باسم عارف الشورة
في ذاكرة الأمم، لا تُقاس الإنجازات دائماً بنتائج المباريات، بل بما تتركه من أثر في وجدان الشعوب، وما تصنعه من صورة مشرقة للوطن أمام العالم. ومن هنا، فإن مشاركة الأردن في كأس العالم لم تكن مجرد ظهور في بطولة كروية، بل كانت ملحمة وطنية كتبها النشامى بالإرادة والعزيمة، وجعلوا من العلم الأردني رايةً خفاقة في أكبر محفل رياضي على وجه الأرض.
لقد خرج النشامى مرفوعي الرأس، لأنهم لم يخسروا احترام العالم، بل كسبوه. قدموا أداءً يليق باسم الأردن، وقاتلوا حتى اللحظة الأخيرة بروح الرجال، وأثبتوا أن الوصول إلى كأس العالم لم يكن صدفة، بل ثمرة سنوات من العمل والتخطيط والإيمان بقدرات اللاعب الأردني. لقد حملوا آمال الأردنيين جميعاً، وقدموا نموذجاً مشرفاً للفريق الذي يلعب من أجل الوطن قبل أي شيء آخر.
ولم يكن المكسب رياضياً فحسب، بل كان وطنياً وسياحياً واقتصادياً. فقد أصبح اسم الأردن يتردد في وسائل الإعلام العالمية، وتعرف الملايين إلى بلدٍ يجمع بين الأمن والاستقرار والتاريخ والحضارة. إنها دعاية عالمية لا تُقدّر بثمن، عززت مكانة المملكة على خريطة السياحة العالمية، وفتحت نوافذ جديدة للتعريف بما يزخر به الأردن من كنوز حضارية وطبيعية.
تعرف العالم أكثر إلى البتراء، المدينة الوردية الخالدة، ووادي رم، أرض القمر، وأم الجمال، المدينة التاريخية المدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو، وجرش مدينة الحضارة الرومانية، وعجلون بقلعتها وغاباتها، والسلط المدينة التاريخية، ومادبا مدينة الفسيفساء، وجبل نيبو، والبحر الميت، أخفض بقعة على سطح الأرض، وحمامات ماعين، والكرك بقلعتها العريقة، وأم قيس بإطلالتها الساحرة، والعقبة، بوابة الأردن البحرية، إلى جانب عشرات المواقع التي تؤكد أن الأردن متحف مفتوح للتاريخ والطبيعة والإنسان.
لقد أثبتت هذه المشاركة أن الرياضة أصبحت إحدى أهم أدوات القوة الناعمة، وأنها قادرة على تقديم الدول للعالم بأفضل صورة، وهو ما نجح فيه الأردن بامتياز، بفضل عزيمة أبنائه والتفاف شعبه حول منتخبه.
وكان للمشهد الملكي أثره الكبير في نفوس الأردنيين، إذ جسّد جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم، حفظه الله، نموذج القائد القريب من أبناء وطنه، بحضوره ومتابعته وتشجيعه للنشامى، مؤكداً أن الشباب الأردني يحظى دائماً برعاية واهتمام القيادة الهاشمية، وأن الرياضة جزء من مشروع بناء الإنسان الأردني القادر على الإنجاز والتميز.
كما برز الدور الملهم لـسمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، الذي يمثل نموذج القائد الشاب الداعم للشباب والرياضة، والحاضر دائماً بينهم، مؤمناً بأن الطاقات الأردنية تستحق كل دعم وتمكين، وأن المستقبل يُبنى بسواعد أبناء الوطن.
ولا يكتمل الحديث عن هذا الإنجاز دون توجيه خالص الشكر والتقدير إلى سمو الأمير علي بن الحسين، رئيس الاتحاد الأردني لكرة القدم، الذي قاد مسيرة تطوير اللعبة برؤية واضحة وعمل دؤوب، حتى أصبح المنتخب الأردني منافساً بين كبار آسيا، ووصل إلى كأس العالم، في إنجاز تاريخي سيبقى علامة مضيئة في سجل الرياضة الأردنية.
سيعود النشامى إلى أرض الوطن، لكنهم سيعودون وقد أنجزوا ما هو أعظم من الفوز في مباراة؛ فقد جعلوا اسم الأردن حاضراً في كل بيت، ورسخوا صورة وطنٍ كريم، آمن، مستقر، غني بتاريخه، عريق بحضارته، كبير بقيادته الهاشمية، وعظيم بشعبه الوفي.
شكراً للنشامى... لأنكم لم ترفعوا راية الأردن في الملاعب فحسب، بل رفعتم مكانته في قلوب العالم. وشكراً لجلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم، وسمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، وسمو الأمير علي بن الحسين، على دعمهم المتواصل لمسيرة الرياضة الأردنية. وسيبقى الأردن، بقيادته الهاشمية وشعبه الأبي، وطناً يكتب المجد، ويرفع رايته خفاقة بين الأمم.




