عشرات المواقف التاريخية المشرفة في سفر القائد الكبير الجنرال عبد الله اليوسف التل، يمكن أن نلخص الكثير منها في هذا التقرير وعلى عجالة، لأن الحديث عن قائد بحجم (أبي المنتصر)، يحتاج الى حلقات، ومؤلفات، وحوارات، وجلسات إعلامية عديدة لتغطية الجانب العسكري من حياته.
أول هذه المواقف، كان يتعلق برفض، وعدم السماح لليهود بزيارة حائط البراق، الذي يطلقون عليه ظلماً: (حائط المبكى) بالرغم من كل المغريات التي عُرضت عليه، وقد جاء ذلك الموقف على الشكل التالي:
أولاً: بعد إعلان الهدنة في فلسطين، وبتاريخ (19 - 6 - 1948)، أرسل وزير المعارف رسالة الى القائد عبد الله التل يبلغه فيها عن رغبة الإنجليز السماح لليهود بزيارة حائط البراق، تحت إشراف وحماية الكتيبة السادسة، المسيطرة على القدس القديمة، ويطلب وزير المعارف، وقاضي القضاة الرد بالموافقة، وتنفيذ أمر قائد الفرقة الأمامية، وهو من الضباط الإنجليز.
ثانياً: استلم عبد الله التل الرسالة، وكانت صادرة عن قائد الفرقة الأمامية، وعليها توصية من وزير المعارف، ثم كتب عليها كلمة؛ يُحفظ، وأهمل تنفيذ الأمر، ولم يكتفي؛ بل اتصل بالملك عبد الله الأول، وأطلعه على فحوى الرسالة، وتوجيه الأمر له بضرورة السماح لليهود بزيارة حائط (البراق)، مقابل خمسين ألف جنيه، تدفعها الحكومة البريطانية للأردن، فرد الملك على القائد التل بما يلي:
عبد الله بيك؛ أنا ربطت موافقتي بموافقتك، فإن وافقت على الطلب أنا موافق، وقد جاءت هذه المكالمة كالبلسم الشافي، لأنها اتفقت مع ما يخطط له من رفض مطلق لأي تغيير في منطقة القدس التي تسيطر عليها الكتيبة السادسة، وتحيط بها إحاطة السوار بالمعصم.
وقد أكد القائد المجاهد عبد الله التل في مذكراته على حقيقة أن اليهود دفعوا له فيما بعد؛ مليون جنية؛ كي يوافق على بيع، أو تأجير الحائط، عندما كان حاكماً للمدينة المقدسة عام (48)، وقال (رحمه الله)؛ أنا لا أملك ما يسمح لي بالبيع، أو التأجير، إنها للشعب الفلسطيني، وهو الأحق بالرفض، أو القبول، وأنا مجرد مؤتمن على القدس.
الموقف الثاني يتعلق بالثورة الجزائرية، وعلاقته بقادة الثورة في القاهرة.
كان عدد من أعضاء الثورة الجزائرية ومن بينهم الرئيس أحمد بن بلا يجتمعون في بيت عبد الله التل بالقاهرة، ويذكر التاريخ أنه عندما أعلنت قيادة الثورة الجزائرية ساعة الصفر لبدء الثورة، أطلقت رصاصة إعلان الثورة من مسدس عبد الله التل الشخصي، جاء ذلك تكريماً لشخص القائد الكبير عبد الله التل الذي ساند الثورة منذ انطلاقتها وحتى انتصارها على الفرنسيين.
يُذكر أن الرئيس (أحمد بن بلا) طلب زيارة قبر القائد عبد الله التل في إربد، عندما كان في زيارة للمملكة، ولم يكن وقتها رئيساً للجزائر، حيث انتقل موكب الرئيس الى المقبرة، ووضع إكليل من الورد على قبره، مع إلقاء كلمة معبرة، وحزينة، أشادت بمواقف القائد التل خلال الثورة ضد الإستعمار الفرنسي.
الموقف الثالث: حصول القائد عبد الله التل على مكافأة نقدية قيمتها عشرة آلاف جنيه إسترليني ذهب، نظير خدمات عسكرية واستشارية قدمها لإحدى الدول العربية، قام بتوزيعها على الفقراء، والمساكين، وأصحاب الحاجات، وطلاب الجامعات في الأردن، دون أن يُبقي منها شيئاً له ولأسرته.
الموقف الرابع: ذكره ضابط أردني كبير رتبته فريق متقاعد، أكد على أن كلوب باشا زار القائد عبد الله التل في القدس عام (1948)، مهنئاً بانتصارات الكتيبة السادسة، ويعرض عليه هدية وهي عبارة عن إجازة لمدة شهر، يقضيها في ربوع فرنسا، أو إنجلترا على حساب الجيش، هو وأسرته.
طبعاً كان رد الجنرال عبد الله التل بالرفض، وأن الهدية مرفوضة لأنها ليست هدية بقدر ما هي إبعاد عن الجبهة، وتسليم القدس للإنجليز ومن ثم لليهود، وبهذه الهدية ستكون مجرد وصمة عار تلاحق التل عبر تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي منذ تحرير القدس من العصابات الصهيونية وربما الى ما شاء الله.
بطبيعة الحال، لم يستطع القادة الإنجليز أن يبعدوا القائد التل عن الجبهة إلا بواسطة المؤامرات وهي كثيرة ومعروفة، وبالتعاون مع الحركة الصهيونية، لكن بطولات الكتيبة السادسة بقيادة الجنرال عبد الله التل أبقت القدس الشرقية بيد الأردن مدة تسعة عشر عاماً دون احتلال حتى عام (1967) وقت سقوط الضفة الغربية، بما في ذلك القدس، والجولان، وسيناء، والجنوب اللبناني، وبعض الأراضي الأردنية شرق نهر الأردن.
بالفعل وكما قال أحد كتاب اليهود، إن تاريخ القائد الكبير عبد الله اليوسف التل ينفع أن يُكتب كرواية سينمائية عالمية، تبين حجم البطولات التي تحققت على يد هذا النشمي الأردني الأصيل، ومعه مئات النشامى من قواتنا المسلحة الأردنية الذين انتصروا، أو استشهدوا دفاعاً عن شرف هذه الأمة العربية والإسلامية في معارك فلسطين، والقدس العربية تحديداً، لذلك ألف رحمة ونور على أرواحهم الطاهرة والى جنات الخلد إن شاء الله جل وعلا شأنه.













































