نسرين الطويل
ليست كل أم مؤهلة للتربية، كما ليست كل أم قادرة على بناء أسرة سليمة.
فقد تكون الأم، بضعف شخصيتها، أو سوء اختياراتها، أو غياب وعيها، سببًا في تعاسة أبنائها، وفي جراحٍ ترافقهم سنوات طويلة.
لذلك، قبل أن نحكم على رجلٍ ونسأله: لماذا فشل؟ أو لماذا لم يكن كما ينبغي؟ لنسأل أولًا: في أي بيتٍ نشأ؟ وعلى يدِ مَن تربّى؟
فالطفل لا يختار أمه، كما لا يختار البيئة التي يولد فيها.
وقد تكون الأم نفسها ضحية تربيةٍ لم تؤهلها لتكون أمًا قادرة على صناعة الأمان والاستقرار لأبنائها.
إن الاعتراف بأن بعض الأمهات غير مؤهلات للتربية لا ينتقص أبدًا من قيمة الأمهات العظيمات، بل يؤكد حقيقة أن الأمومة مسؤولية، وليست مجرد لقب.
ويبقى السؤال الذي يطرح نفسه:
إذا أدرك الأبناء يومًا أن أمهم كانت سببًا في كثير من تعاستهم، فلماذا يستمر كثير منهم في تقديسها؟
وأود أن أوضح أنني لا أدعو إلى العقوق، ولا إلى نشر الفتنة، ولا إلى التقليل من شأن الأم. فبرّ الوالدين، واحترام الأم، وحسن معاملتها، واجب ديني وأخلاقي لا يسقط.
لكن يبقى سؤال آخر لا يقل أهمية:
هل احترام الأم يعني أن نسمح باستمرار الخطأ؟ وهل البر يقتضي الصمت على الأذى، أم أن من البر أيضًا أن نواجه الخطأ بحكمة، ونضع له حدودًا تمنع استمراره؟
فاحترام الإنسان لا يعني تبرير أفعاله، ومحبة الأم لا تعني إنكار الحقيقة. فمن الممكن أن نجمع بين البر، والرحمة، والاحترام، وبين الاعتراف بالخطأ والسعي إلى إيقافه.
هذه ليست دعوة لإدانة الأمهات، بل دعوة لفهم الجراح التي قد يحملها الأبناء بصمت، لأن علاج الجرح يبدأ بالاعتراف بوجوده، لا بإنكاره.
وفي النهاية…
إذا كان هناك درس واحد يجب أن يتعلمه كل شاب قبل الزواج، فهو أن اختيار الزوجة ليس اختيارًا لشريكة حياة فقط، بل اختيارٌ للأم التي ستربي أبناءه.
نعم، الحب مهم، والجمال نعمة، لكنهما وحدهما لا يبنيان أسرة. والأهم أن تختار امرأةً ذات وعي، وأخلاق، وحكمة، تدرك أن الأمومة مسؤولية قبل أن تكون لقبًا.
فأفضل هدية يقدمها الرجل لأبنائه قبل أن يولدوا، هي أن يُحسن اختيار المرأة التي ستكون أمهم. فالأم الصالحة لا تبني بيتًا فقط، بل تبني أجيالًا.
نسرين الطويل




