القلعة نيوز -
في زمنٍ تتلاطم فيه أمواج التحولات وتتشابك فيه خيوط التبعية الاقتصادية والفكرية لم تعد الذكريات التاريخية الا مجرد صفحة مطوية في سجلات التاريخ أو مراسم بروتوكولية تختزل في خطابات حماسية وأناشيد وطنية بمفهومه الفلسفي والوجودي وهو عملية صيرورة مستمرة لا لقطة تاريخية ثابتة هذا المقال ليس احتفالاً بالماضي بل هو محاكمة للحاضر واستشراف للمستقبل موجه إلى أصحاب العقول النيّرة المفكرين، والكتّاب، الذين يقع على عاتقهم عبء تفكيك المفاهيم وإعادة بناء الوعي الجمعي.
إن أصحاب العقول النيرة مدعوون اليوم لقيادة ثورة فكرية تؤصل للمفاهيم الوطنية وتحولها من حدث تحرري إلى بنية فكرية قادرة على الإنتاج والإبداع لا الاكتفاء بالاستهلاك والتقليد
حيث تعيش المجتمعات اليوم تحت وطأة النيوليبرالية المتوحشة التي حولت الدول من راعية للمجتمع إلى مجرد شركات أمنية تحمي مصالح رأس المال العابر للقارات هذا التحول أفرز في كثير من البؤر ما يسمى سياسياً بـ (الكاكاوكراتية) وهو مصطلح إغريقي يعني حكم أسوأ العناصر وأقلها كفاءة .
إن الدولة التي تتحرر جغرافياً وتظل تابعة معرفياً وثقافياً للمركزية الغربية تعيش حالة من الانفصام السيادي حيث تدار مؤسساتها بأدوات فكرية ومفاهيم مستوردة لا تعبر عن وجدانها التاريخي او الديني.
إن النخبة الفكرية مدعوة اليوم إلى تجاوز الخطابات التمجيدية السطحية والغوص في إنتاج مشروع بديل يحصن وعي الأمة ويضمن بقاءها فاعلا سياديا في توازنات القوى العالمية
من خلال تحصين الجبهة الداخلية ضد محاولات التفتيت الإقليمي وترسيخ المواطنة الدستورية كصمام أمان ضد الهندسة الاجتماعية الخارجية
والمنعة الاقتصادية والمائية ومجابهة الشح المائي والاعتماد الطاقي باعتبارهما المهدد الحقيقي للأوتونوميا او الاستقلال الذاتي للقرار السياسي.
والوصاية الهاشمية والعمق القومي واستثمار الشرعية التاريخية والدينية في حماية المقدسات بالقدس كخط دفاع أول عن الهوية الإستراتيجية للأردن وحماية القضية الفلسطينية التي تشكل بعدا عضويا للأمن الوطني.
كما ان دور الكتاب والمفكرين وذو العقول النيره في الأردن يتلخص في قيادة الخط الثالث الخط الذي يمارس النقد البنّاء ويفكك مواطن الخلل الإداري والاقتصادي لكنه يظل متجذرا في الإيمان بالدولة وكيانها الذي يملك الإرادة والسيادة القانونية الدستورية لحل هذه الأزمات بأيدي أبنائها
إن الأردن وهو يمضي بثبات في مئويته الثانية يحتاج إلى أقلام وازنة وعقول نيرة تعيد إنتاج معنى الاستقلال ليس كشعار يرفع بل كقيمة مضافة تعاش وسيادة تحمى بوعي النخبة وبسواعد الجيش العربي وبعبقرية الإنسان الأردني الذي أثبت دائما أنه أكبر من كل المؤامرات الجيوسياسية المحيطة به
في الفضاء الجيوسياسي لمنطقة الشرق الأوسط حيث تتداخل خطوط الصدع التاريخية وتتحرك رمال التوازنات الإستراتيجية يقف الأردن كحالة فريدة من التموضع السياسي الوجودي بالنسبة لأصحاب العقول النيّرة والمفكرين والكتاب فإن الاحتفاء بالخامس والعشرين من أيار ليس مجرد استدعاء رومانسي للحظة إعلان المملكة عام ١٩٤٦ بل هو تفكيك بنيوي لكيفية اجتراح الدولة الأردنية لمعادلة البقاء والسيادة في بيئة إقليمية مضطربة ومحكومة بصراع القوى العظمى.
بقلم معن عمر الذنيبات




