شريط الأخبار
الشرفات : ترؤس المرأة للجاهة العشائرية مسارٍ ممنهج يهدف إلى تجريد موروثنا من هيبته ووقاره الرواشدة يُشيد بإبداعات أطفال القطرانة في الرسم فاينانشال تايمز: واشنطن تحدد مواعيد لمرور الناقلات التي تبحر عبر مضيق هرمز استطلاع: ارتفاع ملموس بمستويات الثقة بالحكومة والاقتصاد بمقدمة اهتمام الأردنيين وزير العدل: المرحلة المقبلة ستتيح تقديم الخدمة للمواطن بأقل إجراءات ممكنة القضاة يبحث تعزيز التعاون التجاري والاستثماري مع الاتحاد الاقتصادي الأوراسي الأردن يطرح فرص إعادة الإعمار في سوريا والعراق أمام الشركات الروسية الشيباني: سوريا ترفض انتهاك سيادتها وتؤكد تمسكها بوحدة أراضيها ترامب في أيرلندا للقاء قادة البلاد قبل حضور بطولة جولف متاحف عجلون .. ذاكرة للموروث الشعبي ومحطات للسياحة الثقافية بعد أن أُثير الموضوع إعلاميًا وتحركت الجهات الرسمية... النائب وليد المصري: أمن الأردن وسيادته خط أحمر الإحصاء... حين تصبح الأرقام أساسًا للعدالة... النائب أبو تاية يزور مصابي حادث مكلفي خدمة العلم في الكرك والطفيلة ويعزي ذوي المتوفين مباحثات مصرية روسية بشأن تطورات الأوضاع والقضية الفلسطينية عاجل : النائب أبو تاية يؤكد للعيسوي ضرورة فتح مركز للتدريب في البادية الجنوبية العمل: 17 يوما لتصويب أوضاع العمالة المخالفة قبل بدء إجراءات التسفير مستشفى معان الحكومي: بدء استقبال مراجعي عيادات الاختصاص في المبنى الجديد السبت السعودية: إيقاف خط أنابيب شرق - غرب احترازيًا إثر تعرضه لعدة استهدافات الصحة: 90 ألف وافد خضعوا للفحص الطبي خلال تموز وآب

حين تضيق أحوال الناس

حين تضيق أحوال الناس
أ.د وفاء عوني الخضراء
في بيوت كثيرة في الأردن، لا تُعرف الأزمة باسمها الاقتصادي. تُعرف بقسطٍ جامعي ينتظر، ودواءٍ يُشترى بعد التردد، وفاتورةٍ تُدفع على حساب أخرى، وأبٍ يحسب ما في جيبه أكثر من مرة، وأمٍّ تعيد ترتيب حاجات البيت بصمت حتى لا يرى أبناؤها ما يثقل قلبها. وتُعرف بشاب يفتح هاتفه كل صباح بحثاً عن فرصة تحفظ كرامته، ثم يغلقه في المساء على الصمت نفسه.

المشكلة ليست أن تصل هذه المعاناة إلى المؤسسات في تقرير أو جدول أو نسبة مئوية؛ المشكلة أن تبقى هناك. أن تتحول حياة الناس إلى أرقام تُعرض في مؤتمر رفيع المستوى، أو عبارات تُقال في مقابلة تلفزيونية، ثم يعود كل شيء إلى مكانه، إلا قلق الأسرة الذي يزداد، وانتظار الشاب الذي يطول.
وأخطر ما يصيب الثقة العامة أن يشعر الإنسان بأن صوته وصل، من دون أن يصل إليه القرار؛ وأن وجعه أصبح معلوماً، من دون أن يصبح أولوية؛ وأن معاناته أُحسن وصفها، من دون أن يتغير من أجلها شيء.

هنا نغادر حدود أزمة الأرقام إلى سؤال أخلاقي عميق: كيف نطلب من الناس أن يتحملوا، إن لم يروا أن مؤسسات الدولة والسلطات العامة تتحمل معهم؟

تشير أحدث بيانات دائرة الإحصاءات العامة إلى أن معدل البطالة بين الأردنيين بلغ ٢١.١٪ في الربع الأول من عام ٢٠٢٦، وارتفع بين النساء الأردنيات إلى ٣٢.٧٪. والأكثر دلالة أن أكثر من نصف المتعطلين يحملون تعليماً ثانوياً فأعلى. هذه الأرقام لا تصف نقصاً في التعليم أو ضعفاً في الرغبة في العمل؛ إنها تكشف اقتصاداً لا يخلق ما يكفي من الفرص، وتعليماً لم يكتمل بعد اتصاله بحاجات السوق، وتنمية لا تصل بالقدر نفسه إلى مختلف المحافظات.

والرقم الوطني الواحد قد يخفي وراءه خرائط كاملة من الألم. فقد بلغت البطالة بين الأردنيين ٢٠.٨٪ في عمّان، و١٩.٦٪ في البلقاء، و٢٢.١٪ في الزرقاء، و٢٢.٦٪ في مادبا، و٢٠.٤٪ في إربد، و٢٢٪ في المفرق، و٢٠.٧٪ في جرش، و٢١.٩٪ في عجلون، و٢٢.٦٪ في الكرك، و٢٢.٤٪ في الطفيلة، و٢٦.٦٪ في معان، و١٧.٧٪ في العقبة.

هذه ليست نسباً موزعة على خريطة صامتة. وراء كل نسبة بيت، وخريج، وأب أو أم، ومحاولة متكررة للعثور على عمل يحفظ الكرامة. وهي تكشف أيضاً تفاوتاً في النقل والاستثمار والبنية الاقتصادية وإمكان الوصول إلى الفرص. لذلك، لا تكفي الحلول التي تُصاغ في المركز ثم تُرسل جاهزة إلى المحافظات. الحلول الأصدق تُبنى مع الناس، وتنطلق من معرفتهم بأماكنهم، ومن خبرتهم اليومية بما ينقصها وما يمكن أن تنهض به.

وحين ترتفع البطالة وتتسع هشاشة الأسر، لا يعود ترشيد السفر الرسمي، والمياومات، والمكافآت، والحوافز، والضيافات، والفعاليات الاحتفالية مجرد إجراء مالي. يصبح موقفاً أخلاقياً يعلن أن المال العام يرى تعب الناس، وأن التضحيات الوطنية لا تُطلب من جهة واحدة.

المطلوب ليس إلغاء السفر، ولا التشكيك في كل مؤتمر، ولا تعطيل عمل المؤسسات. السفر الذي يفتح سوقاً، أو يجلب استثماراً، أو ينقل معرفة حقيقية، أو يؤسس لشراكة منتجة، قد يكون ضرورة وطنية. المطلوب أن يخضع كل إنفاق عام لاختبار واضح: ما الذي سيعود به على الناس؟ ما الفرصة التي سيخلقها؟ وما الأثر الذي سيبقى بعد انتهاء الرحلة وانطفاء الأضواء وتلاشي الصور؟

أما الرحلة التي تنتهي بانتهاء المناسبة، ولا تترك معرفة أو استثماراً أو فرصة، فهي كلفة كان يمكن أن تصل إلى تدريب شاب، أو تمويل مشروع إنتاجي، أو دعم تعاونيات، أو مساعدة باحث عن عمل على الوصول إلى فرصة بعيدة عن مكان سكنه.

وهنا تتقدم مسؤولية الحكومة، ومجلسي النواب والأعيان، وكبار المسؤولين في المؤسسات والقطاعات المختلفة. ليس لأنهم وحدهم مسؤولون عن الأزمة، وإنما لأن الموقع العام يضع على صاحبه نصيباً أكبر من المسؤولية الأخلاقية. فالمنصب يمنح سلطة، ويفرض قدوة، ويحمّل صاحبه واجباً مضاعفاً في صون المال العام وتوجيهه نحو الأولويات.
وحين يرى المواطن أن مراجعة النفقات تبدأ من المؤسسات، وأن المسؤول يراجع الكلفة على نفسه قبل أن يدعو الناس إلى الصبر، تتحول الدعوة إلى ترشيد الإنفاق من عبء مفروض إلى مسؤولية وطنية مشتركة. فالعدالة لا تظهر في حجم ما يُوزع وحده؛ تظهر أيضاً في عدالة ما يُقتصد فيه، وفي وضوح المعايير التي تحكم الإنفاق العام.

ومع ذلك، لا يمكن اختزال المسؤولية في الدولة وحدها. فالوطن ليس خدمة ندفع ثمنها ثم ننتظر وصولها إلى أبوابنا، ولا يصح أن نطالب المسؤول بكل شيء ثم نتصرف كأننا خارج المعادلة.

اقتصاد التكافل يبدأ من علاقتنا بالشارع، والماء، والطاقة، والمال العام، والمدرسة، والجامعة، ومكان العمل. يبدأ من ألّا نلقي النفايات ثم نشتكي من المدينة، وألّا نهدر الماء والطاقة ثم نطالب بتعويض الهدر، وألّا نبحث عن الواسطة لأبنائنا ثم نستنكر غياب العدالة عن أبناء الآخرين.

ويبدأ من أن يسأل صاحب الخبرة: مَن أستطيع أن أدرّب؟ وأن يسأل صاحب المؤسسة: هل أستطيع أن أفتح فرصة تدريب حقيقية؟ وأن يسأل المستهلك: هل يمكن أن أدعم منتجاً محلياً أو مشروعاً صغيراً؟ وأن تسأل الجامعة: هل نُخرّج شهادات، أم نبني قدرات يحتاج إليها المجتمع؟

التكافل ليس صدقة يقدمها القادر إلى المحتاج من موقع التفوق. إنه اعتراف بأن استقرار أي إنسان مرتبط بسلامة المجتمع كله. فالعاطل عن العمل ليس رقماً خارج حياتنا؛ تعطله ينعكس على أسرته، وعلى السوق، وعلى الصحة النفسية والاجتماعية، وعلى الثقة بالمؤسسات، وعلى مستقبل الوطن.

وزيارة الميدان تختلف عن الانخراط الصادق فيه. فقد يذهب مسؤول إلى قرية، أو مخيم، أو حي محدود الدخل، ويستمع إلى عرض سريع، ويلتقط الصور، ثم يعود معتقداً أنه عرف المشكلة. غير أن الميدان لا يكشف أسراره للزائر العابر، ولا يمنح حقيقته لمن يمر به سريعاً.

الانخراط الحقيقي يبدأ بالجلوس مع الذين لم يُستمع إليهم بما يكفي: الشاب الذي تقدم إلى عشرات الوظائف، والمرأة التي تمتلك مهارة ولا تجد وسيلة نقل آمنة، والمزارع الذي يعرف مشكلات أرضه أكثر من أي تقرير، وصاحب المشروع الصغير الذي أنهكته كلفة التشغيل، والأسرة التي تحتاج إلى فرصة مستدامة تحفظ استقلالها وكرامتها.
ولا يستطيع الوسطاء، مهما كانوا مخلصين، أن يحلوا دائماً محل أصوات الناس. ففي كل مرة نتحدث فيها عن الفقراء من دون أن يتحدثوا هم، نخاطر بتحويلهم إلى موضوع للسياسات، بدلاً من أن يكونوا شركاء في صناعتها.

السؤال الأذكى لا يقتصر على معرفة ما يحتاج إليه الناس. السؤال الأعمق هو: ما الذي يعرفه هؤلاء عن المشكلة ولا نعرفه نحن؟
من هنا تبدأ الحلول الأصيلة؛ من الاعتراف بأن الذين يعيشون المشكلة يملكون جزءاً أساسياً من معرفتها، وربما من حلها أيضاً. فالمعرفة ليست حكراً على المركز، والمحافظات ليست مساحات تنتظر التعليمات.

ومن السهل في زمن الضيق أن تُختزل البلاد في طرفين يتبادلان اللوم: حكومة تُتهم بأنها بعيدة عن الناس، ومجتمع يُتهم بأنه لا يريد العمل. ثم تتفرع هذه الثنائية إلى أغنياء وفقراء، ونخب وعامة، ومركز وأطراف، ومستفيدين ومهمشين. غير أن الوطن لا يُبنى في محكمة دائمة، يكون كل طرف فيها متهماً وقاضياً في الوقت نفسه.

لا نحتاج إلى تبرئة الحكومة من التقصير، ولا إلى تحويلها إلى خصم. ولا نحتاج إلى تصوير الناس كأنهم بلا أخطاء، أو تحميلهم مسؤولية أزمات بنيوية تفوق قدرتهم. ما نحتاجه هو مساءلة من دون كراهية، ومشاركة من دون مجاملة، ونقد يحمي الثقة، ومؤسسات تستقبل النقد بوصفه جزءاً من المسؤولية الوطنية.

فالحكومة ليست عدواً للمجتمع، والمواطن ليس عبئاً على الدولة. كلاهما جزء من قدرة وطنية واحدة. وإذا فشل أحدهما في رؤية الآخر، دفع الجميع الثمن.

وفي هذه اللحظة، لا يكفي أن ندير الحاجة بالمعونات، على ضرورتها. المطلوب أن ننتقل إلى اقتصاد الفرصة: أن نوجّه المشتريات إلى المنتجين الصغار، وندعم التعاونيات، ونربط التدريب بطلب حقيقي في السوق، ونسهّل النقل إلى مواقع العمل، وننمّي السياحة المجتمعية، ونفتح المجال أمام البلديات والجامعات والقطاع الخاص والمجتمع المدني لصناعة حلول محلية مشتركة.

كرامة الإنسان لا تكتمل بما يتلقاه؛ تكتمل أيضاً بما يستطيع أن ينتجه، ويقرره، ويبنيه. والمجتمع الذي يكتفي بإعانة الإنسان على البقاء، من دون أن يفتح له طريق المشاركة والإنتاج، يؤجل الأزمة ولا يحلها.

هذه ليست لحظة لتوسيع الامتيازات، أو صناعة الظهور، أو تحويل معاناة الناس إلى مادة للخطابة، أو إلى مشروع شخصي للنفوذ والربح. إنها لحظة تستدعي أن يسأل كل صاحب منصب: ماذا خففت عن الناس؟ وكل صاحب مال: ماذا أضفت إلى دورة الإنتاج؟ وكل مؤسسة: كم فرصة حقيقية صنعت؟ وكل مواطن: ماذا حفظت من موارد الوطن؟ وكل واحد منا: هل كنت جزءاً من الحل، أم اكتفيت بوصف المشكلة؟

اقتصاد التكافل يبدأ من ضمير القادر، لا من جيب الفقير. ويبدأ حين يرى الناس أن من يدعوهم إلى الصبر يشاركهم عبء المرحلة، وأن من يتحدث باسمهم يصغي إليهم أولاً، وأن من يزور الميدان يعود منه بقرار، لا بصورة فقط.

عندها تستعيد السياسة معناها الأخلاقي، ويستعيد الإنفاق العام غايته، وتتحول الدولة من إدارة للأزمة إلى جماعة وطنية تواجهها معاً.

فالبلاد لا تعبر أزماتها بكثرة ما يُقال عن الفقراء، وإنما بقدر ما يتغير من أجلهم. وحين يصبح وجع الناس معياراً للقرار، يصبح التكافل أكثر من فضيلة نتغنى بها؛ يصبح الطريقة التي نحمي بها الأردن، بيتاً بيتاً، وقلباً قلباً.