خليل قطيشات
عاشت المنظومة العدلية لسنوات طويلة تحت وطأة الروتين المكتبي القاتل والإجراءات الورقية المعقدة التي كانت تستهلك أوقات المراجعين وتستنزف طاقات القضاة والموظفين، مما جعل من رحلة المطالبة بالحقوق وتطبيق الأحكام تجربة شاقة تكتظ بها أروقة المحاكم وتنكب فيها المكاتب على جبال من الملفات والسجلات المتراكمة. هذا الواقع البطيء والمضني أوجد حاجة ملحة لإنتاج نموذج حديث يواكب التسارع العالمي ويمهد الطريق لعدالة ناجزة لا تعطّلها المسارات التقليدية البائدة.
وفي لحظة فارقة تشكل بداية عصر جديد للمرفق القضائي، أعلن وزير العدل الدكتور بسام التلهوني عن إنجاز رؤية استراتيجية شجاعة تلخصت في إعادة هندسة كافة الإجراءات التشغيلية وأرشفة وأتمتة جميع الخدمات داخل دوائر التنفيذ بشكل كامل ونهائي. لم تكن هذه المبادرة مجرد تحسينات شكلية أو حلول جزئية ترقيعية، بل كانت عملية جراحية شاملة استهدفت البنية التحتية لمنظومة العمل، حيث جرى تفكيك كل خطوة إجرائية ودراستها بعناية لإلغاء الحلقات الزائدة وتسهيل التدفق المباشر للمعاملات، تحولاً من نمط الإدارة التقليدي إلى بيئة عمل ذكية ورقمية بالكامل.
وقد مثلت عملية الأرشفة الإلكترونية الشاملة الركيزة الأساسية لهذا الانجاز، حيث تحولت أطنان من الوثائق والملفات القديمة والسجلات الضخمة إلى قاعدة بيانات رقمية عالية الدقة ومؤمنة بأعلى معايير الحماية والتشفير. هذا التحول الجذري أنهى كابوس ضياع المستندات وتأخر طلبات التنفيذ، ومنح الموظفين والقضاة القدرة على استدعاء الملفات ومراجعة التاريخ القضائي لكل معاملة في ثوانٍ معدودة، مما انعكس مباشرة على سرعة اتخاذ القرارات وحسم القضايا دون إبطاء أو تسويف.
ولم تقف ثمار هذا المشروع عند حدود تحسين الأداء الداخلي للمؤسسة، بل تعدت ذلك لتحدث أثراً ملموساً ومباشراً في حياة المواطنين والمحامين والشركات، إذ أتاحت الأتمتة الكاملة تقديم كافة طلبات التنفيذ ومتابعة إجراءاتها وتسديد المبالغ المالية وإصدار قرارات كف الطلب وإلغاء الاقتطاعات إلكترونياً وبطريقة آمنة، دون الحاجة للوقوف في طوابير الانتظار أو التردد الدائم على المحاكم. وبفضل هذه التغييرات المنظورة التي صاغها الدكتور بسام التلهوني بكفاءة واقتدار، تحولت دوائر التنفيذ من مكاتب مزدحمة ومجهدة إلى مركز خدمي متطور يكرس قيم الشفافية وسيادة القانون، لترسم بذلك معلماً بارزاً في مسيرة التطوير الإداري وتؤكد أن العدالة الناجزة لم تعد مجرد شعار، بل واقعاً يلمسه الجميع يومياً.




