آخر الأخبار
الرواشدة يرعى حفل تخرّيج طلبة معهد الفنون التابع لوزارة الثقافةثقافة الزرقاء تحتضن قراءة استراتيجية في مضامين الخطاب الملكي التاريخيترامب يعد الأميركيين بـ5 آلاف دولار إذا فاز الجمهوريون بالكونغرسحمدان بن محمد: طيار فلاي دبي جسد أعلى درجات الشجاعةترامب يعد الأميركيين بـ5 آلاف دولار إذا فاز الجمهوريون بالكونغرسإعلان النتائج الأولية لانتخابات غرفة صناعة عمّانقراران لإطلاق مشروع "التحصين الوطني"برعاية وزير الثقافة.. انطلاق فعاليات الدورة الأولى من «أيام عمّان لمسرح الدمى» غدًا الأحدالدكتورة شنكول قادر تؤكد خلال فعالية مجتمعية : السلام يبدأ بالحوار وبناء الجسور الحقيقية بين الشعوبالوطن لا يحتاج إلى متفرجين
رأي

جامعة العقبة للتكنولوجيا… حين يصبح التعليم جزءاً من مستقبل المكان

منذ 3 ساعات6 دقائق قراءة
التحكم بالخط:
جامعة العقبة للتكنولوجيا… حين يصبح التعليم جزءاً من مستقبل المكان
عميد زيد الرواشدة
بقلمعميد زيد الرواشدةكاتب مقال · مقال واحد
كل مقالات الكاتب

في العقبة، حيث اعتاد الناس أن ينظروا إلى الأفق بحثاً عن سفينة قادمة، بدأت تظهر خلال السنوات الأخيرة صورة أخرى للمستقبل؛ صورة تصنعها المعرفة، وتبنيها الجامعة، ويقودها إيمان بأن المدن التي تريد أن تكبر اقتصادياً وإنسانياً تحتاج إلى عقلٍ أكاديمي يسبق نموها، ويقرأ احتياجاتها قبل أن تتحول إلى أزمات.

من هنا يمكن قراءة تجربة جامعة العقبة للتكنولوجيا.

فالحكاية لم تعد حكاية جامعة تقع في أقصى الجنوب، وإنما حكاية مؤسسة اختارت أن تجعل من موقعها الجغرافي نقطة انطلاق نحو فضاء أوسع، وأن تتعامل مع العقبة بوصفها مدينة ذات موقع استثنائي، وامتداداً طبيعياً للأردن والمنطقة العربية، لا مدينة تقع على هامش المشهد الأكاديمي.

حين تأسست الجامعة، كان وراء الفكرة سؤال أكبر من إنشاء مؤسسة للتعليم العالي: كيف يمكن أن يكون الجنوب شريكاً في صناعة المعرفة، لا مجرد متلقٍ لها؟ وكيف تتحول العقبة، بما تملكه من موقع اقتصادي وجغرافي وسياحي، إلى بيئة تستقطب الطلبة، وتحتضن الطموح، وتفتح أمام الشباب مسارات جديدة نحو المستقبل؟

ذلك السؤال ما يزال حاضراً في مسيرة الجامعة، لكنه اليوم يُطرح بأدوات أكثر اتساعاً.

في عهد قيادتها الحالية، برئاسة الأستاذ الدكتور محمد حسن الوشاح، أخذت الجامعة تتقدم وفق رؤية تقوم على تطوير المؤسسة من الداخل، وقراءة التحولات التي يشهدها التعليم وسوق العمل والتكنولوجيا، ثم ترجمة تلك التحولات إلى برامج أكاديمية ومسارات جديدة. وتكشف تجربة السنوات الأخيرة عن عقلية إدارية ترى الجامعة مشروعاً متحركاً؛ مشروعاً يحتاج إلى مراجعة مستمرة، وتحديث دائم، وانفتاح على القطاعات المهنية والتكنولوجية والمجتمع المحيط.

وتكمن قيمة هذه الرؤية في أنها لا تنظر إلى الجامعة كمؤسسةٍ تؤدي دورها فحسب، وإنما كطاقةٍ قادرة على صناعة أثرٍ في الإنسان والمكان؛ جامعةٍ تواكب العالم، وتحافظ في الوقت نفسه على مسؤوليتها تجاه العقبة والجنوب والأردن، وتفتح أبوابها على محيطها العربي.

قيادةٌ تؤمن أن الجامعة التي تعرف إلى أين تريد أن تصل، تستطيع أن تجعل من كل خطوةٍ اليوم طريقاً إلى مستقبلٍ أوسع.

ولعل أكثر ما يلفت في هذه التجربة أن استحداث التخصصات لم يأتِ بوصفه إضافة رقمية إلى قائمة البرامج، وإنما جاء في سياق التحولات التي يشهدها العالم.

فالذكاء الاصطناعي، وهندسة البرمجيات، والأمن السيبراني، والتخصصات الهندسية، والإعلام الرقمي، والتصميم، والعلوم الصحية، إلى جانب القانون وإدارة الأعمال والمجالات الأخرى، تعكس محاولة لبناء منظومة تعليمية تستجيب لعصر تغيّرت فيه طبيعة المهن نفسها. وتؤكد الجامعة في برامجها التكنولوجية تحديداً هذا الاتجاه؛ فقد أطلقت هندسة البرمجيات عام 2015، والذكاء الاصطناعي عام 2019، ثم الأمن السيبراني عام 2025، وقد شهد هذا العام تأسيس كلية العقبة للتعليم التقني، ضمن توجه لمواكبة التحول الرقمي واحتياجات سوق العمل، وهنا تحديداً تظهر قيمة الفكرة.

فالجامعة التي تدرّس تخصصاً جديداً لأنها ترى اسمه منتشراً في العالم، تختلف عن جامعة تسأل أولاً أين سيكون خريجينا بعد أربع سنوات؟ وما المهارات التي سيحتاج إليها؟ وما القطاعات التي ستنشأ؟ وما الذي يمكن أن نقدمه للطالب حتى يخرج من قاعة المحاضرات وهو يمتلك قدرة حقيقية على الدخول إلى عالم العمل؟

هذا النوع من التفكير هو الذي يمنح استحداث البرامج معناه.

والجامعة، في هذا السياق، تبدو أقرب إلى ورشة مفتوحة لإعادة تعريف العلاقة بين التعليم والحياة. فالمختبرات، والتدريب العملي، والشراكات مع المؤسسات والقطاع الخاص، والانفتاح على البيئة التكنولوجية في العقبة، كلها تتحول من عناصر مساندة إلى جزء من فلسفة التعليم نفسها. وقد شهدت الجامعة لقاءات وشراكات ركزت على تطوير البرامج الرقمية، وتعزيز التدريب العملي، وربط التعليم بحاجات القطاعين العام والخاص، بالتوازي مع التطورات التي يشهدها المشهد الرقمي في العقبة.

وهذا ما يجعل الحديث عن جامعة العقبة للتكنولوجيا حديثاً عن أكثر من مؤسسة تعليمية.

إنها، في جوهر فكرتها، محاولة لإعادة توزيع الجغرافيا الأكاديمية.

فلسنوات طويلة ظل جزء كبير من الحركة الجامعية الأردنية متمركزاً في الشمال والوسط، بينما بقي الجنوب أمام سؤال الفرص: أين يذهب أبناؤه؟ وأين يأتي إليه الآخرون؟

أما اليوم، فإن وجود جامعة ذات طموح إقليمي في العقبة يضيف إلى المدينة وظيفة جديدة؛ وظيفة معرفية.

العقبة التي تستقبل السياح والاستثمارات والسفن، تستطيع أن تستقبل أيضاً طالباً عربيّاً جاء يبحث عن جامعة تمنحه العلم والبيئة والتجربة الإنسانية في مدينة مختلفة. وهذا البعد يتسق مع الفكرة التي قامت عليها الجامعة منذ البداية؛ أن تكون مؤسسة وطنية تخدم الأردن والمنطقة، وأن تستفيد من موقع العقبة داخل منطقة اقتصادية واستثمارية وسياحية ذات خصوصية.

ومن هنا يمكن فهم الطموح الذي يتجاوز الطالب الأردني إلى الطالب العربي.

فالجامعة لا تنظر إلى حدود المحافظة بوصفها حدوداً لطموحها. العقبة قريبة من الخليج، وقريبة من المشرق العربي، وتملك مناخاً اجتماعياً واقتصادياً يجعلها قابلة لأن تكون نقطة التقاء لطلبة من بلدان مختلفة. وكلما اتسعت برامج الجامعة، وتنوعت تخصصاتها، وتطورت بيئتها الأكاديمية، أصبح السؤال عن قدرتها على استقطاب الطلبة العرب أكثر حضوراً.

والأهم أن هذا الحضور العربي لا ينبغي أن يُفهم باعتباره مجرد زيادة في أعداد الطلبة؛ فالجامعة التي تستقبل طالباً من خارج الأردن تستقبل معه ثقافة أخرى، وتجربة أخرى، ولغة أخرى، وذاكرة مختلفة. وهكذا يصبح الحرم الجامعي مساحة للتعارف الإنساني بقدر ما هو مساحة للتعلم.

وهنا تحديداً تكمن إحدى أجمل الأفكار في مشروع الجامعة: أن تتحول العقبة إلى مدينة يتعلم فيها أبناؤها، ويأتي إليها آخرون ليتعلموا معهم.

أما بالنسبة إلى جنوب المملكة، فالقصة أكثر عمقاً.

فالجامعة تمثل جزءاً من التحول الذي يمكن أن يصنعه التعليم في المدن الواقعة خارج مركز العاصمة. حين توجد جامعة قوية في الجنوب، فإن أثرها لا يتوقف عند حدود قاعاتها الدراسية؛ فهي تخلق حركة اقتصادية، وتستقطب الكفاءات، وتمنح أبناء المنطقة خيارات أوسع، وتفتح أمام المؤسسات المحلية فرصاً للتعاون، وتمنح الشباب سبباً إضافياً للبقاء والعمل وبناء مستقبلهم في المكان الذي ينتمون إليه.

ومن هذه الزاوية، يصبح الاستثمار في الجامعة استثماراً في الإنسان قبل أن يكون استثماراً في المبنى.

ربما لهذا تبدو المرحلة الحالية في جامعة العقبة للتكنولوجيا مختلفة في طبيعتها؛ لأنها تتحرك في أكثر من اتجاه في الوقت نفسه: تطوير البرامج، تعزيز الجانب التقني، توسيع مجالات التعليم، بناء علاقات مع مؤسسات المجتمع والقطاع الخاص، والبحث عن موقع أكثر حضورًا في المشهد الأكاديمي الأردني والإقليمي.

وهذه كلها تفاصيل تبدو منفصلة إذا نظرنا إليها كل واحدة وحدها، لكنها تصبح جزءاً من صورة واحدة عندما نضعها تحت عنوان واحد: بناء جامعة تستعد للمستقبل بدل أن تنتظر وصوله.

فالجامعة الحديثة لا تُقاس بعدد مبانيها، ولا بعدد تخصصاتها وحده، وإنما بقدرتها على أن تمنح الطالب شيئاً يبقى معه بعد التخرج: طريقة في التفكير، وثقة في القدرة، ومهارة قابلة للحياة، وإحساساً بأن المعرفة وسيلة لصناعة المستقبل وليست مجرد شهادة معلقة على جدار.

وهنا يصبح دور القيادة الجامعية حاسماً، القيادة التي ترى الجامعة مؤسسة حية ستبحث عن التطوير حتى حين لا يكون التطوير مطلباً عاجلاً. وستبحث عن التخصص الذي يحتاجه السوق قبل أن يصبح عنواناً شائعاً، وعن الشراكة التي تمنح الطالب تجربة حقيقية، وعن البيئة التي تجعل الأستاذ والطالب والباحث شركاء في صناعة المعرفة.

وهذا المعنى يمكن قراءته في توجهات الجامعة الحالية نحو الجودة والابتكار والبرامج التطبيقية، وفي سعي كلياتها إلى تطوير المناهج والمختبرات والشراكات بما ينسجم مع حاجات السوق المحلي والإقليمي.

لكن أجمل ما في قصة جامعة العقبة للتكنولوجيا أن مستقبلها لا ينفصل عن مستقبل المكان.

فالعقبة اليوم أمام فرصة تاريخية: مدينة تتوسع في الاقتصاد والسياحة والاستثمار والتكنولوجيا، وتحتاج إلى مؤسسة معرفية توازي هذا النمو وتمنحه عمقاً بشرياً وعلمياً.

والجامعة، إذا واصلت السير بهذا الاتجاه، تستطيع أن تكون أكثر من محطة للحصول على شهادة، تستطيع أن تصبح محطة في الطريق العربي نحو المعرفة، ومحطة في طريق أبناء الجنوب نحو الفرصة، ومساحة يلتقي فيها الأردني بالعربي، والأستاذ بالطالب، والجامعة بسوق العمل، والفكرة بالتطبيق.

في المدن الكبرى قد تكون الجامعة جزءاً من المشهد.

أما في مدينة مثل العقبة، فإن الجامعة قادرة على أن تصبح جزءاً من هوية المدينة نفسها، وهنا تتجاوز الحكاية حدود التعليم.

فحين يختار شاب من جنوب الأردن أن يبني مستقبله في جامعته القريبة، وحين يأتي طالب عربي إلى العقبة بحثاً عن علم وتجربة جديدة، وحين يجد خريج تخصص حديث فرصة عمل لأنه تعلم مهارة يحتاجها السوق، وحين تتحول المختبرات إلى مساحة ابتكار، والشراكات إلى فرص، والتخصصات إلى جسور نحو المستقبل؛ عندها يصبح التعليم فعلاً تنموياً كامل المعنى.

وهذا هو الاختبار الحقيقي لأي جامعة.

أن تترك أثراً في الإنسان، ثم يمتد أثر الإنسان إلى المكان.

ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى جامعة العقبة للتكنولوجيا اليوم باعتبارها واحدة من القصص التي تستحق أن تُروى عن التعليم الأردني خارج مركز العاصمة؛ قصة مؤسسة بدأت من الجنوب، لكنها اختارت أن يكون طموحها أوسع من الجغرافيا.

فالعقبة لا تحتاج جامعة تقول للناس إن المستقبل بعيد.

تحتاج جامعة تجعل المستقبل أقرب.

ويبدو أن جامعة العقبة للتكنولوجيا اختارت أن تبدأ من هذه النقطة تحديداً: أن تجعل من المعرفة طريقاً، ومن التكنولوجيا أداة، ومن الإنسان غاية، ومن العقبة بوابة مفتوحة على الأردن والعالم العربي.

وحين تنجح الجامعة في أن تفعل ذلك، فإنها لا تكون قد بنت مؤسسة تعليمية فحسب؛ تكون قد ساهمت في بناء معنى جديد للمكان.

المزيد في قسم مقالات

الأكثر قراءة

الأخبار العاجلة

كن الأول في معرفة آخر المستجدات فور حدوثها

ابقَ على اطّلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى واتساب مباشرة فور النشر.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام و سياسة الخصوصية.
+962