القلعة نيوز -
يعيش الإقليم اليوم على إيقاع تصعيد عسكري خطير بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، في مشهد لم يعد محصور في حدود الجغرافيا السياسية للدول المتحاربة، بل امتد أثره إلى فضاء أوسع تمسه تداعيات الصواريخ والطائرات المسيرة ومساراتها العابرة للأجواء، فالحرب الحديثة لم تعد تقف عند خطوط النار التقليدية، وإنما تتجاوزها إلى المجال الجوي والبحري والإلكتروني، وهو ما جعل دول عربية ومنها الأردن، عرضة لسقوط شظايا ومخلفات اعتراضات جوية وأضرار مادية متفاوتة، رغم أنها ليست طرفاً في النزاع.
هذه الوقائع تضعنا أمام حقيقة قانونية لا تقبل الجدل، مفادها أن الدولة وبموجب التزاماتها الدستورية، تتحمل مسؤولية حماية الأرواح وصون الأمن العام وضمان السلامة العامة لمواطنيها والمقيمين على أرضها. فالأمن ليس مفهوم أمني ضيق يقتصر فقط على مواجهة الجريمة، بل هو منظومة متكاملة تشمل إدارة المخاطر الطارئة، والاستجابة الوقائية، وتفعيل أدوات الحماية المدنية بما يتوافق مع مبدأ سيادة القانون وحماية الحق في الحياة الذي يُعد أصل الحقوق جميعاً.
ومع تكرار سماع صافرات الإنذار في المملكة، وصدور إرشادات رسمية تحث المواطنين على الالتزام بالتعليمات عند وقوع أي طارئ، يصبح السؤال مشروعاً: هل تكفي التوعية وحدها دون إجراءات تنظيمية مكمّلة تقلل من احتمالات الخطر؟ فالنصيحة عند سماع الإنذار أمر مطلوب وضروري، لكن الوقاية الاستباقية أهم وأكثر فاعلية حين تتعلق بطلاب مدارس وجامعات ينتقلون يومياً في أوقات محددة ويجتمعون في أماكن مكتظة.
إن فكرة التعليم عن بُعد لم تعد ترف تقني أو خيار تجريبي، بل أصبحت أداة تشريعية وإدارية معترف بها في حالات الطوارئ. وقد شهد العالم ذلك بوضوح خلال جائحة كورونا، حين اعتمدت دول كثيرة ومن بينها الأردن، هذا النمط استناداً إلى صلاحيات قانونية وتنظيمية هدفت لتحقيق معادلة دقيقة بين استمرارية الحق في التعليم وحماية الصحة والسلامة العامة، فإذا كان هذا الخيار قد فُعّل في ظرف صحي عالمي، أفلا يكون أولى بالتفعيل عند وجود مخاطر عسكرية محتملة قد تقع دون سابق إنذار؟
من الناحية القانونية، لا يُعد تعليق الدوام الوجاهي أو التحول المؤقت إلى التعليم الإلكتروني تعطيل للحق في التعليم، بل هو تنظيم له في إطار ما تقتضيه المصلحة العامة، فالإدارة تملك سلطة تقديرية في اتخاذ القرارات الوقائية متى توافر سبب جدي يهدد السلامة العامة، شريطة أن يكون القرار متناسب مع الخطر ومؤقت بقدر ضرورته. وهنا يبرز مبدأ (الوقاية خير من العلاج) ليس كشعار أخلاقي، بل كقاعدة إدارية رشيدة تتسق مع مفهوم الدولة الحديثة.
قد يُقال إن الحياة يجب أن تستمر، وإن الذعر لا ينبغي أن يتحكم بالقرارات العامة. وهذا صحيح من حيث المبدأ؛ غير أن الاستمرار لا يعني تجاهل المعطيات الموضوعية، ولا يُفهم منه الامتناع عن استخدام أدوات قانونية وُجدت أصلاً لمواجهة الظروف الاستثنائية. فالتعليم عن بُعد ليس إعلان لحالة فزع، بل رسالة طمأنينة مفادها أن الدولة تدير المخاطر بعقلانية وتحتاط قبل وقوع الضرر لا بعده.
كما أن اتخاذ قرار مؤقت بالتحول إلى التعليم الإلكتروني – ولو لأيام معدودة قابلة للتقييم – يخفف من حركة التنقل والاكتظاظ، ويمنح الأسر والعائلات شعور بالاستقرار، ويؤكد أن سلامة الطلبة أولوية لا تقبل المجازفة، فالضرر المحتمل مهما كان نادر الوقوع، يبقى ضرر جسيم إذا تعلق بأرواح أبنائنا، والقانون يُعلي من شأن درء الخطر الجسيم ولو كان احتمالي متى كانت دلائله قائمة.
إن ما يجري في الإقليم يفرض قراءة واقعية بعيدة عن التهويل أو التهوين. فالأردن ليس طرفاً في النزاع، لكنه بحكم موقعه الجغرافي يتأثر بمساراته الجوية وتداعياته الأمنية، ومن ثمّ فإن إدارة المرحلة تقتضي قرارات متوازنة تستند لتقييم مستمر للمخاطر، وتفعيل الأدوات المتاحة دون تردد حين تدعو الحاجة.
لسنا أمام دعوة لإغلاق شامل أو تعطيل طويل، بل أمام تساؤل مشروع: ما الذي ننتظر حتى نستخدم وسيلة تنظيمية أثبتت فعاليتها سابقاً؟ إن الدولة القوية هي التي تبادر، لا التي تنتظر وقوع الحدث. والتعليم عن بُعد، في مثل هذه الظروف، ليس تراجع عن المسار الطبيعي، بل تجسيد لفلسفة قانونية تقوم على حماية الإنسان أولاً، وضمان استمرارية المؤسسات ثانيًاً.
وبين حق الطلبة في التعليم، وحقهم الأسمى في الأمان، تبقى الأولوية واضحة؛ فالتعليم يمكن تعويض بعض أيامه، أما الأرواح فلا تُعوض. ومن هنا فإن القرار الوقائي، إن تم اتخاذه لن يكون استجابة للخوف، بل تعبير عن مسؤولية دستورية وأخلاقية تضع سلامة المجتمع فوق كل اعتبار.




