الشيعة من القرامطة إلى الصفويين ...
القلعة نيوز -
لم تلتق المسيحية باليهودية إلا عندما ظهرت المسيحية المتصهينة، وهذه تعني بالنسبة لهم أن يلتقوا على خدمة النقاط المشتركة التي يتفقون عليها، ومنها أن اليهودية هي أساس المسيحية، ومنها أننا نؤجل الصراع بيننا حتى المعركة الحاسمة في النهاية، ونعمل معًا على تهيئة الظروف التي تعجل أحداث النهاية وتحدد العدو الذي نسعى للقضاء عليه، وهو في المجمل الإسلام، ولكنه يشمل غيره مثل الصين والروس وغيرهم، وحتى اليهود في النهاية هم مستهدفون من قبل هذه المسيحية المتصهينة، فالهدف الأيديولوجي هو القضاء على الجميع والتفرد بالنصر.
مع مراعاة أن مسيحيي الشرق هم أيضًا ضمن محور الشر بالنسبة لهم، لذلك لا تجد كبير اهتمام بهم من الغرب، إلا نوعًا من التعاطف عندما يتعامل معهم الصهاينة بنوع من العنصرية، ولكن لا فزعة ولا نصرة لهم.
فهل من الممكن ان يستفيد قادة العالم الإسلامي وعلماؤهم من هذا التحالف، ويسعون إلى تشكيل شيء مشابه. كانت طبيعة العلاقة التاريخية الشيعية مع المحور السني جدلية تستحق القراءة التاريخية والوقوف على أبعادها ونتائجها، وما هو المتوقع منها في ظل بقاء هذه الأيديولوجية التي تسيطر على رؤوس الشيعة في حوزاتهم وقاداتهم في دولهم، وهو نشر مذهبهم وتشييع السنة والحلول مكانهم في عواصمهم ومدنهم، نعم من الممكن أن تتغير طبيعة العلاقة بتغير هذه الرؤوس أو تغير ما فيها تجاه المحور السني، وهذا حدث عبر التاريخ في مواقف مختلفة. فالمحور السني في المجمل لا يسعى لإحلال مذهبه مكان المذهب الشيعي، ولم يسعَ للمواجهة إلا عندما تغيرت طبيعة الموقف الشيعي.
إيران مثلًا لم تكن شيعية إلا في أجزاء بسيطة مثل قم وكاشان والري، والباقي كان معظمه سنيًا ، وهنا قام إسماعيل الصفوي بفرض المذهب الشيعي الاثني عشري عليها بداية القرن العاشر الهجري، وبداية القرن السادس عشر الميلادي، وأصبح التشيع مذهبًا للبلاد بالإجبار بعد أن تغلب عليها بالقوة. وهنا يقفز إلى الذهن القرامطة وما فعلوه في المسلمين في القرن الثالث الهجري، وبعدها الفاطميون والبويهيون، وأخيرًا الصفويون، والتحالفات التي حدثت منهم مع المغول والفرنجة وغيرهم. ومن هنا، عندما نستحضر تاريخ الشيعة عندما تصبح متغلبة، فهو ما حدث عبر التاريخ، من فرض مذهبهم بطريقة إحلالية تسعى لتغيير كل شيء، حتى العقيدة والمساجد والفقه، ومحاربة العلماء بالقتل والتشريد كما حدث سابقًا. وهنا، هل نغفل التاريخ في التعامل مع هذه الفئة، أم نستحضر التاريخ لنعلم تمامًا النتائج التي يسعون إليها؟
ومن ينكر ذلك، عليه العودة إلى ما حدث في المناطق التي استطاعوا فرض السيطرة عليها، وماذا حدث، وما زالت الأحداث شاهدة، والشهود أحياء، ومواقع التواصل مليئة بالشواهد.
وهنا من يحمل هذا الفكر وجعله مذهبًا، سواء كان من يحمله عربيًا أم غير عربي، فهو يحمل هذا الفكر المتشدد، وعملوا على صياغته على شكل مذهب إحلالي، وتكبر خطورة المذهب عندما يكون إحلاليًا، ويسعى إلى إنشاء منظومة دينية وعقدية وشعائرية ودعوية، وحتى فقهية، تغير الشعائر والعبادات والمعاملات، ومن ثم منظومة عسكرية ومالية تتحكم بها الحوزات وقادتها. وهنا تواجه السنة منظومة كاملة تسعى لنشر مذهبها بضغط عسكري مذهبي نفعي براغماتي، كما حدث مع إسماعيل الصفوي وإيران، هؤلاء الشيعة الجدد الذين كان أجدادهم سنة، ولذلك فالمذهب الشيعي يتطلع إلى تشييع العالم الإسلامي كأساس لدعوته.
ويا ليت أن حركتهم تتجه إلى خارج الأمة وتسعى إلى تشييع غير المسلمين، ولكن كما كان الحال دائمًا مع الشيعة عبر التاريخ، فإن حركتهم وسهامهم لا تتجه إلى الخارج، بل إلى خاصرة الأمة الرخوة، فينقضون على الدولة الإسلامية الحاكمة كما حدث في مصر وإيران والعراق في حالة الضعف، وكانوا يحققون نتائج كبيرة، بحيث تصبح لهم اليد الطولى في العالم الإسلامي، ولكن هذا لم يستمر بفضل من الله في الكثير من المواقع، وإن كان قد نجح في بعضها. ولذلك يجب دائمًا الحرص والخوف والاحتياط لهم ومنهم، لأجل هذه الطبيعة، ولأجل نزعتهم الباطنية واعتماد التقية في تصرفاتهم للوصول إلى أهدافهم.
مع ذلك، كان هناك الكثير من الشيعة عبر التاريخ الإسلامي لهم مواقف مشرفة، بل قادوا معارك وانتصروا فيها، مثل فضل بن الخشاب القائد الشيعي في حلب، الذي سعى لتجميع جيش من السنة والشيعة، وقاد أول معركة مع الصليبيين، وانتصر عليهم في موقعة سرمدا أو حمام الدم، كما تسمى في الغرب. وقد أشار إلى ذلك الباحث محمد المختار الشنقيطي.
وعندما تحرك الأتراك والمماليك والكرد وأهل الشام للقضاء على الصليبيين بقيادة صلاح الدين وأسد الدين شيركوه، كانت لهم بعض المواقف الإيجابية، خاصة عندما اقترب أفول نجمهم من الزوال مع صلاح الدين، وتسهيل انتقال الحكم له على ألا تقع مصر في يد الصليبيين، ولذلك يكره بعض الشيعة اليوم صلاح الدين باعتباره الشخص الذي أنهى حكمهم. مع أن مخططهم في البداية كان الاستفادة من الصليبيين في القضاء على الترك السنة والتخلص منهم، ولكن الذي حصل هو أن الصليبيين أحكموا قبضتهم على المنطقة وقاموا بمذابح شنيعة بسبب هذا التواطؤ من الشيعة.
العبرة أن التاريخ كان يحمل أوجهًا في العلاقة بين الشيعة والسنة، ففي أيام كان التعاون يؤتي ثمارًا طيبة للجهتين، وفي أيام يدفع الطرفان ثمن خيانة هذا الطرف أو ذاك، لأنه في بعض الأحيان كانت الخيانة من السنة، مثل رضوان وأخيه، ومثل عمارة اليمني الذي قاد انقلابًا على صلاح الدين كاد أن ينجح فيه ليعيد الخلافة الفاطمية، مع أنه سني متشدد لمذهبه، ولكن كانت عنده مشكلة ولاء مطلق للفاطميين لأسباب مادية.
ولذلك لا بد من استحضار التاريخ من جهة، وطبيعة العقلية الأيديولوجية الشيعية القائمة على التوسع والإحلال والتخلص من المذهب السني من جهة أخرى، وخاصة إذا كانت الشواهد الحاضرة في المناطق التي دانت لهم تشهد على ذلك. نعم، عدونا مشترك، ونحن الطرفين ندفع ثمن التفرق والاختلاف، ولكن هناك فرق بين من يريد التخلص من عدونا ليحل هو مكانه ويعمل على إزالة المكون السني، وبين من يريد التعاون حتى نتخلص من هذا العدو على أن يبقى كل واحد منا مكانه، وهذه معضلتنا مع القيادات في إيران من جهة، والرؤوس التي تدير المذهب الشيعي في الحوزات من جهة أخرى.
إبراهيم أبو حويله




