الشيخ هشام ريان قطيشات
لطالما شكّلت الأعراف العشائرية في الأردن ركيزة مهمة في حفظ السلم المجتمعي واحتواء النزاعات وأسهمت عبر عقود طويلة في منع اتساع دائرة الثأر والانتقام وذلك بالتكامل مع مؤسسات الدولة وسيادة القانون وقد جاءت الوثيقة العشائرية الأردنية لتنظيم العديد من هذه الأعراف ومن بينها الجلوة العشائرية بما يحد من التوسع غير المبرر فيها ويحقق التوازن بين مقتضيات الأمن وحقوق المواطنين
واليوم وفي ظل تطور الدولة ومؤسساتها القضائية أصبح من الضروري النظر إلى الجلوة العشائرية بمنظور يجمع بين احترام الإرث الاجتماعي الأصيل وتطويره بما ينسجم مع دولة القانون بحيث تبقى وسيلة استثنائية لحماية السلم الأهلي لا أن تتحول إلى عبء اجتماعي واقتصادي على أسر لا علاقة لها بالفعل الجرمي
ومن وجهة نظر تستند إلى أهمية الحفاظ على العرف العشائري الأصيل فإن الإبقاء على الجلوة ضمن حدود دفتر العائلة كما نصت عليه الوثيقة العشائرية يمثل خيارًا متوازنًا يحقق الغاية الأمنية والاجتماعية مع إمكانية إعادة النظر في مدتها لتصبح ستة أشهر قابلة للتمديد عند الضرورة على ألا تتجاوز عامًا واحدًا وبقرار يستند إلى معطيات واقعية تتعلق بحالة الصلح والأمن المجتمعي
كما أن تفعيل دور الوجهاء والكفلاء يعد عنصرًا أساسيًا في إنجاح هذا النهج فهم يمثلون صمام أمان اجتماعيًا ويسهمون في تقريب وجهات النظر وتهيئة الأجواء للوصول إلى الصلح وضمان الالتزام بما يتم الاتفاق عليه بما يعزز الثقة بين المجتمع ومؤسسات الدولة
وفي المقابل لا يمكن أن تؤدي الجلوة دورها الحقيقي ما لم تترافق مع سرعة الفصل في القضايا الجزائية خاصة جرائم القتل فكلما طال أمد التقاضي بقيت آثار الجريمة وآثار الجلوة قائمة واستمرت معاناة جميع الأطراف لذلك فإن تسريع إجراءات المحاكم مع الحفاظ على جميع ضمانات المحاكمة العادلة يسهم في تحقيق العدالة والحد من الآثار الاجتماعية والاقتصادية المترتبة على النزاع
كما يرى كثيرون أن الردع القانوني يشكل جزءًا مهمًا من حماية المجتمع من جرائم القتل العمد ويطرحون أهمية تطبيق العقوبات التي يقررها القانون بما في ذلك عقوبة الإعدام في الحالات التي ينص عليها التشريع بعد استكمال جميع إجراءات التقاضي وضماناته، ما لم يؤدِ عفو أولياء الدم أو الصلح وفقًا لأحكام القانون إلى ترتيب الآثار القانونية المقررة
إن المحافظة على الأعراف العشائرية الأصيلة وتطويرها بما ينسجم مع دولة القانون هو نهج يعزز الأمن والاستقرار ويؤكد أن العرف والقانون ليسا في حالة تعارض بل يمكن أن يتكاملا عندما تكون الغاية هي حماية المجتمع وتحقيق العدالة وصون كرامة الإنسان
فالأردن يمتلك تجربة متميزة في التوفيق بين الإرث العشائري ومؤسسات الدولة الحديثة وهذه التجربة تستحق أن تُبنى عليها حلول متوازنة تحافظ على السلم الأهلي وتكرس مبدأ شخصية المسؤولية وتسرع وصول العدالة وتخفف من معاناة الأسر ليبقى القانون هو المرجعية ويبقى العرف الأصيل سندًا للاستقرار لا سببًا لتوسيع دائرة الضرر.




