ميلاد الأمير العالِم ... الحسن بن طلال
في العشرين من آذار… لا يأتي الصباح عاديًا، ولا تمرّ الساعات كغيرها، بل يتسلل إلى القلب شعورٌ دافئ، كأن الذاكرة تُضيء شمعةً بأسم رجلٍ لم يكن يومًا عابرًا في وجدان وطن إنه يوم ميلاد سمو الأمير الحسن بن طلال؛ يومٌ يشبهه كثيرًا… هادئ، عميق، ومليء بالمعاني التي لا تُقال بسهولة، بل تُحسّ.
منذ تلك اللحظة الأولى، لم يكن ميلاده مجرد بداية حياة، بل بداية أثر… كأن الله أودع فيه سرًّا من نور؛ قلبًا يرى أبعد، وعقلًا لا يهدأ من التساؤل، وروحًا تأبى أن تعيش لنفسها فقط، بل تسعى لتُضيء للآخرين.
نشأ في بيتٍ عريق، لكنّه اختار أن تكون عراقته فكرًا، وأن يكون مجده أثرًا يُصنع بالصبر والتأمل والإخلاص.
كبر الأمير الحسن… وكأن الوطن يكبر معه لم تكن خطواته عادية، بل كانت محمّلة بشعورٍ عميق بالمسؤولية، وكأن همّ الناس يسكنه قبل أن يلتقيهم، لم يقترب منهم لأنه أمير، بل لأنه إنسان… يرى في كرامتهم المعنى الحقيقي لكل ما يُبذل، ويؤمن أن قيمة الإنسان هي الغاية الأولى والأخيرة.
وكان العلم عنده حبًا خالصًا… لا واجبًا يُؤدّى يقرأ وكأنه يُصغي لنبض هذا العالم، ويتأمل وكأنه يبحث عن طريقٍ ينقذ به إنسانًا لا يعرفه لم تكن المعرفة كلماتٍ تُحفظ، بل نورًا يسكن القلب، ومسؤولية تُحمل بصمت لذلك، حين نقول "الأمير العالِم"، نشعر أن الوصف يحاول أن يقترب… لكنه لا يُحيط بكل هذا العمق.
وفي عالمٍ كثيرًا ما تسبق فيه القسوة الرحمة، كان صوته مختلفًا… صوتًا يشبه الطمأنينة حين تضيق القلوب لم يكن صاخبًا، لكنه كان يصل لم يكن قاسيًا، لكنه كان يترك أثرًا لا يُنسى كان يدعو للحوار كما يُدعى للحياة، ويؤمن أن الإنسان، مهما اختلف، يبقى شريكًا في إنسانيته قبل أي شيء آخر.
هناك حضور لا يُفسَّر… هيبةٌ لا تُخيف، ولطفٌ لا يضعف، حكمةٌ لا تتعالى، وقلبٌ لا يبتعد هذا ما يتركه الأمير الحسن في كل من يمرّ على سيرته، حتى لو لم يلتقِ به كأنك لا تتحدث عن شخصٍ فقط، بل عن شعورٍ نادر… عن إنسانٍ يشبه المعنى الجميل حين يتجسّد.
وفي ذكرى ميلاده، لا نحتفل بيومٍ عابر… بل نحتفل بقيمةٍ حيّة نحتفل برجلٍ أثبت أن الفكر يمكن أن يكون رحيمًا، وأن القوة لا تحتاج ضجيجًا، وأن الإخلاص يصنع من الإنسان أثرًا لا يزول.
نستعيده كما يُستعاد الضوء في العتمة… في فكرةٍ تُنير، في كلمةٍ تُربّت على القلب، في أملٍ خافت يقول إن هذا العالم، رغم كل شيء، ما زال يتّسع للخير.
هكذا يكون ميلاد الأمير العالِم… ليس تاريخًا يُكتب، بل إحساسًا يُعاش… ويبقى.
موفق عبدالحليم ابودلبوح




