بورتريه…
العَلّامةُ الأستاذُ الدكتورُ إسحقُ الفَرَحان: حينَ تُصبِحُ التَّربيةُ مَشروعَ دولةٍ، والفِكرُ مُمارسةً وطنيّةً
القلعة نيوز
لا يُمكِنُ مُقارَبةُ شخصيّةِ معالي الأستاذِ الدكتورِ إسحقَ أحمدَ الفَرَحان –رحمهُ الله– مُقارَبةً تقليديّةً تقومُ على سَردِ المناصِبِ أو تعدادِ المُؤلَّفات؛ لأنَّ الرجلَ ينتمي إلى فِئةٍ نادِرةٍ من القادةِ والمفكّرين الذين شكَّلوا مشروعًا حضاريًّا متكامِلًا، لا مُجرَّدَ مسيرةٍ وظيفيّةٍ أو حضورٍ سياسيٍّ عابِر. فهو أحدُ أولئكَ الذين أدرَكوا باكرًا أنَّ معركةَ الأُمّةِ الحقيقيّةَ ليست في ساحاتِ الخِطابِ ولا في دهاليزِ السّياسة، بل في بناءِ الإنسان: وَعيِه، ولُغتِه، وقِيَمِه، وقُدرَتِه على الفِعلِ التّاريخيّ.
وُلِدَ الفَرَحانُ في عينِ كارِمَ المُهَجَّرةِ عامَ 1934، فكانَ اللُّجوءُ الجُرحَ المُؤسِّسَ في وَعيِه، لا بوَصفِه عُقدةً نَفسيّةً، بل باعتبارِه منبعًا أخلاقيًّا للالتزامِ بقضايا الأُمّة، وفي مُقدِّمتِها القُدسُ وفِلسطين. ومنذُ تلكَ اللّحظةِ، تشكَّلَت شخصيّتُه على وَعيٍ مُبكِّرٍ بأنَّ الهُويّةَ ليست شِعارًا، بل مسؤوليّةً معرفيّةً وتربويّةً وسياسيّةً.
بدأَ الدكتورُ الفَرَحانُ مسيرتَه العِلميّةَ في حَقلِ الكيمياءِ، ذلكَ العِلمُ الذي يَبحثُ في قوانينِ المادّة، لكنَّه سرعانَ ما أدرَكَ أنَّ نهضةَ الأُمَمِ لا تُختَزَلُ في فَهمِ المادّة، بل في فَهمِ الإنسانِ الذي يتعامَلُ معها. فجاءَ انتقالُه من الكيمياءِ الفيزيائيّةِ إلى التّربيةِ انتقالًا فلسفيًّا لا مِهنيًّا؛ انتقالٌ من سؤالِ «كيفَ تَعملُ الأشياء؟» إلى سؤالِ «كيفَ يُبنى العَقلُ الذي يُديرُ الأشياء؟».
في هذا التّحوُّلِ تتجلّى رؤيةُ الفَرَحانِ العميقةُ: لا عِلمَ بلا قِيَم، ولا قِيَمَ بلا تَربية، ولا تَربيةَ بلا وَعيٍ حضاريٍّ جامع.
ولهذا لم يكنِ التخصّصُ في التّربيةِ عندَه تراجُعًا عن العِلم، بل تتويجًا له، إذ جعلَ من التّربيةِ عِلمًا استراتيجيًّا، ومن المنهاجِ أداةً سياديّةً لبناءِ الدَّولةِ والمجتمع.
تميَّزَ فِكرُ إسحقَ الفَرَحانِ برفضِه الحاسمِ للثُّنائيّةِ الزائفةِ بين الدّينِ والعَقل، أو بين الإيمانِ والعِلم. ففي كتابِه المُبكِّرِ «العِلمُ والإيمان»، كما في مشروعِه التّربويِّ كلِّه، قدَّمَ تصوُّرًا متوازنًا يرى في الإسلامِ إطارًا معرفيًّا ناظمًا للعَقل، لا بديلًا عنه ولا قيدًا عليه.
ومن هنا نفهَمُ إصرارَه على تعريبِ التّعليمِ وخِدمةِ اللُّغةِ العربيّةِ العِلميّةِ والعملِ المؤسَّسيِّ داخلَ مجمَعِ اللُّغةِ العربيّةِ الأُردنيّ. فالعربيّةُ عندَه لم تكن لغةَ تُراثٍ فقط، بل لغةَ عِلمٍ وهُويّةٍ وسيادة، ومن دونِها تفقدُ الأُمّةُ قُدرَتَها على إنتاجِ المعرفةِ لا مُجرَّدَ استهلاكِها.
يُعَدُّ الدكتورُ الفَرَحانُ أحدَ أبرزِ مهندسي المنظومةِ التّعليميّةِ الأُردنيّةِ والعربيّةِ في النِّصفِ الثّاني من القرنِ العشرين. فقد أشرفَ على تطويرِ مئاتِ الكُتُبِ المدرسيّةِ، التي أصبحتِ العُمدةَ في بناءِ المناهِجِ المدرسيّةِ في الوطنِ العربيّ، ليس بوَصفِه مُوظَّفًا إداريًّا، بل بوَصفِه مُفكِّرًا يرى المنهاجَ أداةً لتشكيلِ الوَعيِ الوطنيّ والإنسانيّ.
ففي فلسفتِه التّربويّةِ: التّعليمُ ليس تلقينًا، والمنهاجُ ليس حياديًّا، والمَدرسةُ ليست مؤسّسةً تقنيّةً، بل هي الفضاءُ الذي تُبنى فيه الهُويّةُ، والانتماءُ، والعَقلُ النّقديّ، والضّميرُ الأخلاقيّ. ومن هنا جاءت كُتُبُه حول الأصالةِ والمعاصَرةِ مُحاولةً جادّةً لتجاوزِ الازدواجيّةِ بين التُّراثِ والحداثة، دونَ قطيعةٍ مع الماضي أو ذوبانٍ في الحاضِر.
في رئاستِه للجامعةِ الأُردنيّة، ثمَّ جامعةِ الزَّرقاء الأَهليّة، جسَّدَ الفَرَحانُ نموذجَ القائدِ الأكاديميّ الذي يقودُ بالمعرفةِ والقُدوةِ لا بالقرارِ الإداريِّ وحدَه. وقد شكَّلَ مشروعُ تعريبِ التّدريسِ في الجامعةِ الأُردنيّةِ أحدَ أهمِّ محطّاتِه، باعتبارِه فعلًا سياديًّا يربطُ التّعليمَ بالهُويّة. فقد تميَّزَ بالذَّكاءِ القياديِّ الهادئ، والبُعدِ عن الاستعراض، والتّراكُمِ البطيءِ للأثَر؛ فهو من نوعيّةِ القادةِ الذين يَصنعونَ المؤسّساتِ ثمَّ ينسحبونَ بهدوءٍ، تاركينَ الأثَرَ لا الصُّورة.
مثَّلَ الدكتورُ الفَرَحانُ نموذجًا نادرًا لـ«الإسلاميِّ رجلِ الدَّولة»؛ أي الذي يرى أنَّ المُشاركةَ في تعزيزِ بناءِ الدَّولةِ هي عينُ الإصلاح. وقد نظَّرَ لذلك مُبكِّرًا في كتابِه «الموقِفُ الإسلاميُّ من المُشاركةِ السّياسيّة»، حينَ كان هذا الرأيُ محلَّ تشكيكٍ داخلَ التيّاراتِ الإسلاميّةِ نفسِها. فقد شاركَ في الحُكمِ دونَ أن يذوبَ في السُّلطة، واستقالَ حينَ لم ينسجِم، وتحمَّلَ النّقدَ دونَ خُصومةٍ أو مَرارة. فهو لم يكن رجلَ حكومةٍ بالمعنى النَّفعيّ، بل رجلَ دَولةٍ بالمعنى الأخلاقيِّ والتّاريخيّ.
اختيارُ الدكتورِ إسحقَ الفَرَحانِ وزيرًا للتّربيةِ والتّعليمِ ووزيرًا للأوقافِ والشُّؤونِ والمقدَّساتِ الإسلاميّةِ في حكومةِ الشّهيدِ وصفيّ التَّلّ لم يكن اختيارًا وظيفيًّا، بل قرارًا فلسفيًّا وسياسيًّا بامتياز. ففي لحظةٍ تاريخيّةٍ حسّاسةٍ كانتِ الدَّولةُ بحاجةٍ إلى ضبطِ العلاقةِ بين الدّينِ والتّعليم، والمجتمعُ بحاجةٍ إلى نموذجٍ مُتديِّنٍ غيرِ مُتشدِّد، والنّظامُ بحاجةٍ إلى شخصيّةٍ تُطمئِنُ ولا تستفِزّ. وكانَ الفَرَحانُ هو الرَّجلُ الذي يُوحِّدُ بناءَ العَقلِ (التّربية) وبناءَ القِيَمِ (الأوقاف) في رؤيةٍ واحدة. هذا الجمعُ يعكسُ قناعةَ الشّهيدِ وصفيّ التَّلّ بأنَّ الأَمنَ الحقيقيَّ يبدأُ من المنهاج، وأنَّ الاستقرارَ لا يتحقَّقُ إلّا حينَ تتصالَحُ المعرفةُ مع الإيمان.
داخلَ الحركةِ الإسلاميّة، مثَّلَ الفَرَحانُ تيّارَ الوسطيّةِ العَقلانيّة، ودفعَ ثمنَ ذلك بالاتّهامِ وبالتّشكيك، لكنَّه ظلَّ مؤمنًا بأنَّ الدّعوةَ التي تُعادي الدَّولةَ تَخسَرُ المجتمع، والحركةَ التي ترفُضُ المُشاركةَ تحكُمُ على نفسِها بالعُزلة. وقد أسهَمَ في تأسيسِ حزبِ جبهةِ العملِ الإسلاميّ، وكان الأمينَ العامَّ له، وقادَه في مرحلةٍ كانت فيها العلاقةُ بين الإسلاميّين والدَّولةِ في أفضَلِ حالاتها، دونَ أن يكونَ تابعًا للسُّلطةِ أو مُعاديًا لها.
كانَ الدكتورُ إسحاقُ الفَرَحانُ داعيةً على بصيرةٍ، يجمعُ حدَّةَ التّشخيصِ إلى رصانةِ التّزكية؛ يعرِفُ الرِّجالَ كما تُعرَفُ الأفكار، ويضعُ كلَّ واحدٍ في موضعِه، فصنعَ في الحركةِ الإسلاميّةِ قادةً بهدوئِه قبلَ خطابِه. تميَّزَ بتهذيبٍ وهيبة، وبإيمانٍ راسخٍ بالعملِ المؤسَّسيّ، فحوَّلَ الدّعوةَ إلى بناءٍ عامٍّ لا اجتهادٍ فرديّ، وكان في ذلك رجلَ دَولةٍ بقدرِ ما كان رجلَ رسالة. تواضُعُه فلسفةُ قوّة، وإخلاصُه انتظامٌ بين الهُويّةِ والغاية، ولذلك بقيَ أثرُه في النُّفوسِ والبُنى معًا، وفي الأخلاقِ كما في المسار.
ظلَّت فِلسطينُ في فِكرِ الفَرَحانِ قضيّةً مركزيّةً لا موسميّة. أسَّسَ ملتقى القُدسِ الثّقافيَّ إيمانًا منه بأنَّ تحريرَ القُدسِ يبدأُ بتحريرِ الوَعي. وكتبَ في البُعدِ الإسلاميِّ للقُدس، رابطًا بين الدّينِ والتّاريخِ والسّياسةِ والهُويّة. وكان يرى أنَّ معركةَ الأُمّةِ مع الاحتلالِ ليست عسكريّةً فقط، بل معرفيّةً وثقافيّةً وحضاريّةً.
مؤلَّفاتُ الدكتورِ الفَرَحانِ ليست كُتُبًا مُتفرّقةً، بل مدرسةٌ فكريّةٌ متكاملةٌ تُعالِجُ التّربية، وحاجاتِ الشّباب، والخِطابَ الإسلاميّ، والسّياسة، والقُدس، والعلاقةَ مع العالَم. وهي تُشكِّلُ معًا مُحاولةً جادّةً لإعادةِ صياغةِ الإنسانِ المسلمِ المعاصر: واثقًا بهُويّتِه، ومنفتحًا على عصرِه، وشريكًا في دَولتِه، وغيرَ مُعادٍ للعَقلِ ولا مُنسلِخٍ عن القِيَم.
الدكتورُ إسحقُ أحمدُ الفَرَحانِ لم يكن حَدَثًا عابرًا في تاريخِ الأُردنِّ ولا الحركةِ الإسلاميّةِ ولا التّربيةِ العربيّة. كان ظاهرةً عقليّةً وأخلاقيّةً اختارتِ العملَ الصّامت، والبناءَ البطيءَ، والاعتدالَ الصّعب.
هو واحدٌ من أولئكَ الذين يَرحلونَ بأجسادِهم، لكنّهم يَبقَونَ في المناهِج، وفي اللُّغة، وفي عقولِ الأجيال، وفي فكرةِ الدَّولةِ التي تحترِمُ الإنسان.
رحمَ اللهُ أبا أحمد،
فقد كان عالِمًا، وحكيمًا، ورجلَ دَولة.
إعداد/ د. منير عقل




