اِمْنَحُوا بَنَاتِكُمْ الحُبَّ وَالِاهْتِمَامَ، وَلَا تَتْرُكُوهُنَّ يَسْتَجْدِينَهُ مِنْ خَلْفِ الشَّاشَاتِ الزَّرْقَاءِ
قطعت مع نفسي عهدا أن أرفض صداقة الحسابات الوهمية على "فيسبوك" أو أي حساب جديد لا اعرف صاحبه شخصيا حتى لا أكون وسيلة لخداع الآخرين من الاصدقاء وفي يوم ما وردني طلب صداقة من حساب رمزي فرفضته عدة مرات لكنه أصرّ بطلب الصداقة وأرسل رسالة عبر "ماسنجر" وقسماً مغلظاً بأن الطلب ليس تسولاً مادياً وانما لظرف إنساني قاهر مشترطا ألا تسألني عن اسمي أو تسخر من طلبي قلت لا عليك فكتبت انا فتاه وساتحدث معك صوتا لدقيقة للتتاكد وفعلا تم وعدنا إلى الكتابة وفتحت باب الحوار بفضول وإنسانية وبدأنا بتبادل التحايا التقليدية ثم بادرت بالقول إنها تحتاج إلى خدمة وقالت: "بشرط ألا تسألني عن اسمي" طمأنتها بأن الاسم واللقب لا يعنيان لي شيئًا فأنا لا أبحث عن زواج أو منفعة مادية.
وهنا انهمر سيل من الصدق والصراحة الآسرة فقالت بكلمات تفيض عذوبة: "لن أكذب عليك لقد أعجبتني صفحتك وكتاباتك وعذوبة كلامك ورقة المشاعر فيها لا أعلم إن كنت صادقا ام كاذبًا في الحقيقة ولكنني معجبة بهذه الكتابات لا يعنيني شخصك ولا ذاتك ولا شكلك إنما سحرتني عذوبة الكلمات.
تابعت تسرد وجعها بنبرة تختنق بالمرارة: "أنا فتاة جامعية وموظفة تجاوز عمري الثلاثين عامًا كلما تقدم لخطبتي رجل كان والدي يكثر عليهم الطلبات والشروط التعجيزية حتى ملّ الخُطّاب وصار الجميع يتحاشى التقدم لي"
فحركتني رقة العاطفة والأبوة فأجبتها محذرًا بصدق: "يا بنيتي لربما أكون في الحقيقة أسوأ من أبيك!!!!!! ثم إنك تقاربين بناتي وأولادي في العمر".
لم تتردد في الإجابة: "لا يعنيني العمر ولا يهمني ذلك كله ولكنني أود منك برجاء إنساني هل لك بالتمثيل؟؟!! هل يمكنك أن تمثل دور الحبيب أو المهتم بي ابثك ما بنفسي من ألم فتخفف منه وتنثحني ؟"
نزلت كلماتها على جسدي كالصاعقة تذكرت بنياتي وخلتها منهن فبادرتها: "بالتمثيل يا بنيتي؟؟؟!!!".
قالت بلسان الأنثى المكسورة: "نعم أود كأنثى أن يرضي غرورها عذب الكلام ورقة العبارات أن أشعر بوجودي وكينونتي مع شخص يشعرني بأنني أنثى إن لم يكن لي في الحقيقة نصيب بالزواج فأنا فتاة متدينة وملتزمة ولن تسمح لي أخلاقي وديني أن أطلب كلمات بذيئة أو علاقات محرمة وإنما أريد إشباع رغبتي واحتياجي من المشاعر الطاهرة لربما لديك معرفة باحتياج الأنثى للمشاعر والاهتمام فنحن من وصى بنا الرسول صلى الله عليه وسلم: "أستوصوا بالنساء خيرا".
وأضافت بحرقة وبكاء صامت: "أنا لست حاسدة لأحد لكنني أغار وأتحسر عندما أرى الفتيات اللواتي في مثل سني من صديقاتي قد تزوجن وأنجبن وأنا ما زلت وحيدة.. فلماذا أنتم أيها الآباء تفعلون بنا هذا؟ لماذا جففتم منابع العاطفة والحلال في بيوتنا؟"
وقفت أمام كلماتها عاجزًا وتأملت حال الكثير من البيوت يا معشر الآباء إن لم تربوا أبناءكم على المودة والرحمة وتيسير الحلال فماذا أنتم فاعلون؟؟؟!!
ألم يخاطبنا الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: "رفقًا بالقوارير"؟!! وألم يقل صلوات الله وسلامه عليه: "إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض"؟؟؟!!!
إن هذه الفتاة الجامعية الملتزمة لا تطلب مستحيلًا بل تطلب حقًا فطريًا وحاجة بشرية للمشاعر والتقدير حرمها منها تعنت الأب وشروطه القاسية حتى ألجأها الأمر أن تبحث عن سراب ممتد من "التمثيل العاطفي" خلف شاشات زرقاء نلتقي فيها كأفكار مجردة نتحاور ونواسي جراحًا أحدثها أقرب الناس إلينا في الواقع.
إن صرخة هذه الفتاة المكسورة ليست مجرد رسالة عابرة في بريد إلكتروني بل هي جرس إنذار يزلزل ضمير كل أب وكل مجتمع حين تضطر فتاة جامعية موظفة وملتزمة بدينها أن تطلب "وهم الاهتمام" وزيف المشاعر خلف شاشات صامتة لا يعرف من يقابلها فهذا يعني أننا أمام مجتمع جففت فيه القسوة منابع الرحمة.
يا معشر الآباء.. رفقاً بقلوبٍ وثقت بكم، ولا تجعلوا من بيوتكم سجوناً من الشروط والتمسك بالمظاهر والتعنت فتكونوا أنتم السبب في كسر قواريركم وتدفعوا بأبنائكم للاحتماء بظلال الشاشات الزرقاء هرباً من صقيع واقعكم ولربما إلى منحدر الانحراف اتقوا الله في عواطف بناتكم قبل أن تبكوا على جفاف قلوبهن.









































