دعاء الشويخ – عضو مجلس بلدي
لم يعد تحديث الإدارة العامة وتعزيز كفاءة استخدام المال العام ترفاً فكرياً أو خياراً مؤجلاً، بل هو ضرورة حتمية تفرضها التحديات الاقتصادية الراهنة. وكثيراً ما يبدأ الإصلاح الحقيقي من المكان الأقرب لليومي والمعاش: من البلديات، التي تمثل خط التماس المباشر والدائم بين الدولة والمواطن.
إن التحول التدريجي الواعد الذي نشهده اليوم في بعض بلدياتنا نحو تطبيق نظام "أساس الاستحقاق المحاسبي" واستهداف معايير المحاسبة الدولية في القطاع العام (IPSAS) –والذي شمل قرابة 15% من البلديات كالمرحلة التأسيسية الحالية– يمثل بلا شك نقلة نوعية وجوهرية لتوفير صورة مالية دقيقة وحقيقية للأصول والالتزامات والمشاريع طويلة الأمد.
ولكن، ومن موقعي كعضو في المجلس البلدي يعايش التفاصيل اليومية للعمل المحلي، أجد نفسي مدفوعة لطرح السؤال الجوهري: ما فائدة تحديث الأنظمة المالية الرقمية إذا كانت العقول التي تديرها، والتشريعات التي تحكمها، تعمل بأدوات وعقليات تقليدية؟
إن الإدارة الحصيفة للمال العام في البلديات، ووقف نزيف الهدر، تفرض علينا اليوم تبني ثورة إصلاحية شاملة ترتكز على أربعة محاور تشريعية وبشرية حتمية:
1. الكفاءة المعرفية والمستوى الدراسي للأعضاء: "الشرعية لا تعني الأهلية"
نحن نجلّ صندوق الاقتراع الذي يمنح الأعضاء الشرعية الشعبية، وتلك ركيزة ديمقراطية نقدرها. ولكن، هل تكفي "الشعبية" وحدها لإدارة موازنات بالملايين، وقراءة تقارير مالية معقدة، وتحديد جدوى مشاريع استثمارية؟
العمل البلدي الحديث لم يعد يقتصر على "فزعة خدمية" عفوية، بل هو إدارة اقتصادية محلية متكاملة. ومن هنا، بات من الضروري تغيير القانون لفرض حد أدنى من المؤهل العلمي للأعضاء، أو إلزام كل عضو فائز بخوض برنامج تأهيلي مكثف في الإدارة المالية والقانونية قبل ممارسة مهامه. إن غياب "الوعي المالي" لدى العضو يجعله يمرر قرارات قد ترتب التزامات كارثية على البلدية دون أن يدري.
2. المدير التنفيذي: تفعيل الذراع المهنية الحامية
لقد أوجد المشرع منصب "المدير التنفيذي" ليكون الذراع الفنية المستقلة والمهنية التي تقود العمل بعيداً عن التجاذبات والمصالح الانتخابية. ولكن تفعيل هذا الدور يحتاج إلى بيئة تشريعية تحميه وتمنحه الصلاحيات الكاملة ليكون شريكاً في ضبط النفقات وإيقاف أي قرار عشوائي لا يحقق مفهوم "القيمة مقابل المال" (Value for Money).
3. استقلالية الرقابة الداخلية: نزع الأنياب التابعة
تعتبر وحدات الرقابة الداخلية بمثابة خط الدفاع الأول ضد الهدر والفساد المالي والإداري. ولكن، كيف للرقيب أن يمارس دوره بكل حُرية وهو يتبع إدارياً وتوظيفياً للشخص الذي يراقب عليه؟
الخطوة الحتمية التي نطالب بها هي فك ارتباط وحدات الرقابة الداخلية برئاسة البلديات، وجعل تبعيتها الفنية والإدارية مباشرة لوزارة الإدارة المحلية أو ديوان المحاسبة. حين يمتلك المراقب الداخلي الحصانة القانونية، سيتحول دوره من "مصحح للأوراق بعد إتمامها" إلى "كابح حقيقي للهدر والخلل قبل حدوثه".
4. تعديل القانون: من الاستهلاك إلى الاستثمار والتنمية
إن القوانين الحالية للبلديات بحاجة إلى مرونة تخلّصها من البيروقراطية المعيقة للاستثمار، وبالمقابل يجب أن تغلّظ العقوبات والإجراءات في مواجهة هدر النفقات التشغيلية (كصيانة الآليات غير المجدية، والمشتريات التقليدية المبالغ في كلفها) وتوجيه الدعم كاملاً للنفقات الرأسمالية والتنموية التي تخدم المواطن بشكل مستدام.
خلاصة القول:
إن الانتقال إلى أساس الاستحقاق والتحول الرقمي المالي خطوة ممتازة تؤسس لمعرفة مؤسسية واضحة، ولكن الأنظمة الذكية لا تحمي مالاً تديره عقلية عشوائية. إن نجاح البلديات في حماية المال العام يعتمد على تلازم المسارات: فلا نجاح لنظام محاسبي حديث، دون تعديل تشريعي يحميه، وجهاز رقابي مستقل يحرسه، ومجلس بلدي مؤهل يملك الكفاءة العلمية والوعي لإدارته.
إصلاح المال العام يبدأ من المعلومة الصحيحة، وحمايته تضمنها الأيدي الكفوءة والتشريعات الصارمة.




