بعد عامين على تشكيل حكومة الدكتور جعفر حسان، من الإنصاف أن نسجل أن رئيس الوزراء بذل جهدًا واضحًا في إدارة ملفات الدولة، وأظهر حضورًا ومتابعة وقدرة على التعامل مع عدد كبير من التحديات والملفات الاقتصادية والإدارية والسياسية، في مرحلة إقليمية شديدة التعقيد والاضطراب.
ونحن في الحزب الديمقراطي الاجتماعي الأردني نؤمن أن التقييم السياسي المسؤول لا يقوم على إنكار ما تحقق، ولا على المبالغة فيه، بل على قراءة التجربة بموضوعية، وتحديد ما نجح، وما يحتاج إلى تطوير، وما تتطلبه المرحلة المقبلة من تغيير في الأدوات والنهج.
ومن هنا، فإن النقاش بعد عامين لا ينبغي أن يتحول إلى محاكمة لأشخاص، ولا إلى دفاع عن استمرار الوضع القائم، وإنما إلى سؤال أكبر :ما الذي يحتاجه الأردن اليوم حتى تكون حكومته على مستوى المرحلة؟
لقد دخل الأردن مسارًا جديدًا من التحديث السياسي، وهذا المسار لا يمكن أن يبقى منفصلًا عن طريقة تشكيل الحكومات وآلية صناعة القرار ، لذلك فنحن بحاجة إلى الانتقال تدريجيًا من حكومات تدير الملفات إلى حكومات تقود مشروعًا سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا واضحًا.
وهنا تأتي أهمية خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة ،فقد قدم جلالته للعالم موقفًا أردنيًا واضحًا وثابتًا، يجمع بين الدفاع عن القضية الفلسطينية والقدس والمقدسات، وحماية أمن الأردن وسيادته ومصالحه، والتمسك بالقانون الدولي والدبلوماسية، في مواجهة واقع إقليمي شديد الخطورة.
لكن الخطاب الملكي، بما يحمله من رؤية ومواقف ورسائل، يتطلب من الحكومة أن تحول الرؤية الملكية إلى سياسات وبرامج وأفعال داخلية ،فحماية الأردن تتطلب ببناء اقتصاد أكثر قوة، ومؤسسات أكثر كفاءة، ومجتمع أكثر تماسكًا، وعدالة اجتماعية وتكأفو الفرص وتعزيز قيم المواطنه أكثر حضورًا، وقدرة أكبر على مواجهة البطالة والفقر وكلفة المعيشة، ،وتعزيز قدره الدولة في مواجهة التداعيات الإقليمية.
ومن هنا فإن الحديث عن إدخال الأحزاب في العمل الحكومي لا يجب أن يفهم او تكون الغايه منه باعتباره مجرد تعديل في أسماء الوزراء أو توسيعًا للمشاركة الشكلية أو مقتصرا على المواقع الوزاريه ،وإنما باعتباره خطوة في مسار بناء حكومات سياسية تمتلك برامج واضحة، وتتحمل مسؤولية قراراتها، وتخضع للمساءلة أمام مجلس النواب والرأي العام.
الحكومة الحزبية التي نطمح إليها ليست حكومة محاصصة، ولا حكومة توزيع مواقع، وإنما حكومة برنامج ، يعرف المواطن من خلالها ماذا تريد أن تفعل، وكيف ستفعله، ومتى ستنجزه، ومن يتحمل مسؤولية نجاحه أو إخفاقه.
وفي المقابل، فإن الأحزاب نفسها مطالبة بأن تكون على مستوى هذه المسؤولية. فلا معنى للمطالبة بالمشاركة في الحكومه دون امتلاك برامج قابلة للتطبيق، وكفاءات قادرة على الإدارة، ورؤية واضحة للاقتصاد والمجتمع والدولة.
ولهذا فإننا لا نرى أن التغيير يجب أن يكون تغيير أشخاص لمجرد التغيير، كما لا نرى أن الاستقرار يعني الجمود ،المطلوب هو تطوير الأداء بما يتناسب مع متطلبات المرحلة.
نحتاج إلى حكومة أكثر قوة من الناحية السياسية، وأكثر كفاءة من الناحية الإدارية، وأكثر قربًا من المواطنين، وأكثر قدرة على اتخاذ القرار وتنفيذه ،نحتاج حكومة لا تنتظر نتائج الخطط، بل تصنع النتائج.
إن الأردن، بقيادته الهاشمية، أمام مرحلة لا تحتمل الاكتفاء بإدارة الملفات اليومية ،خطاب الملك في المحافل الدولية يضع سقفًا مرتفعًا للدور الأردني، وهذا الدور يحتاج في الداخل إلى حكومة تمتلك الأدوات السياسية والاقتصادية والإدارية التي تمكنها من حماية مصالح الدولة وتعزيز قدرتها على مواجهة المستقبل.
نحن لا نطالب بتغيير تشكيله الحكومة لمجرد التغيير ، نحن نطالب بتطوير النهج الحكومي بما يتناسب مع التحول السياسي الذي دخلناه، وبناء علاقة جديدة بين الحكومة والأحزاب والبرلمان والمجتمع ، نريد برلمانًا يمارس دوره الرقابي بفاعلية، وأحزابًا تتنافس على أساس البرامج، وحكومة تتحمل مسؤولية التنفيذ، ومواطنًا يعرف من يقرر ومن ينفذ ومن يحاسب ،وهذا هو جوهر التحديث السياسي من وجهة نظرنا.
فالاختلاف في تقييم الأداء ليس اختلافًا على الوطن، والمطالبة بتطوير الحكومة ليست موقفًا ضد الحكومه ؛ بل إن السعي إلى حكومة أقوى وأكثر كفاءة هو موقف من أجل الدولة، ومن أجل المواطن، ومن أجل الأردن.
لقد تحدث جلالة الملك إلى العالم بثقة عن الأردن ومواقفه ومصالحه ودوره ،والمطلوب منا جميعًا في الداخل أن نترجم هذه الثقة إلى دولة أقوى، واقتصاد أكثر عدالة، ومؤسسات أكثر كفاءة، وحياة سياسية أكثر نضجًا.








































