الوصفة الأمريكية في الصين...
القلعة نيوز -
المجتمع الإنساني مجتمع متشابك؛ فالمجتمع يتشابك مع الاقتصاد والجغرافيا والتاريخ، وهناك تناقض بنيوي داخل كل مجتمع، ومن هذه المجتمعات المجتمع الأمريكي. هناك أمريكا الغنية، وتقابلها حالة من التشرد والضياع والضغط على الطبقات الدنيا، وهناك حرية فردية وفكرية في الجامعة والعمل، في مقابل تقييد للدين والأسرة. ومن هذه المتقابلات أيضًا: اللوبيات مقابل الديمقراطيات.
حتى يتطور المجتمع الإنساني يحتاج إلى شروط معينة، ولم تكن الأرض يومًا متكافئة؛ فالأمريكي تُفتح له الأبواب وتُوضع له مسارات خاصة في المطارات، وهناك تمييز بين البشر بحسب جواز السفر. وهناك السيارات والهواتف والحواسيب والبطاقات الائتمانية. الانقياد الطوعي أقوى من الإكراه؛ فأنت تقدم كل معلومة وتوثق كل شيء في سبيل الحصول على بطاقة ائتمانية. وهنا كل شيء قابل للبيع والشراء: الجسد، والأفكار، والسلطة، وغيرها.
كيف وظف المشروع الصيني الحلم الأمريكي في وصفته للنجاح، وخلق لنفسه الحلم الصيني، وفتح المجال لنشوء طبقة صينية مخملية من رجال الأعمال داخل المشروع الاشتراكي الشيوعي؟ ومن هنا تتضح أهمية الرؤية ودور المفكرين الاستراتيجيين أمثال ونغ في تحقيق النهضة. في الصين، عندما نعبر النهر يجب أن نتحسس الأرض مرتين، ولا يهم لون القط، المهم أن يأكل الفأر. يجب على الباحث دراسة نفسه ودراسة بيئته للخروج بحلول تكيفية تناسب واقعه، وإلا غرق في نظرية الغراب والطاووس.
في القطاع الخاص تم فسح المجال للشركات الخاصة، والحكومة تحررت وتفرغت للتنظيم والسيطرة. ومع ذلك، تم ترك البعض مثل مستوطنة الأميش في أمريكا، تلك الفئة التي من الداخل رفضت: التقنية، والحداثة، والتطور، وأرادت الاحتفاظ بعاداتها وتقاليدها وموروثاتها. هل عجزت الحداثة عن اختراق هذه الجماعة؟ أم أن التنشئة منذ الطفولة لها أثرها؟ وهل إذا عجزت الحضارة عن اختراق النفس فإنها تبقى عاجزة أمامها؟ مع أنه ليس عجزا كليا، وهذه النقطة نقف عندها في الشرق؛ كيف تغيرت الصفات الحضارية، وأصبح هناك مجتمع غير حضاري في كثير من الصور، مع أنه يمارس الحضارة في أجزاء أخرى.
عندما يعجز أي نظام عن الوصول إلى الجيل الثالث يضعف وينهار من الداخل. هنري كموجل، في "روح أمريكا"، يقول: عن المجتمع الذي لديه تفاؤل مطلق لا يؤمن بالمستحيل ولا يبالي بالماضي. هل هي براغماتية من نوع ما؟ ولكنها حققت الكثير من المستحيلات. هنا الثروة دليل على الكفاح والكدح والنجاح. هنا تجد مؤمنين غير ملتزمين، وهنا تجد الكالفينية أصيلة تربط الخلاص بالعمل. هنا الوطنية المتعجرفة؛ وهذه السمة ستشكل مأزقًا عندما يواجه المجتمع الأمريكي تحديًا خارجيًا. وهذا ما حدث في غزة؛ صدام حضاري وصدمة حضارية، ولكنهما خلقا الكثير من النقاط الساخنة في العقلية الغربية.
وهنا ما زالت سفينة ماي فلاور، السفينة الأولى التي حملت المهاجرين، حاضرة في الأذهان وفي الواقع. من كان على تلك السفينة كانوا يعرفون أنهم هنا بلا تاريخ رغم ما يحملونه معهم؛ هم مجرد مهاجرين وأخلاط من البشر من أوروبا، اضطروا إلى بناء عقد اجتماعي بينهم نتيجة ضرورة مجتمعية. لقد كانوا يومًا مجتمعًا منفتحًا على كل شيء، وربما كان هذا من أسباب النجاح؛ فالمجتمعات المفتوحة على الثقافة والفكر والحضارة تصنع شيئًا. هنا صرخ هانتنغتون ووعد بالتناقض؛ فصراع الحضارات عنده حتمية. هنا الحرية، والمساواة، والديمقراطية، وسيادة القوانين الفردية. هنا تجد ذلك التوتر الداخلي بين هذه العناصر. ومع ذلك، تجد الديمقراطية محترمة، وكل مواطن بالغ يملك حق التصويت حتى على ميزانية البلدية ومناقشتها بندًا بندًا، ومن هنا تُفهم أسباب انتشار ونمو قيم الديمقراطية.
هنا ثبات الدستور مع نمو الجمهورية، وتدويل التعليم، وتصدير القيم عبر الطلاب الأجانب لديها. هنا القوة الناعمة لنشر القيم الأمريكية. تقديس غير المقدس: الرياضيون، والممثلون، والمباريات. هنا تجد هوية متماسكة في بعض الجوانب في المجتمع، مثل الاقتصاد والعمل، مع انتشار الفساد الأخلاقي على مستويات أخرى تطال السلوك الفردي والأسري. هل، كما قال هيربرت ماركيوز، إن التحرر في العلاقات الجنسية هو نتيجة الكبت؟ وكما قال فرويد: إن الغرائز تتحرر بعد نهوض الحضارة. هنا يأتي الشعور بالسعادة من الإنجاز والإشباع الآني، وانتشرت بعض الأخلاق الأبستينية على مستوى الطبقات السياسية والغنية. هل سيكون لهذا أثر على الإنتاج الكلي وعلى المجتمع؟
العزلة وأثرها المدمر على النفسية والفرد والإنتاجية، هل سيكون لهذه الفردانية نتائجها المدمرة؟ وانتشار اجتماعي كثيف عبر مواقع التواصل، وعزلة حقيقية على مستوى الفرد. اقتصاد يُسلِّع القيم والعلاقات في المجتمع. فردانية تبني جدارًا حولها، وقيم ديمقراطية تحمي حق العزلة والفردانية.
ما الذي تريده أمريكا لمستقبل العالم؟ وهل هذه الرؤية تعطي مساحة للآخر، أم أنها تصنع مستقبلًا لها دون عضوية محددة ولا انضباط؟ هل ماكدونالدز سياسة؟ الشعارات والقدرة على العمل؛ هنا تُعشق الشعارات بدل توظيفها، والوظائف تُوزع حسب الانتماء الحزبي. جماعات الضغط وتأثيرها على السياسة. هنا يُملأ الفراغ بين الفرد والسياسة بالمال ووسائله، وهنا تُخلق القوة من خلال رأس المال. هل يفرز النظام الأمريكي الأفضل أم يتحكم فيه المال والصناعة؟ وهل تقف الشعبوية موقف المتفرج أم تعمل عملها وتُنحي الكفاءة؟ وكيف تُرجح كفة المال؟ وهل حق التصويت كل أربع سنوات هو ديمقراطية حقيقية؟ هنا تجد مراكز البحث التي تعمل باستقلالية، ولكن بتمويل من مؤسسات خاصة سياسية واقتصادية. هل هناك شبكة من البشر والأفكار تشكل البنية التحتية التي تتحكم بالسلطة؟ أم هي جماعات الضغط والمال والانتماءات؟ ما الذي يُمسك المجتمع الأمريكي معًا في ظل الغياب المباشر للأيديولوجيا، وفي ظل وجود هذا التنوع الكبير؟
أين تقف الأفكار والقيم المتشربة؟ هل تجمع المجتمع معًا بطريقة أخف وطأة من الدين؟ هل تجيب أطروحة ألن بلوم "إغلاق العقل الأمريكي"، وتساوي الثقافات، وتفريغ القيم من مضمونها، عن التساؤل حول تفريغ المجتمع من القيم نتيجة تركه يتطور بحرية؟ وهل يؤدي تطور حرية الفرد إلى زوال القيم والموروثات نتيجة نكران الأجيال للقيم السابقة؟
بين قيم الفردانية وحقوقها، وحقوق المجتمع وملكيته، وبين تحكم الشيوخ وسلطتهم، وبين نزوع الفرد إلى التحرر، وهنا نعود إلى عقدة الجيل الثالث وزواله وانتهائه. المجتمع الذي نجح في صناعة الثروة والوسائل المادية وتحقيق ذاته، هل وجد مشكلة في المعنى والأخلاق والمرجعية المشتركة؟ وهل سيؤثر عليه تفكك الأسرة؟ هل كان أرسطو محقًا حين اعتبر الأسرة خلية بناء المجتمع؟
هنا الشكل الخارجي قائم، ولكن الوحدة الموضوعية فقدت معناها. الأب يربي ابنه على الاستقلال، ويُعد نفسه لحياة دون رعاية أسرية. السكان الأصليون، وغياب بنية حضارية، وعدم القدرة على توظيفهم لخدمة المشروع الأمريكي، هل أدى إلى استهدافهم وإزالتهم، واستيراد عبيد من إفريقيا لتحقيق أهداف أمريكا الكبرى؟ هل هذا يعطي مؤشرًا على كيفية التعامل الأمريكي مع الإنسان بصفته سلعة تُستخدم لتحقيق الهدف، ويتم التخلص منها بعد ذلك؟ أنماط الحياة الأصلية للفئات المختلفة من البشر، عندما تتعارض مع المشروع الأمريكي، هل يتم استهدافها؟
هذا ما أثاره الباحث الصيني ونغ هوينينغ في كتاب "أمريكا ضد أمريكا"، الذي زار أمريكا وعاش فيها، ليعود بعد ذلك بدراسة تضع النقاط على الحروف وتأخذ من المجتمع الأمريكي ما يناسب واقعه، وكان له أثر فيما وصلت إليه الصين اليوم.
مع الشكر لندوة أسمار وأفكار، والباحث عمر عزيز على هذه التوطئة لهذا الكتاب...
إبراهيم أبو حويله...




