دمُ الشَّبابِ وحِدَادُ الشَّوارِع: حِينَمَا يَغْدُو «الإِسْقَاطُ» ضَوْءًا أَخْضَرَ لِلإِسْتِهْتَارِ
لم يعُد خبرُ وفايات حوادث السير في شوارعنا مجرد رقمٍ يُضاف إلى إحصائيات إدارة السير، بل أضحى فاجعةً يومية تجتاح البيوت وتسرق شباباً في عمر الزهور، ليتحول الحديد الصامت إلى أداة حصدٍ للأرواح دون رادعٍ حقيقي.
وبينما تتشح العائلات بالسواد، يدور المشهد ذاته عقب كل فاجعة: صدمةٌ، فحزنٌ، ثم تحركاتٌ للصلح العشائري تنتهي غالباً بـ "إسقاط الحق الشخصي"، ليخرج المتسبب في الحادث بعد فترة وجيزة وكأن شيئاً لم يكن!
إن المواقف الأخيرة من أهالي كل من رحل إلى جوار ربه بسبب حوادث السير بعدم الرغبة في إسقاط الحق الشخصي والتسامح، يمثل صرخةً واعية في وجه منظومةٍ اعتدنا فيها أن يستسلم وليّ الدم للضغوط الاجتماعية.
هذا الموقف يتجاوز حدود القضية الفردية؛ إنه يعيد فتح ملفٍ مجتمعي وقانوني بغاية الخطورة والملامسة لوجدان كل المواطنين: إلى متى يظل التسامح مجانياً على حساب دماء أبنائنا؟إن الصلح العشائري في أصله وجوهره مَكْرُمةٌ مجتمعية تستهدف كف الأذى، وتطييب الخواطر، وحقن الدماء لمنع الثأر.
لكن تحويله إلى غطاءٍ للإفلات من العقاب في حوادث السير الناجمة عن الخطأ الجسيم والاستهتار المباشر يعدّ انحرافاً عن الغاية السامية لهذه الأعراف فالفرق شاسعٌ بين حادثٍ قضاءً وقشراً ناتجٍ عن ظروف قاهرة، وبين جريمةٍ مرتكبة بمهونة واستهتارٍ صريحين بأرواح الناس.











































