُنَا تَظْهَرُ الْفَاصِلَةُ الْحَقِيقِيَّةُ بَيْنَ الْإِدَارَةِ وَالْقِيَادَةِ. فَالْإِدَارَةُ تَهْتَمُّ بِاسْتِقْرَارِ الْعَمَلِ، وَتَوْزِيعِ الْمَوَارِدِ، وَمُتَابَعَةِ الْإِجْرَاءَاتِ، وَضَبْطِ الْأَدَاءِ؛ وَهِيَ ضَرُورَةٌ لَا غِنَى عَنْهَا.
أَمَّا الْقِيَادَةُ فَتَذْهَبُ أَبْعَدَ مِنْ ذَلِكَ؛ إِنَّهَا تَسْأَلُ: إِلَى أَيْنَ نَذْهَبُ؟
وَلِمَاذَا؟
وَمَا الَّذِي يَجِبُ أَنْ نُغَيِّرَهُ قَبْلَ أَنْ يُجْبِرَنَا الْعَالَمُ عَلَى تَغْيِيرِهِ؟
وَلِذَلِكَ فَالْمُؤَسَّسَةُ التَّعْلِيمِيَّةُ تَحْتَاجُ إِلَى مَنْ يُدِيرُ الْحَاضِرَ بِانْضِبَاطٍ، وَلَكِنَّهَا تَحْتَاجُ بِالدَّرَجَةِ نَفْسِهَا إِلَى مَنْ يَقُودُهَا نَحْوَ الْمُسْتَقْبَلِ بِرُؤْيَةٍ وَجُرْأَةٍ وَحِكْمَةٍ.
الْقَائِدُ التَّعْلِيمِيُّ الْحَكِيمُ لَا يَقْتَصِرُ دَوْرُهُ عَلَى تَنْفِيذِ الْخُطَطِ؛ بَلْ يَصْنَعُ الْبِيئَةَ الَّتِي تَسْمَحُ بِصِنَاعَةِ الْخُطَطِ وَتَطْوِيرِهَا وَمُرَاجَعَتِهَا. إِنَّهُ لَا يُدِيرُ الْمُؤَسَّسَةَ بِمَنْطِقِ «هَكَذَا كَانَ الْأَمْرُ دَائِمًا»، بَلْ بِمَنْطِقِ: «هَلْ مَا نَفْعَلُهُ الْيَوْمَ سَيَكُونُ صَالِحًا لِلْغَدِ؟»
الرُّؤْيَةُ أَوَّلًا... ثُمَّ تَأْتِي الْخُطَّةُ مِنْ أَكْثَرِ أَخْطَاءِ التَّخْطِيطِ التَّعْلِيمِيِّ أَنْ نَبْدَأَ بِالْأَنْشِطَةِ قَبْلَ أَنْ نُحَدِّدَ الْغَايَةَ، وَبِالْإِجْرَاءَاتِ قَبْلَ أَنْ نَفْهَمَ السِّيَاقَ، وَبِالْمَشْرُوعَاتِ قَبْلَ أَنْ نَعْرِفَ الْمُشْكِلَةَ الَّتِي نُرِيدُ حَلَّهَا.
التَّخْطِيطُ الْمُسْتَقْبَلِيُّ يَبْدَأُ مِنْ سُؤَالٍ بَسِيطٍ فِي صِيَاغَتِهِ، عَمِيقٍ فِي دَلَالَتِهِ: أَيَّ مُؤَسَّسَةٍ تَعْلِيمِيَّةٍ نُرِيدُ بَعْدَ خَمْسِ سِنِينَ؟
وَأَيَّ مُتَعَلِّمٍ نُرِيدُ أَنْ نُخَرِّجَهُ بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ؟
وَمِنْ هُنَا تَبْدَأُ الْهَنْدَسَةُ الْحَقِيقِيَّةُ لِلْخُطَّةِ. فَالرُّؤْيَةُ تُحَدِّدُ الِاتِّجَاهَ، وَالْأَهْدَافُ تُحَدِّدُ الْأَوْلَوِيَّاتِ، وَالْمُؤَشِّرَاتُ تُحَدِّدُ مَدَى التَّقَدُّمِ، وَالْمَوَارِدُ تَضْمَنُ قَابِلِيَّةَ التَّنْفِيذِ، وَالتَّقْوِيمُ يُظْهِرُ مَا إِذَا كَانَتِ الْخُطَّةُ تَسِيرُ فِي الِاتِّجَاهِ الصَّحِيحِ أَمْ لَا.
وَهَكَذَا تَتَحَوَّلُ الْخُطَّةُ مِنْ وَرَقَةٍ لِلْأَرْشِيفِ إِلَى بَوْصَلَةٍ لِصِنَاعَةِ الْقَرَارِ.
الْمُدِيرُ الرَّشِيدُ لَا يَسْأَلُ: كَمْ أَنْجَزْنَا؟
بَلْ يَسْأَلُ: مَاذَا أَحْدَثْنَا؟
فَالْإِنْجَازُ لَيْسَ دَائِمًا أَثَرًا.
قَدْ نُنَفِّذُ عَشَرَاتِ الْبَرَامِجِ، وَنَعْقِدُ الْمُؤْتَمَرَاتِ، وَنُصْدِرُ التَّقَارِيرَ، وَنَرْفَعُ عَدَدَ الْأَنْشِطَةِ، وَلَكِنَّ السُّؤَالَ الَّذِي يَبْقَى هُوَ: هَلْ تَغَيَّرَ تَعَلُّمُ الطَّالِبِ؟
هَلْ تَطَوَّرَ أَدَاءُ الْمُعَلِّمِ؟
هَلْ تَحَسَّنَتْ جَوْدَةُ الْمُخْرَجَاتِ؟
هَلْ أَصْبَحَ الْخَرِّيجُ أَكْثَرَ قُدْرَةً عَلَى مُوَاجَهَةِ الْحَيَاةِ وَالْعَمَلِ؟
هُنَا يَظْهَرُ مَعْنَى الْإِدَارَةِ الرَّشِيدَةِ: أَنْ تَنْتَقِلَ الْمُؤَسَّسَةُ مِنْ مُرَاقَبَةِ الْأَنْشِطَةِ إِلَى قِيَاسِ الْأَثَرِ.
فَلَا قِيمَةَ لِخُطَّةٍ تُنَفَّذُ بِدِقَّةٍ إِذَا كَانَتْ تُنْتِجُ نَتَائِجَ لَا تَسْتَجِيبُ لِاحْتِيَاجَاتِ الْمُجْتَمَعِ.
الْبَيَانَاتُ... عَقْلُ الْقَرَارِ التَّعْلِيمِيِّ لَنْ يَكُونَ التَّخْطِيطُ الْمُسْتَقْبَلِيُّ مُحْكَمًا إِذَا بُنِيَ عَلَى الِانْطِبَاعَاتِ وَالتَّخْمِينِ فَقَطْ.
إِنَّ الْمُؤَسَّسَةَ الذَّكِيَّةَ هِيَ الَّتِي تَجْعَلُ الْبَيَانَاتِ جُزْءًا مِنْ ثَقَافَةِ صُنْعِ الْقَرَارِ.
مَا مَعَدَّلُ التَّقَدُّمِ؟
أَيْنَ تَكْمُنُ الْفَجْوَةُ؟
مَا الْبَرَامِجُ الَّتِي تُحْدِثُ أَثَرًا حَقِيقِيًّا؟
أَيْنَ تَذْهَبُ الْمَوَارِدُ؟
مَا الِاحْتِيَاجَاتُ الْمُتَغَيِّرَةُ لَدَى الطَّلَبَةِ وَسُوقِ الْعَمَلِ؟
وَمَا الْمَهَارَاتُ الَّتِي سَيَكُونُ الطَّلَبُ عَلَيْهَا أَكْبَرَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ؟
لَا تَكْمُنُ قُوَّةُ الْبَيَانَاتِ فِي كَثْرَتِهَا، بَلْ فِي قُدْرَةِ الْقَائِدِ عَلَى قِرَاءَتِهَا وَتَحْوِيلِهَا إِلَى قَرَارٍ.
وَهُنَا يَلْتَقِي التَّخْطِيطُ الْمُسْتَقْبَلِيُّ بِالتَّحَوُّلِ الرَّقْمِيِّ وَالذَّكَاءِ الِاصْطِنَاعِيِّ؛ فَالتِّقْنِيَةُ لَا تَنْجَحُ لِمُجَرَّدِ وُجُودِهَا، وَإِنَّمَا حِينَ تُسْتَخْدَمُ لِفَهْمِ الْمَشْكِلَاتِ، وَدَعْمِ الْقَرَارَاتِ، وَتَحْسِينِ التَّعَلُّمِ، وَتَقْلِيلِ الْهَدْرِ، وَرَفْعِ كَفَاءَةِ الْمُؤَسَّسَةِ.
لَا تَقْدُّمَ مِنْ دُونِ إِنْسَانٍ مُؤَهَّلٍ وَمَهْمَا بَلَغَتْ دِقَّةُ الْخُطَطِ، فَإِنَّهَا لَنْ تَنْجَحَ بِنَفْسِهَا.
فَالتَّخْطِيطُ يَصْنَعُ الْمَسَارَ، وَلَكِنَّ الْإِنْسَانَ هُوَ الَّذِي يَمْشِي فِيهِ.
لِذَلِكَ، فَإِنَّ الِاسْتِثْمَارَ فِي الْمُعَلِّمِ، وَالْقَائِدِ، وَالْمُدِيرِ، وَالْبَاحِثِ، وَالْخَبِيرِ التَّعْلِيمِيِّ، لَيْسَ مَصْرُوفًا إِضَافِيًّا، بَلْ هُوَ شَرْطٌ لِصِنَاعَةِ الْمُسْتَقْبَلِ.
الْمُؤَسَّسَةُ الَّتِي تُرِيدُ تَعْلِيمًا مُسْتَقْبَلِيًّا، عَلَيْهَا أَنْ تُنَمِّي فِي قَادَتِهَا وَكَوَادِرِهَا قُدْرَةَ التَّفْكِيرِ الْمُسْتَقْبَلِيِّ، وَإِدَارَةِ التَّغْيِيرِ، وَاتِّخَاذِ الْقَرَارِ، وَإِدَارَةِ الْمَخَاطِرِ، وَالتَّعَاوُنِ، وَالِابْتِكَارِ، وَبِنَاءِ الثِّقَةِ. فَالْقَائِدُ الَّذِي يَخَافُ مِنَ التَّغْيِيرِ قَدْ يَحْمِي الْمُؤَسَّسَةَ مِنَ الِاضْطِرَابِ قَصِيرًا، وَلَكِنَّهُ قَدْ يُعَرِّضُهَا لِلْعَجْزِ عَنِ الْمُنَافَسَةِ طَوِيلًا.
أَمَّا الْقَائِدُ الْحَكِيمُ، فَلَا يَنْدَفِعُ وَرَاءَ كُلِّ جَدِيدٍ، وَلَا يَرْفُضُ كُلَّ جَدِيدٍ؛ بَلْ يَسْأَلُ قَبْلَ ذَلِكَ: هَلْ هَذَا التَّغْيِيرُ يُحَسِّنُ التَّعَلُّمَ؟
وَهَلْ يَخْدُمُ الْإِنْسَانَ؟
وَهَلْ يَنْسَجِمُ مَعَ أَهْدَافِنَا وَقِيَمِنَا؟
بَيْنَ الثَّبَاتِ وَالتَّجْدِيدِ: إِنَّ التَّخْطِيطَ الْمُسْتَقْبَلِيَّ النَّاجِحَ لَا يَعْنِي هَدْمَ كُلِّ مَا هُوَ قَائِمٌ، وَلَا يَعْنِي تَغْيِيرَ كُلِّ شَيْءٍ كُلَّ عَامٍ.
الْحِكْمَةُ أَنْ نَعْرِفَ مَا الَّذِي يَجِبُ أَنْ يَثْبُتَ، وَمَا الَّذِي يَجِبُ أَنْ يَتَغَيَّرَ. فَالْقِيَمُ الْإِنْسَانِيَّةُ، وَجَوْدَةُ التَّعَلُّمِ، وَمَسْؤُولِيَّةُ الْمُؤَسَّسَةِ، وَكَرَامَةُ الْمُتَعَلِّمِ، وَمِهْنِيَّةُ الْمُعَلِّمِ، أُسُسٌ لَا يَجِبُ أَنْ تَتَهَزَّزَ مَعَ كُلِّ تَغَيُّرٍ.
أَمَّا الطَّرَائِقُ، وَالْأَدَوَاتُ، وَبَعْضُ الْمُقَرَّرَاتِ، وَالنَّمَاذِجُ التَّنْظِيمِيَّةُ، فَيَجِبُ أَنْ تَبْقَى مَفْتُوحَةً عَلَى الْمُرَاجَعَةِ وَالتَّحْدِيثِ.
إِنَّهَا مَعَادَلَةٌ بَسِيطَةٌ فِي صِيَاغَتِهَا، عَمِيقَةٌ فِي أَثَرِهَا: ثَبَاتٌ فِي الْقِيَمِ، وَمَرُونَةٌ فِي الْوَسَائِلِ، وَوُضُوحٌ فِي الْغَايَاتِ، وَشَجَاعَةٌ فِي اتِّخَاذِ الْقَرَارِ.
التَّعْلِيمُ الَّذِي نَخْطِّطُ لَهُ الْيَوْمَ هُوَ إِنْسَانُ الْغَدِ فِي النِّهَايَةِ، لَا يَجِبُ أَنْ نَنْظُرَ إِلَى التَّخْطِيطِ الْمُسْتَقْبَلِيِّ لِلتَّعْلِيمِ عَلَى أَنَّهُ مَسْأَلَةٌ إِدَارِيَّةٌ مُجَرَّدَةٌ؛ فَهُوَ فِي حَقِيقَتِهِ قَرَارٌ بِشَكْلِ الْإِنْسَانِ الَّذِي سَيَعِيشُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ.
فَكُلُّ قَرَارٍ نَتَّخِذُهُ الْيَوْمَ بِشَأْنِ الْمَنْهَجِ، وَالْمُعَلِّمِ، وَالتِّقْنِيَةِ، وَالْجَامِعَةِ، وَالْمَدْرَسَةِ، وَالتَّقْوِيمِ، وَالْإِدَارَةِ، سَيَظْهَرُ أَثَرُهُ غَدًا فِي عَقْلِ طَالِبٍ، وَمَهَارَةِ خَرِّيجٍ، وَسُلُوكِ مُوَاطِنٍ، وَقُدْرَةِ مُجْتَمَعٍ عَلَى الْمُنَافَسَةِ وَالِابْتِكَارِ.
وَلِذَلِكَ فَإِنَّ السُّؤَالَ الْأَكْبَرَ لَيْسَ: «هَلْ لَدَيْنَا خُطَّةٌ لِلْمُسْتَقْبَلِ؟»
بَلْ: «هَلْ لَدَيْنَا قِيَادَةٌ تَرَى الْمُسْتَقْبَلَ، وَإِدَارَةٌ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَقُودَ الْمُؤَسَّسَةَ إِلَيْهِ، وَمَنْظُومَةٌ تَقْدِرُ عَلَى قِيَاسِ مَا نُحْدِثُهُ مِنْ أَثَرٍ؟»
فَإِذَا كَانَتِ الْإِجَابَةُ نَعَمْ، فَإِنَّنَا لَا نَمْلِكُ خُطَّةً فَقَطْ، بَلْ نَمْلِكُ قَابِلِيَّةً حَقِيقِيَّةً لِصِنَاعَةِ الْمُسْتَقْبَلِ.
أَمَّا إِذَا بَقِيَ التَّخْطِيطُ مُجَرَّدَ عِبَارَاتٍ مُنَمَّقَةٍ، وَبَقِيَتِ الْإِدَارَةُ أَسِيرَةَ الْإِجْرَاءِ، وَبَقِيَتِ الْقِيَادَةُ مُنْشَغِلَةً بِأَزْمَاتِ الْيَوْمِ، فَإِنَّ الْمُسْتَقْبَلَ سَيَأْتِي لَا مَحَالَةَ، وَلَكِنَّهُ سَيَجِدُنَا غَيْرَ مُسْتَعِدِّينَ لَهُ.
وَهُنَا تَكْمُنُ الْفَلْسَفَةُ الْأَعْمَقُ لِلتَّخْطِيطِ الْمُسْتَقْبَلِيِّ: أَنْ نَرَى الْغَدَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ، وَأَنْ نُهَيِّئَ الْإِنْسَانَ قَبْلَ أَنْ يَتَغَيَّرَ الْعَالَمُ، وَأَنْ نَقُودَ التَّعْلِيمَ بِحِكْمَةٍ لَا بِرَدِّ الْفِعْلِ، وَأَنْ نُدِيرَهُ بِرَشَادٍ لَا بِالِارْتِجَالِ.
فَالْمُؤَسَّسَةُ التَّعْلِيمِيَّةُ الَّتِي تَعْرِفُ مَا تُرِيدُ، وَتَمْتَلِكُ مَنْ يَقُودُهَا، وَتَقِيسُ أَثَرَهَا، وَتُرَاجِعُ مَسَارَهَا، لَا تَكُونُ مُجَرَّدَ مُؤَسَّسَةٍ تُدِيرُ التَّعْلِيمَ؛ بَلْ تَكُونُ مُؤَسَّسَةً تُسْهِمُ فِي صِنَاعَةِ الْمُسْتَقْبَلِ.
وَهَذَا، فِي النِّهَايَةِ، هُوَ جَوْهَرُ التَّخْطِيطِ الْمُسْتَقْبَلِيِّ: رُؤْيَةٌ تَسْبِقُ الْحَدَثَ، وَقِيَادَةٌ تَصْنَعُ الِاتِّجَاهَ، وَإِدَارَةٌ تُحْسِنُ تَحْوِيلَ الرُّؤْيَةِ إِلَى أَثَرٍ.