نسرين الطويل
ماذا لو أخبرتك أن أخطر خسارة في حياة الإنسان ليست فقدان المال… ولا الوظيفة… ولا حتى الأشخاص؟
بل أن يفقد شغفه.
ولكن قبل أن نتحدث عن فقدان الشغف، دعونا نسأل سؤالًا لم نسأله من قبل: ما هو الشغف أصلًا؟
هل هو مجرد حماس؟ هل هو موهبة؟ هل هو حلم؟
لا…
الشغف هو أن تشعر أن هناك جزءًا منك ما زال حيًّا. هو أن تستيقظ كل صباح وأنت تعرف لماذا تنهض، ولماذا تستمر، ولماذا تتحمل. هو أن يكون لما تفعله معنى قبل أن يكون له مقابل.
ولهذا، لا يحتاج الإنسان إلى الشغف ليحقق النجاح فقط، بل يحتاجه ليشعر أنه يعيش.
المشكلة أن كثيرًا منا لا يفقد شغفه عندما يكبر… بل يبدأ بفقدانه وهو صغير. في كل مرة قيل له: "هذا لا يناسبك”، "هذا لن يفيدك”، "اترك ما تحب وافعل ما يريده الناس”. وفي كل مرة اضطر أن يختار رضا الآخرين على صوت قلبه.
كبر الجسد… لكن بقي في الداخل طفل يبحث عن نفسه، عن ذلك الجزء الذي كان يعرف ماذا يحب، وما الذي يجعله يشعر بالحياة.
فقدان الشغف لا يحدث فجأة. إنه انسحاب هادئ من الروح. لا يسمعه أحد، ولا يراه أحد، حتى صاحبه قد لا يفهمه. كل ما يشعر به أنه لم يعد يفرح كما كان، لم يعد يحلم كما كان، لم يعد ينتظر الغد بنفس العينين.
وأصعب ما في فقدان الشغف أن الإنسان قد يستمر في أداء حياته بشكل طبيعي. يذهب، يعمل، يبتسم، ينجز… والكل يراه قويًا وناجحًا، بينما هو يعرف أن شيئًا بداخله قد انطفأ منذ زمن.
لذلك، عندما تشعر أنك فقدت شغفك، لا تسأل فقط: كيف أعود كما كنت؟ بل اسأل: متى بدأت أبتعد عن نفسي؟ من الذي أقنعني أن أتخلى عن الجزء الذي كان يجعلني أنا؟
لأن الشغف لا يختفي وحده… نحن نبتعد عنه خطوة بعد خطوة، عندما نسمح للخوف أن يكون أعلى من أحلامنا، ولأصوات الآخرين أن تكون أقوى من صوتنا الداخلي.
احمِ شغفك… لأنه ليس مجرد شعور جميل، بل هو البوصلة التي تعطي لحياتك اتجاهًا، والروح التي تجعل تعبك له معنى.
فليس كل من يتنفس حيًّا، وليس كل من ينجز يعيش…
الإنسان يعيش حقًا عندما يجد ذلك الشيء الذي يجعل روحه تقول كل صباح:
لهذا خُلقت.




