القلعة نيوز : أنس عياصرة
في إحدى الجلسات الشبابية التي أقمتها مؤخراً، دار نقاش بيني وبين مجموعة من الشباب حول مفهوم المشاركة السياسية ودور الحكومات والنواب في بناء مجتمع سياسي واعٍ. كان من الملفت أن بعض المشاركين كانوا ينظرون إلى السياسة على أنها تقتصر على الانتخابات والمناصب العامة فقط، بينما رأى آخرون أنها مسؤولية وطنية تبدأ من فهم القضايا العامة والإحاطة بالتحديات التي تواجه الدولة الأردنية. عندها أدركت أن بناء الشباب السياسي لا يبدأ عند صناديق الاقتراع و الفرز فحسب، بل يبدأ منذ اللحظة التي يتعلم فيها الشاب كيف يفكر، وكيف يحلل و كيف يصنع القرار، وكيف يحاور باحترام ومسؤولية، دون إساءة لوطنه أو مجتمعه او قيادته الحكيمة. ومن هنا بدأت أتأمل في الدور الكبير الذي تقوم به الدولة الأردنية في إعداد جيل قادر على ممارسة العمل السياسي بوعي وحكمة.
تؤمن الدولة الأردنية بأن الشباب يشكلون الركيزة الأساسية لمستقبل الوطن، ولذلك أولت اهتماماً متزايداً بتمكينهم وإشراكهم في مختلف مجالات الحياة العامة. وقد تجلى ذلك من خلال مسار التحديث السياسي الذي يهدف إلى توسيع قاعدة المشاركة السياسية، وتعزيز حضور الشباب في عملية صنع القرار، وفتح المجال أمامهم للتعبير عن آرائهم والمساهمة في رسم مستقبل وطنهم. كما تعمل المؤسسات الرسمية والشبابية والتعليمية على توفير البرامج التدريبية والحوارات الوطنية والأنشطة التي تسهم في تنمية مهارات القيادة والتفكير النقدي وتعزيز الثقافة السياسية لدى الأجيال الشابة.
ولا يقتصر بناء الشباب السياسي الحكيم على توفير الفرص للمشاركة فقط، بل يمتد إلى بناء الوعي السياسي القائم على المعرفة والمسؤولية. فالشاب الواعي هو القادر على التمييز بين الحقيقة والإشاعة، وبين النقد البناء والإساءة، وهو الذي يدرك أن الاختلاف في الرأي لا يتعارض مع الانتماء للوطن. كما أن الحكمة السياسية تتطلب القدرة على الاستماع للآخرين، واحترام وجهات النظر المختلفة، والمشاركة في النقاشات العامة بروح إيجابية تسعى إلى خدمة المصلحة الوطنية.
إلا أن هذا المسار يواجه تحديات متزايدة في ظل التطورات المتسارعة التي يشهدها العالم. فقد أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي مصدراً رئيسياً للمعلومات والأخبار، الأمر الذي جعل الشباب يواجهون كماً هائلاً من المحتوى المتنوع، بما في ذلك المعلومات المضللة والشائعات التي قد تؤثر في تشكيل آرائهم ومواقفهم. وهنا تبرز الحبكة الحقيقية في قضية بناء الشباب السياسي؛ فالتحدي لم يعد يتمثل في إشراك الشباب بالحياة السياسية فقط، بل في إعدادهم ليكونوا قادرين على التفكير النقدي، والتحقق من المعلومات، وتحليل الأحداث بوعي ومسؤولية. ومن هذا المنطلق تتعاظم أهمية الدور الذي تؤديه الدولة الأردنية ومؤسساتها المختلفة في تعزيز ثقافة الحوار وترسيخ قيم الاعتدال والوعي والانتماء.
ومع تزايد التحديات الإقليمية والدولية، أصبح الاستثمار في الوعي السياسي للشباب ضرورة وطنية تسهم في تعزيز استقرار الدولة وقدرتها على مواجهة المتغيرات المختلفة. فكلما ازداد الشباب فهماً لقضايا وطنهم، وامتلكوا مهارات الحوار والمشاركة والتفكير السليم، أصبحوا أكثر قدرة على الإسهام في بناء مجتمع قوي ومتوازن وقادر على صناعة المستقبل.
وفي الختام، فإن بناء شباب سياسي حكيم ليس مشروعاً مؤقتاً أو هدفاً مرحلياً، بل هو مشروع وطني مستمر يمثل أحد أهم أسس التنمية والتقدم. فالشباب الواعي والمسؤول هو القادر على حمل رسالة الوطن والدفاع عن مصالحه والمشاركة في تطويره. ومن خلال الجهود المتواصلة التي تبذلها الدولة الأردنية في مجالات التمكين والتوعية والتحديث السياسي، يواصل الأردن بناء جيل يمتلك الوعي والحكمة والانتماء، ويحمل مسؤولية المستقبل بثقة واقتدار.




