بوابات الحضارة الإنسانية العظيمة وعتبات الفكر الكبرى في التنوير الثقافي أضاءت العقل البشري وقادت قطار المعرفة...
أود القول بأن البوابات العظيمة والعتبات الكبرى في تاريخ الأمم ليست مجرد شواهد صامتة، بل هي معالم حضارية خالدة شهدت ميلاد الإمبراطوريات، وانبثاق النهضات الفكرية من عتمة الشتات إلى نور العمران، وتقاطر مراحل النهضة والتنمية. إنها التجسيد الحي لقوة الرؤية، وجسر التواصل مع العالم عبر منصات الفكر، والاكتشافات التي ترسم خريطة العبور نحو المجد الحضاري والرقي الإنساني العميق؛ فعلى هذه العتبات التقت الرؤى لتصوغ الوعي البشري المشترك.
إن أصحاب هذه النوافذ والبوابات الحضارية والأخلاقية لا يعبرونها صدفة، بل يصنعونها بتضحياتهم وقيمهم الراسخة. عتبات احتضنت الحوار العقلاني ومشاعل التنوير، وأنجبت أجيالاً قادوا قطار المعرفة، وشيدوا صروح التنمية في المجتمعات. فمنحوا العقل البشري ضياءه، ورسخوا البوابات الأخلاقية والسلوكية التي تعد الجوهر الماتع لاستمرار الحضارات؛ إذ إن المجد الحضاري بلا أخلاق ليس إلا طغياناً مجوفاً وهشاً...إن الأمم المتحضرة لا تلج سجل الخلود من باب المناصفة أو المصادفة، بل تبلغه يوم تتلاقى قوة الفكرة، مع عمق الثقافة، ونبل الأخلاق. فإذا سقطت الأخلاق عن عتبة الأمة، انهارت حضارتها وإن طالت نطاحات سحابها السماء.
ومن خلال هذه النافذة الصباحية، نطل على هذه البوابات العظيمة لنستلهم من روادها وأعلامها ، أهل المجد والتنوير،
تلك الخواطر البليغة والحكم الشامخة التي تزرع بذور المحبة والسلام، وتشع أدباً وفكراً وخلقاً، فتثقل بها الموازين، وتُعمر الديار، وتبهج الروح...نعم تقول لنا سير الحكماء والأبرار ونحن نقرأ صفحاتها العطرة..كونوا كالماء.. يحمل أثقل الأحمال على سطحه، ويطوي في باطنه أثمن المعادن؛ إذا نزل على أرض ميتة أحياها، وإن اعترضته صخرة صماء دار حولها بحكمة ورفق؛ لا تتغير حقيقته بالمظاهر، فسواء قدم في أكواب من ذهب أو فخار، يبقى ماء عذباً بطعمه ولونه وصفائه.
هكذا هي الأرواح الجميلة والنفوس النبيلة؛ تجبرك على الدنو منها، وتستعذب حديثها، لأن قربها أنس وسعادة. فالقلوب الصادقة مهما اختلفت الظروف، تلتقي في صفو المشاعر وتتعانق كأغصان الأشجار التي وإن تباعدت فوق الأرض، فإن جذورها تتشابك في أعماق الثرى.
إنكم كالماء، لم تغيركم الأحوال ولا الأزمان ولا المصالح الضيقة؛ لأنكم أصحاب مبادئ ثابتة مرتبطة بالإيمان والعقيدة والفكر السليم. مبادئ تزيدكم صلابة وشموخاً، كالبيوت المرفوعة بأوتادها العميقة في باطن الأرض، لا تزعزعها العواصف ولا الصواعق، وكالذهب الإبريز، كلما مر عليه الزمن زاد بريقاً وجلالاً.
لقد وجدنا قلوبكم نقية بيضاء، يشع منها الحب والتسامح وجبر الخواطر، وكنتم بطيب سيرتكم كالغيث المبرور، يصيب قصور الأغنياء وأكواخ الفقراء فيعم الخير وتحل البركة.
فنسأل الله العلي القدير أن يجعلكم كالغيث أينما وقع نفع، وأن يزيدكم هيبة ووقاراً وقبولاً في قلوب العباد، وأن يرزقكم البركة في العمر والعمل؛ فالبركة جند من جنود الرحمن إذا حلت في شيء زانته وكثرته.
هذه رسالتنا في هذا اليوم المشرق بنوركم، نوجّهها إلى أهل المجد الحضاري والثقافي والأخلاقي، الذين تركوا بصمات جلية في الكفاح والبناء، وغرسوا الثوابت الدينية والإنسانية النبيلة في نفوس أبناء هذا الوطن العزيز. فطوبى لنا بكم كنوزاً معرفية ثمينة تحصن هويتنا الحضارية، وتبني المناعة الفكرية لمجتمعنا أمام كل التحديات.
صباح الخير والأنوّار والمسرات والبركة أتمنى لكم جميعاً.











































