خليل قطيشات
تظل الإدارة الحكومية في جوهرها رهينة الخيار الذي يتخذه المسؤول؛ فإما التخندق خلف المكاتب العاجية والاكتفاء بالتقارير المكتوبة، وإما الانحياز التام لتراب الميدان والاشتباك المباشر مع تفاصيل حياة الناس. ومن يتتبع مسيرة وزارة التنمية الاجتماعية في الآونة الأخيرة، يدرك دون عناء أن ثمة نهجاً جديداً قد استقر، نهجاً تقوده الوزيرة وفاء بني مصطفى بإيقاع دؤوب وحركة لا تهدأ، جعلت المتابعين للشأن العام يجمعون على حقيقة واحدة مفادها أن هذا الأداء الاستثنائي قد رفع سقف التوقعات عالياً، وتردّدت معه عبارة الإنصاف العفوية بأنها أتعبت بكل هذا البذل من سيأتي بعدها.
إن المراقب للزيارات الميدانية المكثفة والجولات التفقدية التي تقودها بني مصطفى، يرى بوضوح أن العمل الاجتماعي قد انتقل من سياق الرعاية التقليدية البيروقراطية إلى فضاء التنمية الحقيقية والتمكين. فلم تعد تلك الجولات مجرد بروتوكول رسمي تلتقط فيه الصور، بل تحولت إلى ورش عمل مفتوحة في الهواء الطلق، تقف فيها الوزيرة شخصياً على أحوال الأسر العفيفة في المحافظات والأطراف، وتتفقد دور الرعاية ومراكز تأهيل الأشخاص ذوي الإعاقة، مستمعة للشكوى وموجهة للحل الفوري، ومحاسبة بكل حزم ومسؤولية أي تقصير يمس كرامة المواطن أو جودة الخدمة المقدمة له.
هذا الحراك الدؤوب لم يكن وليد المصادفة، بل هو انعكاس لرؤية إدارية واثقة تؤمن بأن الوظيفة العامة هي تكليف مطلق غايته الأساسية حماية الإنسان والنهوض به. وقد تجلى هذا الفكر في حزمة التشريعات والخطط الاستراتيجية التي جرى تحديثها لتواكب التحديات الاقتصادية المعاصرة، مع التركيز العميق على تحويل الأسر المستهلكة إلى أسر منتجة قادرة على الاعتماد على ذاتها، مما يعيد صياغة مفهوم الأمان الاجتماعي ليكون قائماً على الكرامة والإنتاج والعدالة في توزيع المكتسبات.
إن القيمة الحقيقية لأي جهد وطني لا تُقاس بالشعارات، بل بالأثر الملموس الذي يتركه في حياة الفئات الأكثر حاجة وهشاشة في المجتمع، وهو الأمر الذي نجحت الوزارة في تكريسه كواقع معاش. لقد أثبتت هذه التجربة أن المسؤولية ليست تشريفاً بل هي حضور دائم، ومتابعة حثيثة، وقدرة على قيادة التغيير من الميدان مباشرة، لتظل هذه المسيرة شاهداً حياً على أن العطاء المخلص والاشتباك الإيجابي مع قضايا الوطن هما المعيار الأسمى للإنجاز الحقيقي الذي يبقى أثره راسخاً في وجدان الناس ومسيرة الدولة.




