ليس الشرق الأوسط مجرد رقعة جغرافية تتجاور فوقها الدول، وإنما هو واحدة من أكثر مناطق العالم تشابكا في التاريخ والدين والجغرافيا السياسية والطاقة والأمن والممرات التجارية والصراعات والهويات.
ولهذا فإن أي مشروع يسعى إلى تغيير وجه المنطقة لا يمكن أن يكون مجرد تحرك سياسي عابر، بل يحتاج إلى إعادة ترتيب موازين القوة، وتغيير طبيعة التحالفات، وإعادة تعريف مصادر التهديد، وفتح مسارات اقتصادية جديدة، وإعادة صياغة موقع القضية الفلسطينية في المعادلة الإقليمية.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم ما يوصف في بعض التحليلات الإسرائيلية بأنه طموح إلى بناء نظام إقليمي جديد تكون فيه إسرائيل جزءا مركزيا من شبكة أمنية واقتصادية وسياسية أوسع.
وقد برزت الاتفاقات الإبراهيمية منذ عام 2020 باعتبارها إحدى الأدوات الرئيسة لهذا المسار؛ إذ أدت إلى إقامة علاقات رسمية بين إسرائيل والإمارات والبحرين والمغرب، فيما بدأ مسار تطبيع مع السودان قبل أن تعوقه الاضطرابات الداخلية هناك.
وقد ارتبطت هذه الاتفاقات بفكرة الجمع بين المصالح الاقتصادية والتعاون الأمني والسياسي، مع وجود تصور مشترك لدى بعض الأطراف بشأن مواجهة النفوذ الإيراني.
لكن "حلم تغيير الشرق الأوسط" لا ينبغي قراءته باعتباره خطة واحدة مكتملة التفاصيل، فالمشهد أكثر تعقيدا من ذلك.
هناك أهداف إسرائيلية معلنة، وهناك رؤى لدى تيارات سياسية مختلفة داخل إسرائيل، وهناك حسابات أمريكية وخليجية وعربية، وهناك مصالح دولية متنافسة، وهناك أيضا واقع فلسطيني لا يمكن محوه بمجرد إعادة ترتيب التحالفات.
ولذلك فإن الحديث عن تغيير المنطقة ينبغي أن يكون تحليلا لمسارات متداخلة، لا افتراضا بوجود مشروع واحد تتحرك جميع الأطراف لتنفيذه.
لقد شهد الشرق الأوسط خلال العقدين الأخيرين تحولات عميقة. فقد تراجعت بعض الصراعات القديمة أمام صراعات جديدة، وتصاعد الدور الإيراني في عدد من الساحات، وتنامى الحضور التركي، وتوسعت علاقات دول الخليج مع القوى العالمية، ودخلت الصين وروسيا بصورة أكبر في حسابات المنطقة، بينما حافظت الولايات المتحدة على حضور أمني واستراتيجي بالغ الأهمية.
وفي قلب هذا المشهد حاولت إسرائيل الانتقال من موقع الدولة التي تخوض صراعات متكررة مع محيطها إلى موقع الدولة التي تسعى إلى بناء شبكة من العلاقات الطبيعية والمصالح المشتركة مع عدد من الدول العربية.
وكانت الاتفاقات الإبراهيمية تعبيرا واضحا عن هذا التحول. فهي لم تقم فقط على فكرة الاعتراف المتبادل، وإنما فتحت أبوابا للتجارة والاستثمار والتكنولوجيا والسياحة والتعاون الأمني. وفي المقابل، رأت دول عربية مشاركة فيها أن العلاقات مع إسرائيل يمكن أن توفر فرصا اقتصادية وتقنية وأمنية، وأن بناء علاقات متعددة المسارات قد يخدم مصالحها الوطنية.
وتشير تحليلات كارنيغي إلى أن الاتفاقات نجت إلى حد كبير من تداعيات حرب غزة، لكن مستقبلها يبقى مرتبطا بالتحولات الإقليمية والدولية وبكيفية التعامل مع القضية الفلسطينية وإعادة إعمار غزة.
وهنا تبدأ العقدة التي يصعب تجاوزها.
فأي مشروع لإعادة تشكيل الشرق الأوسط لا يستطيع أن يتعامل مع فلسطين باعتبارها تفصيلا هامشيا. القضية الفلسطينية ليست مجرد ملف تفاوضي بين طرفين، بل قضية ذات امتداد عربي وإسلامي ودولي عميق، وقد أثبتت حرب غزة منذ عام 2023 أن محاولة تجاوزها من خلال بناء علاقات إقليمية جديدة لا تلغيها من الوعي السياسي والشعبي.
لقد أعادت الحرب القضية الفلسطينية إلى قلب النقاش الإقليمي والدولي، وأصبح أي تصور لتوسيع التطبيع مع إسرائيل أكثر ارتباطا بمسألة قيام دولة فلسطينية وبمستقبل الأراضي الفلسطينية.
وتظهر المواقف السعودية على وجه الخصوص أن أي مسار للتطبيع لا يمكن فصله عن تقدم ذي مصداقية نحو إقامة دولة فلسطينية، وهو ما جعل معادلة التطبيع أكثر تعقيدا مما كانت عليه قبل الحرب.
وفي المقابل، فإن إسرائيل تمتلك عناصر قوة تسمح لها بمحاولة التأثير في شكل المنطقة: تفوق عسكري وتقني، اقتصاد متقدم، صناعة دفاعية، قدرات استخباراتية، علاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة، وشبكة متنامية من العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية.
وهذه العناصر تجعل إسرائيل قادرة على الانتقال من منطق الدفاع عن وجودها إلى محاولة التأثير في البيئة الإقليمية المحيطة بها.
لكن القوة شيء، والقدرة على صناعة نظام إقليمي مستقر شيء آخر.
فالشرق الأوسط ليس مساحة فارغة يمكن إعادة هندستها من الخارج أو من طرف واحد. دول المنطقة تمتلك حساباتها الوطنية، وشعوبها تمتلك ذاكرتها ومواقفها، والقضية الفلسطينية تمتلك قدرة استثنائية على إعادة ترتيب الأولويات.
كما أن العلاقات العربية الإسرائيلية لا تتحرك في اتجاه واحد؛ فقد تكون هناك مصالح أمنية واقتصادية تدفع نحو التعاون، لكن هناك أيضا اعتبارات سياسية وشعبية وقانونية يمكن أن تضع حدودا لهذا التعاون.
ومن هنا فإن الحديث عن "شرق أوسط جديد" يحتاج إلى النظر أيضا في التحولات داخل العالم العربي نفسه. فالدول العربية لم تعد تتحرك دائما ضمن محور واحد، بل أصبحت أكثر تنوعا في علاقاتها الدولية.
السعودية طورت علاقاتها مع الصين وروسيا إلى جانب تحالفها مع الولايات المتحدة، والإمارات بنت شبكة واسعة من الشراكات الاقتصادية والاستراتيجية، وقطر حافظت على أدوارها الدبلوماسية، ومصر والأردن يواصلان التعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها عنصرا أساسيا في أمن المنطقة واستقرارها.
وهذا يعني أن المنطقة لا تنتظر مشروعا إسرائيليا جاهزا، بل تنتج دولها مشروعاتها الخاصة أيضا.
وقد كشفت التطورات الإقليمية خلال السنوات الأخيرة أن فكرة بناء محور إقليمي قائم بصورة أساسية على مواجهة إيران لم تعد بالبساطة التي كانت تبدو عليها.
فالاتفاق السعودي الإيراني الذي رعته الصين عام 2023، وما تلاه من تقارب نسبي، أظهر أن دول المنطقة قادرة على إدارة علاقاتها مع طهران بوسائل مختلفة عن الاصطفاف الكامل في مواجهة إيران.
كما تشير تحليلات إقليمية إلى أن المتغيرات التي أعقبت حرب غزة أعادت تشكيل حسابات الأمن والتحالفات في المنطقة.
وهنا تكمن إحدى المفارقات الكبرى: قد تكون إسرائيل راغبة في نقل مركز الثقل الإقليمي من الصراع العربي الإسرائيلي إلى صراع أوسع مع إيران وحلفائها، وقد يكون هذا التحول مفيدا لها من الناحية الاستراتيجية، لكنه لا يعني بالضرورة أن الدول العربية ستتبنى الرؤية نفسها بالدرجة ذاتها أو إلى الأبد.
فالدول لا تتحالف فقط ضد عدو مشترك؛ إنها تتحالف أيضا من أجل مصالحها الخاصة.
والاقتصاد أحد المفاتيح الأساسية في أي شرق أوسط جديد. فالممرات التجارية، والموانئ، والطاقة، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والمياه، والسياحة، والاستثمار، كلها أصبحت عناصر في الجغرافيا السياسية الجديدة.
وتبدو إسرائيل راغبة في توظيف تفوقها التكنولوجي في بناء علاقات اقتصادية أوسع، بينما تسعى دول الخليج إلى استثمار موقعها ورؤوس أموالها ومشروعاتها العملاقة لتعزيز مكانتها العالمية.
لكن تحويل المصالح الاقتصادية إلى نظام إقليمي مستقر يحتاج إلى بيئة سياسية مستقرة، وهذه هي الحلقة الأصعب.
فالحرب المستمرة، وغياب التسوية الفلسطينية، وتصاعد الاستقطاب، وتعدد بؤر الصراع، كلها عوامل تجعل الاقتصاد رهينة للأمن، وتجعل أي مشروع إقليمي عرضة للاهتزاز عند أول أزمة كبرى.
وهنا تحديدا ينبغي التمييز بين "إعادة ترتيب المنطقة" و"إعادة استقرار المنطقة".
قد تستطيع القوة العسكرية تغيير ميزان الردع، وقد تستطيع الاتفاقات الدبلوماسية تغيير خريطة العلاقات، وقد تستطيع الاستثمارات تغيير المصالح الاقتصادية، لكن الاستقرار الحقيقي يحتاج إلى معالجة جذور النزاعات، لا إلى إعادة توزيعها.
وقد أشارت تحليلات حديثة إلى أن بعض التصورات داخل إسرائيل ترى في التحولات العسكرية التي شهدتها المنطقة فرصة لبناء نظام إقليمي جديد، يعتمد على القوة الإسرائيلية والتعاون الأمريكي والمصالح الاقتصادية مع دول عربية.
لكنها تشير في الوقت نفسه إلى أن هذا التصور يواجه مخاطر لأنه يعتمد بدرجة كبيرة على القوة العسكرية، والدعم الأمريكي، والتنسيق مع عدد محدود من الشركاء.
وهنا يبرز السؤال الأهم: هل يمكن بناء شرق أوسط جديد من دون حل القضية الفلسطينية؟
التجربة السياسية تقول إن تجاهل القضية لا يلغيها.
وقد أثبتت أحداث غزة أن القضية يمكن أن تعود في لحظة واحدة إلى مركز المشهد، وأنها قادرة على التأثير في علاقات الدول، وعلى إعادة تشكيل الرأي العام، وعلى رفع الكلفة السياسية لأي مسار إقليمي يتجاهل حقوق الفلسطينيين.
ولهذا فإن حلم تغيير وجه الشرق الأوسط سيظل ناقصا إذا بني على معادلة القوة وحدها.
إن الشرق الأوسط الذي يمكن أن يستقر ليس هو الشرق الأوسط الذي يخضع لموازين الردع فقط، بل الذي يجد صيغة تعترف بمصالح دوله، وتحمي حقوق شعوبه، وتفتح أبواب التعاون الاقتصادي، وتضع حدا للحروب الممتدة، وتعيد الاعتبار للقانون الدولي، وتمنح الفلسطينيين أفقا سياسيا حقيقيا.
أما تحويل المنطقة إلى شبكة من التحالفات الأمنية التي تتغير وفقا لموازين القوة، فقد ينتج ترتيبات مؤقتة، لكنه لا يصنع بالضرورة سلاما مستداما.
إن إسرائيل قد تسعى إلى تغيير وجه الشرق الأوسط، وهذا الطموح مفهوم ضمن منطق الدول التي تبحث عن توسيع نفوذها وحماية مصالحها.
لكن الشرق الأوسط ليس مشروعا هندسيا يمكن لطرف واحد أن يعيد تصميمه. إنه فضاء تاريخي حي، تتفاعل داخله دول وشعوب وهويات ومصالح وقضايا لا يمكن إلغاؤها بالقوة.
ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست حول من يرسم الخريطة الجديدة للمنطقة، بل حول أي قواعد ستقوم عليها هذه الخريطة: هل ستكون قواعد القوة وحدها؟ أم قواعد المصالح المتبادلة والقانون والعدالة والتنمية؟
فالشرق الأوسط يستطيع أن يتغير، لكنه لا يستطيع أن يتغير بالقوة وحدها. ويمكن أن تولد فيه تحالفات جديدة، لكن التحالفات التي لا تستند إلى تسويات عادلة ستظل هشة. ويمكن أن تزدهر التجارة والاستثمارات والتكنولوجيا، لكن التنمية لا تزدهر طويلا فوق أرض مضطربة.
وفي النهاية، فإن "حلم إسرائيل" بتغيير وجه الشرق الأوسط، أيا كانت تفاصيله وحدوده، يصطدم بحقيقة استراتيجية لا يمكن تجاوزها: لا يمكن إعادة بناء الإقليم من دون إعادة تعريف العلاقة بين القوة والشرعية، وبين الأمن والعدالة، وبين التطبيع والسلام، وبين المصالح الإقليمية وحقوق الشعوب.
فالشرق الأوسط الجديد الذي يستحق أن يولد ليس شرق أوسط تفرض فيه دولة رؤيتها على الآخرين، وإنما شرق أوسط تستطيع فيه الدول أن تتنافس وتتعاون دون أن تتحول القوة إلى حق، ودون أن تتحول الجغرافيا إلى غنيمة، ودون أن تبقى القضية الفلسطينية جرحا مفتوحا تحت كل مشروع جديد.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي أكبر من إسرائيل نفسها: هل نريد شرق أوسط جديدا تغيرت فيه التحالفات فقط، أم شرق أوسط تغيرت فيه قواعد الصراع نفسها؟
فالأول قد يعيد توزيع النفوذ، أما الثاني وحده فيستطيع أن يصنع تاريخا مختلفا.












































