أقنعةٌ تحت القبة: عندما تبتلع الكاميرا أمانة التشريع والرقابة
القلعة نيوز -د. خليل قطيشات
تواجه العمل البرلماني المعاصر معضلة بنيوية بالغة التعقيد، تتمثل في طغيان "الاستعراضية السياسية" على حساب الدور الجوهري والناظم للمؤسسة التشريعية، والمتمثل في صياغة القوانين وممارسة الرقابة الحقيقية على الأداء الحكومي. ففي الوقت الذي تتطلب فيه أروقة البرلمان ولجانه المتخصصة عقولاً تنكبّ على دراسة النصوص القانونية، وتحليل أرقام الموازنات، وتفكيك التشريعات التي تمس تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين، يختار بعض النواب الهروب إلى الأمام نحو فلاشات الكاميرات ومنصات التواصل الاجتماعي، بحثاً عن حضور واهم وحصاد رقمي سريع لا يسمن ولا يغني من تنمية أو إصلاح.
إن هذا التحول السلوكي من صفة "المُشرّع" إلى دور "الممثل" يعود في جذوره إلى استسهال الكسب الشعبي؛ إذ إن الغوص في تفاصيل القوانين وتعديل بند قانوني واحد يحتاج إلى جهد بحثي وثقافة قانونية واقتصادية عميقة، وهي جهود غير مرئية غالباً للجمهور العام، بينما يمنح التقاط صورة في محفل اجتماعي، أو إطلاق تصريح ناري يخاطب العواطف أمام العدسات، تفاعلاً فورياً بأقل مجهود ممكن. هذا الفراغ البرامجي، وغياب الالتزام الحزبي الحقيقي لدى بعض الشخوص، يحيل أداء النائب إلى مجرد عملية علاقات عامة مستمرة، تهدف إلى دغدغة مشاعر القواعد الانتخابية دون تقديم أي قيمة مضافة تحت القبة.
وينعكس هذا الغياب التشريعي سلبياً وبشكل مباشر على المدن والمحافظات التي يمثلها هؤلاء النواب؛ فحين تفرغ قاعات اللجان الحيوية، كالمالية والقانونية والإدارية، من ممثلي تلك المناطق، يغيب بالضرورة صوت المدينة واحتياجاتها التنموية عند توزيع المكتسبات وإقرار المخصصات، لتتحول الرقابة البرلمانية بمرور الوقت من أداة محاسبة دستورية صارمة إلى مجرد استعراض خطابي غايته التسجيل الإعلاني وإثارة الجدل الإعلامي، دون إحداث أي تغيير حقيقي في الأداء التنفيذي أو مكافحة التقصير.
أمام هذا المشهد، يصبح الوعي الشعبي هو الخط الدفاعي الأخير وصاحب الكلمة الفصل لتعديل كفة الميزان. ولم يعد مجدياً انتظار تغيير ذاتي في سلوك هواة الاستعراض، بل إن الضرورة تقتضي تغيير معايير التقييم المجتمعية عبر الاستناد إلى لغة الأرقام والتقارير الرقابية المستقلة، التي ترصد بدقة وبالمؤشرات الملموسة حجم حضور النائب، ومستوى مشاركته في مناقشة القوانين، وعدد الأسئلة والاستجوابات الحقيقية التي تقدم بها. إن إعادة تعريف دور النائب في العقل الجمعي باعتباره سلطة تشريعية ورقابية عليا، وليس موظف علاقات عامة أو معقب معاملات، هي الخطوة الأولى نحو فرز سياسي حقيقي، يتجاوز بريق الصور المزيفة إلى عمق الإنجاز التشريعي، فالناخب الواعي هو الوحيد القادر على إيقاف هذا العبث في المواسم الانتخابية، وإعادة الهيبة للأمانة البرلمانية التي يجب أن تظل مرآة صادقة لهموم الوطن والمواطن، لا مجرد مسرح لقطات عابرة.




