الدكتور نسيم أبو خضير
في مسيرة الدولة الأردنية رجالٌ لا تُقاس سنوات خدمتهم بعدد المواقع التي شغلوها ، ولا تُختصر تجربتهم بقرار إحالتهم إلى التقاعد ، لأن ما يتركونه خلفهم أكبر من كرسيٍّ إداري ، وأبقى من منصبٍ وظيفي ، وأعمق من لقب محافظ أو مدير أو مسؤول.
ومن هؤلاء يأتي المحافظ الدكتور مالك خريسات ، الذي يختتم اليوم مسيرته الوظيفية في وزارة الداخلية بعد سنوات من الخدمة والعمل في الميدان ، حاملاً معه رصيدًا من التجربة والإنضباط والمسؤولية ، والأهم من ذلك كله ، سيرة رجلٍ أدرك أن الوظيفة العامة تكليف قبل أن تكون تشريفًا .
التقاعد لا يلغي أثر الرجال
الجميل في حديث الدكتور مالك خريسات بمناسبة إحالته إلى التقاعد أنه لم يتحدث بلغة العتب ، ولم يتوقف عند المنصب الذي غادره ، ولم يجعل التقاعد نهاية علاقته بالدولة أو الوطن ، بل قال بوضوح إنه يغادر موقعه وهو راضٍ ومطمئن بأنه أدى ما استطاع من واجب ، وحمل الأمانة بكل إخلاص ومسؤولية .
وهذه العبارة وحدها تختصر فلسفة رجلٍ في الوظيفة العامة .
فالمسؤول الحقيقي لا يسأل عند نهاية خدمته : ماذا أخذت من الوظيفة ؟ بل يسأل : ماذا تركت فيها ؟ وماذا قدمت لوطني ؟
والدكتور خريسات ، بما عرف عنه خلال خدمته ، يمثل نموذجًا للمحافظ الذي يدرك أن المحافظة ليست مكتبًا وكرسيًا وملفات ، وإنما هي ناس ومجتمع وإحتياجات ومشكلات وتحديات وأمن وخدمات وتنمية وعلاقة يومية مباشرة بين الدولة والمواطن .
المحافظ في الميدان... لا خلف المكتب
إن أهمية المحافظ في الدولة الأردنية لا تكمن فقط في الصلاحيات الإدارية التي يمنحها له القانون ، وإنما في قدرته على ترجمة هيبة الدولة إلى عدالة ، وحضورها إلى خدمة ، وقراراتها إلى واقع يلمسه المواطن .
وهنا تكمن قيمة التجربة التي حملها الدكتور مالك خريسات خلال عمله في وزارة الداخلية والمحافظات ، حيث إن العمل الميداني يضع المسؤول أمام إمتحان يومي حقيقي : مواطن يريد الإنصاف ، ومشكلة تحتاج إلى حل ، ومجتمع يحتاج إلى إحتواء ، وفعاليات تحتاج إلى الإستماع ، ومؤسسات تحتاج إلى التنسيق.
وفي مثل هذه المواقع لا تكفي الشهادات ولا الألقاب ، وإنما يحتاج المسؤول إلى الحكمة ، وسعة الصدر ، والقدرة على إتخاذ القرار ، وإحترام الناس ، والحضور بين المواطنين .
وهذه هي المدرسة الحقيقية للإدارة العامة.
وزارة الداخلية مدرسة الرجال
ومن الإنصاف أن نتوقف أيضًا عند وزارة الداخلية التي أمضى فيها خريسات سنوات من خدمته .
فهذه الوزارة ليست مؤسسة إدارية عادية ، وإنما واحدة من أهم مؤسسات الدولة الأردنية ، لأنها تقف في قلب العلاقة بين الدولة والمجتمع ، وتتحمل مسؤوليات واسعة في مجالات الإدارة المحلية ، والأمن المجتمعي ، والتنسيق بين مؤسسات الدولة ، ومتابعة شؤون المحافظات.
ولهذا فإن من يغادر وزارة الداخلية بعد سنوات طويلة لا يغادر مجرد وظيفة ، بل يغادر مدرسة إدارية ووطنية صنعت لديه خبرة لا توفرها الكتب ولا الدورات وحدها ، وإنما تصنعها المواقف والأيام والناس .
ولعل أجمل ما في كلمة الدكتور مالك خريسات أنه لم ينسَ هذه المؤسسة وهو يغادرها ، بل عبّر عن إعتزازه بالإنتماء إليها ، ووجّه الشكر لزملائه ورفاق مسيرته في الوزارة والمحافظات والأجهزة والجهات التي تعاون معها .
وهذه أخلاق الكبار .
"سأبقى ابنًا من أبناء هذا الوطن"
ولعل أكثر ما يستوقفني في حديثه قوله :
"وسأبقى ، كما كنت دائمًا ، ابنًا من أبناء هذا الوطن العزيز".
هذه العبارة تستحق أن نتوقف عندها طويلاً .
فالوطن لا يتقاعد .
والإنتماء لا يحال إلى التقاعد.
وحب الأردن لا يرتبط بمسمى وظيفي .
وخدمة الدولة لا تتوقف عند إنتهاء الخدمة الرسمية .
هناك رجال يغادرون الوظيفة ، لكنهم يبقون في ذاكرة الناس بما قدموه ، وهناك من يغادرون المناصب وكأنهم لم يكونوا فيها.
والفارق بين الإثنين هو الأثر .
ومن هنا فإن تقاعد الدكتور مالك خريسات هو نهاية مرحلة وظيفية ، لكنه ليس نهاية العطاء ، ولا نهاية العلاقة مع الوطن ، ولا نهاية الحضور الإجتماعي والوطني .
رسالة تقدير لرجلٍ أدى الأمانة
وأنا إذ أكتب هذه الكلمات ، فإنني لا أكتبها مجاملةً لمسؤول غادر منصبه ، وإنما أكتبها تقديرًا لكل موظف عام أدى الأمانة في زمنٍ أصبحت فيه الوظيفة العامة مسؤولية ثقيلة ، ولكل محافظ أدرك أن وراء كل ملف إنسانًا ، ووراء كل قرار مجتمعًا ، ووراء كل توقيع مسؤولية أمام الله والوطن والقيادة.
لقد إختار الدكتور مالك خريسات أن يغادر موقعه بكلمات هادئة ، وبنبرة رجلٍ يشعر بالرضا عن أداء واجبه ، وبشكر زملائه ، وبالتأكيد على ثبات ولائه وإنتمائه للأردن وقيادته الهاشمية .
وهذه نهاية تليق بمن أمضى سنواته في خدمة الدولة .
شكراً مالك خريسات
شكرًا عطوفة الدكتور مالك خريسات على سنوات الخدمة .
شكرًا على كل يوم وقفت فيه في موقع المسؤولية .
شكرًا على كل مواطن إستمعت إليه ، وكل مشكلة حاولت معالجتها ، وكل موقف تحملت مسؤوليته .
وشكرًا لأنك تركت المنصب وأبقيت الوطن في مقدمة الحديث .
نختلف في تقييم المسؤولين ، ونختلف في بعض القرارات والسياسات ، وهذا طبيعي في الحياة العامة ، لكن يبقى من حق كل من خدم الدولة بإخلاص أن نقول له عند نهاية مسيرته :
أحسنت حين حملت الأمانة ، وأحسنت حين غادرت الموقع دون ضجيج ، وأحسنت حين أكدت أن الأردن سيبقى في قلبك ، وأن الولاء للقيادة الهاشمية ثابت وراسخ .
سيغادر الدكتور مالك خريسات مبنى المحافظة ، لكن المحافظة على الوطن لا تحتاج إلى مكتب .
وسيترك منصب المحافظ ، لكن بإمكانه أن يبقى مواطنًا فاعلًا ، وصوتًا وطنيًا ، وخبرةً إداريةً تستفيد منها الأجيال.
فهنيئًا لمن تقاعد من الوظيفة ولم يتقاعد من الوطن .
وهنيئًا لرجلٍ إستطاع أن يقول عند نهاية خدمته : أديت ما إستطعت من واجب ، وحملت الأمانة بكل إخلاص ومسؤولية .
كل الاحترام والتقدير لعطوفة الدكتور مالك خريسات ، ونسأل الله له في مرحلته الجديدة الصحة والعافية ودوام التوفيق ، وأن يبقى كما قال : ابنًا من أبناء الأردن ، وفيًّا لوطنه ، معتزًا بقيادته الهاشمية ، ومستمرًا في العطاء من موقع المواطن الذي لا يتقاعد .




