الدكتور نسيم أبو خضير
الدِّفاعُ عَنِ الأُرْدُنِّ لَيْسَ مُهِمَّةً مَحْصُورَةً فِي حُدُودِ البُنْدُقِيَّةِ وَالخَنْدَقِ ، وَلَا وَاجِبًا يَقِفُ عِنْدَ حُدُودِ مَا تَقُومُ بِهِ قُوَّاتُنَا المُسَلَّحَةُ البَاسِلَةُ وَأَجْهِزَتُنَا الأَمْنِيَّةُ السَّاهِرَةُ عَلَى أَمْنِ الوَطَنِ وَإسْتِقْرَارِهِ ، فَهَؤُلَاءِ الرِّجَالُ يَقُومُونَ بِوَاجِبٍ عَظِيمٍ فِي حِمَايَةِ الحُدُودِ وَصَوْنِ الأَمْنِ وَمُوَاجَهَةِ كُلِّ مَنْ يُرِيدُ بِالأُرْدُنِّ سُوءًا ، وَلَكِنَّ الدِّفَاعَ عَنِ الوَطَنِ مَفْهُومٌ أَوْسَعُ وَأَعْمَقُ مِنْ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ.
فَالأُرْدُنُّ لَا يَحْمِيهِ الجَيْشُ وَالأَمْنُ وَحْدَهُمَا ، بَلْ يَحْمِيهِ أَيْضًا كُلُّ مُوَاطِنٍ يُؤَدِّي وَاجِبَهُ بِأَمَانَةٍ ، وَكُلُّ مَسْؤُولٍ يَضَعُ المَصْلَحَةَ العَامَّةَ فَوْقَ المَصْلَحَةِ الشَّخْصِيَّةِ ، وَكُلُّ مُعَلِّمٍ يَغْرِسُ فِي نُفُوسِ أَبْنَائِنَا العِلْمَ وَالأَخْلَاقَ وَالإنْتِمَاءَ ، وَكُلُّ طَبِيبٍ يَصُونُ أَمَانَةَ المَرِيضِ ، وَكُلُّ تَاجِرٍ يَصْدُقُ فِي سِلْعَتِهِ وَمُعَامَلَتِهِ ، وَكُلُّ مُزَارِعٍ يَحْرُثُ أَرْضَهُ وَيَحْفَظُ خَيْرَاتِهَا ، وَكُلُّ طَالِبٍ يَجْتَهِدُ فِي عِلْمِهِ ، وَكُلُّ أَبٍ وَأُمٍّ يُرَبِّيَانِ أَبْنَاءَهُمَا عَلَى القِيَمِ وَالمَبَادِئِ وَالمَسْؤُولِيَّةِ .
فَكُلُّ هَؤُلَاءِ يُمَارِسُونَ شَكْلًا مِنْ أَشْكَالِ الدِّفَاعِ عَنِ الوَطَنِ .
إِنَّ الوَطَنَ لَا يُهْزَمُ فَقَطْ عِنْدَمَا تُخْتَرَقُ حُدُودُهُ ، بَلْ يُهْزَمُ أَيْضًا عِنْدَمَا تُخْتَرَقُ قِيَمُهُ ، وَتُهْدَرُ مَوَارِدُهُ ، وَتُهْمَلُ مُؤَسَّسَاتُهُ ، وَتُضَيَّعُ كَفَاءَاتُهُ ، وَتَتَقَدَّمُ الواسطةُ وَالمَحْسُوبِيَّةُ عَلَى العِلْمِ وَالخِبْرَةِ وَالإسْتِحْقَاقِ .
فَالتَّاجِرُ الَّذِي يَغُشُّ النَّاسَ لَا يَضُرُّ مُسْتَهْلِكًا فَقَطْ ، بَلْ يَضُرُّ إقْتِصَادَ وَطَنٍ وَثِقَةَ مُجْتَمَعٍ .
وَالطَّبِيبُ الَّذِي يُهْمِلُ أَمَانَتَهُ لَا يُقَصِّرُ فِي حَقِّ مَرِيضٍ فَقَطْ ، بَلْ يَمَسُّ أَخْلَاقَ مِهْنَةٍ وَثِقَةَ مُجْتَمَعٍ بِأَكْمَلِهِ .
وَالمُزَارِعُ الَّذِي يُهْمِلُ أَرْضَهُ وَثَرْوَتَهُ الزِّرَاعِيَّةَ يُسَاهِمُ فِي إِضْعَافِ أَمْنِنَا الغِذَائِيِّ .
وَالمُعَلِّمُ الَّذِي يَفْقِدُ رِسَالَتَهُ وَيُهْمِلُ تَرْبِيَةَ طُلَّابِهِ وَتَعْلِيمَهُمْ يُضَيِّعُ جِيلًا ، وَالوَطَنُ الَّذِي يَفْقِدُ جِيلَهُ يُفْقِدُ جُزْءًا مِنْ مُسْتَقْبَلِهِ .
وَالأَبُ وَالأُمُّ اللَّذَانِ يَتْرُكَانِ أَبْنَاءَهُمَا لِلشَّارِعِ وَالشَّاشَةِ وَالمُؤَثِّرَاتِ السَّلْبِيَّةِ مِنْ دُونِ تَرْبِيَةٍ وَتَوْجِيهٍ وَقِيَمٍ ، يُقَصِّرَانِ فِي أَعْظَمِ مَيْدَانٍ مِنْ مَيَادِينِ بِنَاءِ الوَطَنِ .
وَالمَسْؤُولُ الَّذِي يُقَدِّمُ غَيْرَ الكُفْءِ عَلَى صَاحِبِ الكَفَاءَةِ ، وَيُهَمِّشُ الخَبْرَةَ ، وَيُعَطِّلُ أَهْلَ القُدْرَةِ ، وَيَجْعَلُ الوَلَاءَ الشَّخْصِيَّ مِعْيَارًا فِي التَّعْيِينِ وَالتَّرْقِيَةِ ، فَإِنَّهُ لَا يُظْلِمُ فَرْدًا فَقَطْ ، بَلْ يُضْعِفُ مُؤَسَّسَةً وَيُرْبِكُ عَمَلًا وَيَضْرِبُ مَسِيرَةَ وَطَنٍ .
وَكَذَلِكَ مَنْ يَتَعَمَّدُ نَشْرَ الشَّائِعَاتِ وَتَرْوِيجَ الأَخْبَارِ الكَاذِبَةِ وَإِثَارَة الفِتَنِ وَالإِرْبَاكِ ، فَإِنَّهُ يَفْتَحُ ثَغْرَةً فِي جِدَارِ المُجْتَمَعِ ، وَيَمَسُّ أَمْنَهُ وَسِلْمَهُ وَثِقَةَ أَبْنَائِهِ بِمُؤَسَّسَاتِهِ .
إِنَّ الوَطَنَ لَا يَحْتَاجُ فَقَطْ إِلَى مَنْ يَحْمِلُ السِّلَاحَ ، بَلْ يَحْتَاجُ إِلَى مَنْ يَحْمِلُ الأَمَانَةَ .
يَحْتَاجُ إِلَى مَنْ يَكُونُ أَمِينًا فِي مَوْقِعِهِ ، صَادِقًا فِي عَمَلِهِ ، مُخْلِصًا فِي أَدَائِهِ ، حَرِيصًا عَلَى المَالِ العَامِّ ، مُحَافِظًا عَلَى مُقَدَّرَاتِ الوَطَنِ ، وَرَافِضًا لِكُلِّ مَا يُضْعِفُ مُؤَسَّسَاتِهِ أَوْ يُفَرِّغُ الكَفَاءَةَ مِنْ مَضْمُونِهَا .
وَمِنْ هُنَا فَإِنَّ الدِّفَاعَ عَنِ الأُرْدُنِّ يَبْدَأُ مِنْ مَكَانِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا .
الجُنْدِيُّ يُدَافِعُ عَنِ الحُدُودِ ، وَالمُعَلِّمُ يُدَافِعُ عَنِ مُسْتَقْبَلِ الأَجْيَالِ ، وَالطَّبِيبُ يُدَافِعُ عَنِ صِحَّةِ المُجْتَمَعِ ، وَالمُزَارِعُ يُدَافِعُ عَنْ أَمْنِنَا الغِذَائِيِّ ، وَالعَامِلُ يُدَافِعُ عَنْ إِنْتَاجِ الوَطَنِ ، وَالتَّاجِرُ الأَمِينُ يُدَافِعُ عَنْ ثِقَةِ السُّوقِ ، وَالإِعْلَامِيُّ المَسْؤُولُ يُدَافِعُ عَنْ وَعْيِ النَّاسِ ، وَالأَبُ وَالأُمُّ يُدَافِعَانِ عَنْ أَخْلَاقِ الجِيلِ ، وَالطَّالِبُ يُدَافِعُ عَنْ مُسْتَقْبَلِهِ وَمُسْتَقْبَلِ وَطَنِهِ .
وَإِذَا أَدَّى كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا وَاجِبَهُ كَمَا يَنْبَغِي ، فَإِنَّنَا نَبْنِي حِصْنًا لَا تَسْتَطِيعُ أَيَّةُ قُوَّةٍ أَنْ تَنْفُذَ مِنْهُ .
إِنَّ قُوَّتَنَا لَيْسَتْ فِي السِّلَاحِ وَحْدَهُ ، وَإِنْ كَانَ السِّلَاحُ ضَرُورَةً لِحِمَايَةِ الوَطَنِ ، وَلَكِنَّ قُوَّتَنَا الحَقِيقِيَّةَ فِي تَمَاسُكِ مُجْتَمَعِنَا ، وَفِي وَعْيِ أَبْنَائِنَا ، وَفِي عَدَالَةِ مُؤَسَّسَاتِنَا ، وَفِي نَزَاهَةِ أَدَائِنَا ، وَفِي إِخْلَاصِ مَنْ يَتَحَمَّلُونَ مَسْؤُولِيَّةَ العَمَلِ العَامِّ .
وَلَيْسَ أَصْعَبَ عَلَى أَعْدَاءِ الوَطَنِ مِنْ شَعْبٍ يَقِفُ صَفًّا وَاحِدًا ، وَمُؤَسَّسَاتٍ تَعْمَلُ بِثِقَةٍ ، وَجَيْشٍ وَأَجْهِزَةٍ أَمْنِيَّةٍ تَحْمِي الحُدُودَ وَتَصُونُ الأَمْنَ ، وَمُواطِنٍ يَعْرِفُ أَنَّ لَهُ دَوْرًا فِي حِمَايَةِ وَطَنِهِ ، وَلَوْ كَانَ دَوْرُهُ وَاجِبًا صَغِيرًا فِي ظَاهِرِهِ ، فَإِنَّ الأَوْطَانَ تُبْنَى مِنْ مَجْمُوعِ الوَاجِبَاتِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي يُؤَدِّيهَا أَبْنَاؤُهَا بِإِخْلَاصٍ .
لِنَبْثَّ فِي أَرْجَاءِ الأُرْدُنِّ رُوحَ الأَمَلِ ، وَلْنَزْرَعْ المَحَبَّةَ وَالثِّقَةَ ، وَلْنَرْفَضْ الإِشَاعَةَ وَالتَّحْرِيضَ وَالتَّشْكِيكَ الَّذِي لَا يَقُومُ عَلَى دَلِيلٍ ، وَلْنَحْفَظْ مُقَدَّرَاتِنَا ، وَلْنُحْسِنْ أَدَاءَ أَعْمَالِنَا ، وَلْنَكُنْ عُيُونًا سَاهِرَةً عَلَى مَصْلَحَةِ وَطَنِنَا مِنْ مَوَاقِعِنَا المُخْتَلِفَةِ .
فَالأُرْدُنُّ أَمَانَةٌ فِي أَعْنَاقِنَا جَمِيعًا ، وَحِمَايَتُهُ لَيْسَتْ شِعَارًا نَرْفَعُهُ ، بَلْ عَمَلٌ نُؤَدِّيهِ ، وَأَخْلَاقٌ نَلْتَزِمُ بِهَا ، وَأَمَانَةٌ نَحْفَظُهَا ، وَوَلَاءٌ صَادِقٌ نُثْبِتُهُ فِي المَوْقِفِ وَالمَمَارَسَةِ .
وَإِذَا رَصَصْنَا صُفُوفَنَا ، وَتَمَاسَكْنَا ، وَأَدَّى كُلُّ مِنَّا وَاجِبَهُ ، وَوَضَعْنَا مَصْلَحَةَ الأُرْدُنِّ فَوْقَ كُلِّ إعْتِبَارٍ ، فَإِنَّنَا نَمْتَلِكُ مِنْ أَسْبَابِ القُوَّةِ وَالصُّمُودِ مَا يُمَكِّنُنَا مِنْ مُوَاجَهَةِ التَّحَدِّيَاتِ وَإِفْشَالِ كُلِّ مَنْ يَسْعَى إِلَى زَعْزَعَةِ أَمْنِنَا وَاسْتِقْرَارِنَا .
هَذَا هُوَ الدِّفَاعُ الحَقِيقِيُّ عَنِ الأُرْدُنِّ: أَنْ يَكُونَ كُلُّ أُرْدُنِيٍّ حَارِسًا لِوَطَنِهِ فِي مَوْقِعِهِ ، وَأَنْ نَبْقَى جَمِيعًا خَلْفَ وَطَنٍ عَزِيزٍ ، وَقِيَادَةٍ هَاشِمِيَّةٍ ، وَجَيْشٍ عَرَبِيٍّ ، وَأَجْهِزَةٍ أَمْنِيَّةٍ تَحْمِي الأَمْنَ وَتَصُونُ الدَّوْلَةَ .
وَسَيَبْقَى الأُرْدُنُّ ، بِوَعْيِ أَبْنَائِهِ وَتَمَاسُكِهِمْ وَإِخْلَاصِهِمْ ، وَطَنًا عَصِيًّا عَلَى كُلِّ مَنْ يُرِيدُ بِهِ سُوءًا .



