شريط الأخبار
عشائر الشرعة تشكر رئيس الديوان الملكي لرعاية احتفالاتها بالمناسبات والأعياد الوطنية الوصفة الأمريكية في الصين... موظفون حكوميون إلى التقاعد (اسماء) إرادات ملكية بنقل سفراء إلى المركز (أسماء) حسون في افتتاح محاكمته: موقعي من بشار الأسد كان كموقع موسى من فرعون الطلب على الكهرباء يقفز 17%.. والطاقة المتجددة تغطي أكثر من ربع التوليد في الأردن الولايات المتحدة تؤكد رغبتها في اتفاق مع إيران لكن ليس "بأي ثمن" قاليباف: أموال إيران المجمدة ليست لشراء المنتجات الأمريكية القاضي لوزير الطاقة الأذري: الأردن يمتلك بيئة تشريعية واستثمارية متقدمة في قطاع الطاقة أسعار النفط تنخفض إلى مستويات ما قبل حرب إيران مع عودة الملاحة في هرمز الفراية: الأردن يتخذ جميع الإجراءات لتسهيل عبور الفلسطينيين عبر جسر الملك حسين "الإدارية النيابية" تستمع إلى مقترحات النقابات حول مشروع قانون الإدارة المحلية أبو عليم يدعو لحضور مباراة المنتخب الوطني عبر شاشة عرض ضخمة في موقع أم الجمال الأثري الجراح في اليوم العالمي لمكافحة المخدرات: شهداء مكافحة المخدرات رسموا بدمائهم خط الدفاع الأول عن أمن الأردن المصري: لا رحمة لتجار السموم.. وحدود الأردن عصية على المهربين بفضل يقظة قواتنا المسلحة وأجهزتنا الأمنية المحامي صالح الخشمان يُشيد بالمداخلة التي قدّمها الشيخ عبدالله السرور خلال لقاء مستشارية العشائر ( فيديو ) الأردن وهنغاريا يبحثان تطوراتِ الأوضاع في المنطقة محافظ العاصمة يمنع إقامة فعالية امام المسجد الحسيني الجمعة حجب تطبيقات التراسل في محيط قاعات التوجيهي أثناء انعقاد الامتحانات الرواشدة يلتقي وفداً من رابطة مسيحيي الشرق

ما بين التصنيف والإنصاف

ما بين التصنيف والإنصاف


بقلم: أ. عبدالله الفوارس

ليست المشكلة اليوم في اختلاف الآراء، فالاختلاف سنة من سنن الحياة، وإنما المشكلة حين يصبح الرأي تهمة، ويُصنَّف الإنسان قبل أن تُناقش فكرته. فمنذ اللحظة التي يُبدي فيها أحدهم رأيًا، يُسأل: مع من أنت؟ قبل أن يُسأل: ماذا تقول؟ وكأن قيمة الفكرة لم تعد تُقاس بما تحمله من منطق أو دليل، وإنما بالجهة التي يُظن أنها ستستفيد منها.

لقد أصبحت المساحة التي تسمح بوجود رأي مستقل تضيق شيئًا فشيئًا، حتى باتت الساحة الفكرية محصورة في معسكرين لا ثالث لهما: مع أو ضد. وفي خضم هذا الاستقطاب، غابت المنطقة التي يولد فيها التفكير الهادئ، ويُمارس فيها العقل حقه في الإنصاف قبل التصنيف.

نحن، كشباب ندرك أن السياسة مضمار طويل، وأن الإصلاح أطول منه. وندرك كذلك أن هناك فرقًا جوهريًا بين التسييس بوصفه وعيًا بالشأن العام، وبين الاتباعية التي تُعطل العقل، وتجعل المواقف رهينة الانتماءات لا القناعات. كما نعي أن الثقة بين المجتمع ومؤسساته ليست أمرًا يُبنى في يوم واحد، وأن تراكمات السنوات جعلت كثيرًا من الناس ينظرون إلى المشهد بعين الشك، لكن صعوبة الثقة لا تعني أن يتحول الشك إلى قاعدة، ولا أن يصبح كل اعتراف بإنجاز موضع اتهام.

ما المانع أن نقول إن مؤسسةً ما، أو مسؤولًا ما، أو مشروعًا ما، قد قدم أمرًا يستحق الإشادة؟ وهل يصبح من يقول ذلك باحثًا عن مصلحة، أو تابعًا، أو مدفوعًا بدافع خفي؟ وفي المقابل، ما المانع أن ننتقد حين يكون النقد واجبًا؟ إن الإنصاف لا يتجزأ؛ فمن حق الإنسان أن يسلط الضوء على مواضع التقصير، كما أن من حقه، بل من واجبه، أن يعترف بما تحقق من إنجاز.

فالرقابة ليست مشروعًا للهدم، كما أن الإشادة ليست مشروعًا للتبرير. الرقابة الحقيقية هي أن يكون معيار الإنسان ثابتًا؛ فيثني على الصواب لأنه صواب، وينتقد الخطأ لأنه خطأ، دون أن يغير ميزانه تبعًا للأشخاص أو للانتماءات أو لمزاج الجمهور.

ولعل ما نفتقده اليوم هو التفريق بين مفاهيم متباينة؛ فهناك فرق بين الانتقاد والسخرية، وبين الانتقاد والاتهام، وبين الانتقاد والتخوين. فالانتقاد يناقش الفعل، أما الاتهام فيحاكم النيات، والتخوين يُسقط الإنسان قبل أن يناقش رأيه. وما إن تتحول الحوارات من مناقشة الأفكار إلى محاكمة أصحابها، حتى يفقد الحوار قيمته، ويصبح التصنيف بديلًا عن التفكير.

ومن الأخطاء التي وقعنا فيها أيضًا أننا رسمنا صورة توحي بأن المجتمع يقف في جهة، بينما تقف مؤسساته في جهة أخرى. والحقيقة أن المؤسسات الوطنية وُجدت لخدمة المجتمع، وإصلاحها لا يكون بعدائها، كما لا يكون بتقديسها، وإنما بتقويمها وتقويتها، والاعتراف بما تنجزه، ومساءلتها عما تقصر فيه. فالمصلحة الوطنية والمصلحة الشعبية ليستا نقيضين، بل إن كل واحدة منهما تقوم بالأخرى.

إن السعي إلى الكمال فضيلة، أما ادعاء بلوغه فبداية الجمود. ومن لا يبحث عن الأفضل سيبقى أسير النقص، ومن يظن أنه بلغ الكمال سيتوقف عن مراجعته لنفسه. ولهذا فإن المجتمعات الحية هي التي تراجع أداءها باستمرار، دون أن تنكر كل خير وقع فيها، ودون أن تغفل عن كل خلل يحتاج إلى إصلاح.

وقد يكون الانتقاد سهلًا حين يصفق له الجميع، وقد يكون الثناء سهلًا حين يُطلب من الجميع، أما الإنصاف فهو أن تقول عن الصواب إنه صواب، وعن الخطأ إنه خطأ، ولو خالف ذلك توقعات من حولك. فالإنصاف يحتاج إلى شجاعة، لأنه يحرر الإنسان من ضغط التصنيف، ويجعله وفيًا للحقيقة قبل أن يكون وفيًا لأي معسكر.

إن أخطر ما قد يصيب أي مجتمع هو أن تتحول الحاضنة الشعبية للأفكار إلى حاضنة لا تعرف إلا الأبيض أو الأسود، والخير المطلق أو الشر المطلق، فتُصنف الآراء قبل أن تُفهم، وتُفسر النيات قبل أن تُناقش الأقوال. وعندها سيختار كثير من أصحاب الرأي الصمت، لا لأنهم لا يملكون ما يقولونه، بل لأن ثمن الكلمة أصبح الاتهام.

إن الأوطان لا تحتاج إلى مزيد من المصفقين، كما لا تحتاج إلى مزيد من الغاضبين، بقدر ما تحتاج إلى رجال ونساء يقولون عن الصواب إنه صواب، وعن الخطأ إنه خطأ، دون أن يسألوا أولًا: من القائل؟ أو لمن ستكون الفائدة؟

فإن أردت أن تنتقد، فانتقد. لكن لا تتهم، ولا تسخر، ولا تُخوّن، ولا تُصنّف. فالأوطان لا تُبنى بإلغاء الأصوات، وإنما تُبنى بثقافةٍ تجعل الإنصاف سابقًا على التصنيف، والحقيقة مقدمة على الانتماء، والحوار أسمى من الأحكام المسبقة.