القلعة نيوز - قراءة محمد برهومة - إنْ حدَّقتَ في الشمس واحتملتَ وجع العيون التي تنظر، ستكتشف كم نُصفِط من الأوهام في حياتنا كي تمرّ. لكنّ المفارقة أن الحياة، بكل غموضها وتعقيدها وتعرجاتها، مغرية وجميلة ولذيذة وفتّانة ولعوب، ونحن مجبولون على حبها وملاحقتها، فهل نحبها لذاتها أم لمن ولما فيها؟ وهل بمقدورنا أن نحبها من دون أن نتورط بمن وبما فيها؟ أم أنها، في الحقيقة، لا تُعاش إلا بمن وبما فيها؟
إن مرارة "أحزان وحيد القرن" تكمن في البحث عن الكيفية التي تجعل الحياة تمرّ، والمرور يستدعي الخفة أوالمقدرة على الاحتمال. ولعلّ المكاشفة التي يبوح بها موسى برهومة في روايته أنه ذهب في مقدرته على الاحتمال إلى حدّ التحديق كثيراً في الشمس، التي أدمت عيونه، لكنها عرَّت أكداساً من الأوهام التي جعلته يتشكك في مدى حقيقة إغراء الحياة ولذاذتها، وذلك لما رآه من كثيرِ ممن فيها.
"وحيد القرن" يُنقّب في الذات كمن يعصر روحاً حزينة، مأخوذة بالحنين إلى زمن الجنون والذكريات القديمة؛ فيكتشف أن ذاته الجديدة لا تشبهها، فيتأرجح ويشقى بين حياتين وزمنين. إنه يُصارع كي يكون ذاته، مع أنه يعرف أن هذه الذات تتغير (أو تغيرت) على نحوٍ لا يريده، وهو لا يعرف كيف ومتى وأين تمّ ذلك.. ومن ذاك الذي فعلها؟!.
وفي البحث عن الذات، أو محاولة العودة إليها، يحاول "وحيد القرن" أن يعتصم بما لا يناسبه؛ إذ كيف له أن يكون لا مبالياً، كي يتأتى الاحتمال والمرور، وهو المجبول على الحساسية المفْرطة، والمحدِّق بالتفاصيل، والذي يمتلك راداراً قادراً على اقتناص طاقة الأشخاص والأشياء على بُعد ميلٍ أو أميال؟
إنه يلوذ بالكتابة لتطهير ذاته، وفق مصطلح أرسطو، والتحرر من أوجاعها، لكنه، على عهده في النزق والتبرم والمزاج المفخخ، يتذكر أنه كاتب يشتغل مثل ماكينة، كي يعيش. هنا تصبح الكتابة قنطرة للعبور وورطة في الآن ذاته، ما يجعل شفاء الروح، عبرها، سراباً، فما العمل إذاً؟
وحيداً يا "وحيد القرن" تُؤرِّخ أحزانك، وتغوص عميقاً في عقلك الباطن، فتعثر، في مكتبته الزاخرة بالتناقضات والتشظيات، على "متلازمة الخوف" لديك، التي تحاول الاحتماء بنرجسيةٍ هي ذاتها تُكرّس القلق والهشاشة وعدم الرضا والظنون، التي تكاد تفتك بالجسد والقلب والروح، فتسلب الدهشة والجدوى، وتُطفئ وميض التوقّع.. ومَنْ نحن بلا توقعاتٍ أو كَمشةِ انتظارات؟!
يقول النفسانيون إن أول العلاجات وربما أنجعها هو تقليص المسافة بين اللاوعي والوعي، وتحويل المُضمَرِ إلى مُعلَن. يخطو موسى برهومة في "وحيد القرن" أولى خطواته في هذا الطريق الوعر الشائك. يخبرنا أنه غير آمن وساخر (خاصة من المثقفين وأدعياء الحكمة)، ويقهره القلق والحيرة والنزق، برغم إحساسه العالي بالذات ونرجسيته وإنسانيته، وعدم مقدرته على التوقف عن العطاء والشعور، في الآن ذاته، بالاستنزاف من كثرة العطاء. وإذ يحاول أن يتنبه لنفسه ويتعقّل و"يُمسك أعصابه" كي ينجوَ مما يعتبره "جحيماً أرضياً"، فإنه يكتشف أن هذا التعقّل سلبه التلقائية وأغمض على روحه الأولى، وكبّل طاقة الضحك عنده؛ حتى إنه لا يدري متى كانت آخر مرة ضحك فيها.
نوفيلا "أحزان وحيد القرن" تصلح أن تكون نصّاً أنيقاً لشخصية سينمائية مركزية كاملة التفاصيل، فقد قدّمت لنا كائناً بِتنا نعرفه (مع أنه يزعم أنه لا يعرف ذاته!) ونفهم جميع نوازعه ودوافعه وتقلباته وهواجسه وأحلامه وأوجاعه، وكم كان الكاتب بارعاً في لغته الفاتنة، وسرده الغني، ودقائق الشخصية التي رسمها؛ حتى جعلنا نحب أحزانه ووحدته وأوجاعه وهشاشته.. فطوبى له.
إن مرارة "أحزان وحيد القرن" تكمن في البحث عن الكيفية التي تجعل الحياة تمرّ، والمرور يستدعي الخفة أوالمقدرة على الاحتمال. ولعلّ المكاشفة التي يبوح بها موسى برهومة في روايته أنه ذهب في مقدرته على الاحتمال إلى حدّ التحديق كثيراً في الشمس، التي أدمت عيونه، لكنها عرَّت أكداساً من الأوهام التي جعلته يتشكك في مدى حقيقة إغراء الحياة ولذاذتها، وذلك لما رآه من كثيرِ ممن فيها.
"وحيد القرن" يُنقّب في الذات كمن يعصر روحاً حزينة، مأخوذة بالحنين إلى زمن الجنون والذكريات القديمة؛ فيكتشف أن ذاته الجديدة لا تشبهها، فيتأرجح ويشقى بين حياتين وزمنين. إنه يُصارع كي يكون ذاته، مع أنه يعرف أن هذه الذات تتغير (أو تغيرت) على نحوٍ لا يريده، وهو لا يعرف كيف ومتى وأين تمّ ذلك.. ومن ذاك الذي فعلها؟!.
وفي البحث عن الذات، أو محاولة العودة إليها، يحاول "وحيد القرن" أن يعتصم بما لا يناسبه؛ إذ كيف له أن يكون لا مبالياً، كي يتأتى الاحتمال والمرور، وهو المجبول على الحساسية المفْرطة، والمحدِّق بالتفاصيل، والذي يمتلك راداراً قادراً على اقتناص طاقة الأشخاص والأشياء على بُعد ميلٍ أو أميال؟
إنه يلوذ بالكتابة لتطهير ذاته، وفق مصطلح أرسطو، والتحرر من أوجاعها، لكنه، على عهده في النزق والتبرم والمزاج المفخخ، يتذكر أنه كاتب يشتغل مثل ماكينة، كي يعيش. هنا تصبح الكتابة قنطرة للعبور وورطة في الآن ذاته، ما يجعل شفاء الروح، عبرها، سراباً، فما العمل إذاً؟
وحيداً يا "وحيد القرن" تُؤرِّخ أحزانك، وتغوص عميقاً في عقلك الباطن، فتعثر، في مكتبته الزاخرة بالتناقضات والتشظيات، على "متلازمة الخوف" لديك، التي تحاول الاحتماء بنرجسيةٍ هي ذاتها تُكرّس القلق والهشاشة وعدم الرضا والظنون، التي تكاد تفتك بالجسد والقلب والروح، فتسلب الدهشة والجدوى، وتُطفئ وميض التوقّع.. ومَنْ نحن بلا توقعاتٍ أو كَمشةِ انتظارات؟!
يقول النفسانيون إن أول العلاجات وربما أنجعها هو تقليص المسافة بين اللاوعي والوعي، وتحويل المُضمَرِ إلى مُعلَن. يخطو موسى برهومة في "وحيد القرن" أولى خطواته في هذا الطريق الوعر الشائك. يخبرنا أنه غير آمن وساخر (خاصة من المثقفين وأدعياء الحكمة)، ويقهره القلق والحيرة والنزق، برغم إحساسه العالي بالذات ونرجسيته وإنسانيته، وعدم مقدرته على التوقف عن العطاء والشعور، في الآن ذاته، بالاستنزاف من كثرة العطاء. وإذ يحاول أن يتنبه لنفسه ويتعقّل و"يُمسك أعصابه" كي ينجوَ مما يعتبره "جحيماً أرضياً"، فإنه يكتشف أن هذا التعقّل سلبه التلقائية وأغمض على روحه الأولى، وكبّل طاقة الضحك عنده؛ حتى إنه لا يدري متى كانت آخر مرة ضحك فيها.
نوفيلا "أحزان وحيد القرن" تصلح أن تكون نصّاً أنيقاً لشخصية سينمائية مركزية كاملة التفاصيل، فقد قدّمت لنا كائناً بِتنا نعرفه (مع أنه يزعم أنه لا يعرف ذاته!) ونفهم جميع نوازعه ودوافعه وتقلباته وهواجسه وأحلامه وأوجاعه، وكم كان الكاتب بارعاً في لغته الفاتنة، وسرده الغني، ودقائق الشخصية التي رسمها؛ حتى جعلنا نحب أحزانه ووحدته وأوجاعه وهشاشته.. فطوبى له.




