المهندس زيد نفاع / الامين العام لحزب عزم
استيقظت على رسالة صباحية من أحد الأصدقاء تقول:
"أنا بهرمز… شو بدك؟”
للوهلة الأولى، لم أقرأ الرسالة بعين صديق، بل بعين مواطن أردني أمضى الأشهر الأخيرة يتابع نشرات الأخبار، وصفارات الإنذار، والتصعيدات العسكرية المتسارعة في الإقليم، ويراقب كيف امتدت شظايا الصراعات إلى الأجواء والأراضي الأردنية، وكيف فرضت الأحداث نفسها على تفاصيل الحياة اليومية، حتى أصبحت المفردات السياسية والعسكرية تسبق المعاني اللغوية في أذهاننا.
لذلك، قفز ذهني مباشرة إلى مضيق هرمز.
سألت نفسي: ما الذي أخذه إلى هناك؟ وهل أصبح في مهمة خاصة؟ وماذا يمكن أن أطلب منه؟ برميل نفط قبل أن يقفز سعره إلى أكثر من مئة دولار؟ أم تقريرًا عاجلًا عن حركة ناقلات النفط؟ أم شهادة تؤكد أن الملاحة الدولية ما زالت سالكة، وأن العالم لم يدخل بعد مرحلة الاختناق الاقتصادي التي يخشاها الجميع؟
ففي زمن أصبحت فيه كلمة "هرمز” تختصر معادلة الأمن والطاقة والاقتصاد العالمي، لم يكن سوء الفهم مستغربًا. فالمضيق لم يعد مجرد ممر مائي، بل أصبح أحد أهم مؤشرات الاستقرار الدولي؛ فكل تصعيد عسكري فيه ينعكس فورًا على أسواق الطاقة، وترتفع معه أسعار النفط، وتتأثر سلاسل الإمداد العالمية، وتتراجع مؤشرات الأسواق المالية، بينما تدخل الاقتصادات المستوردة للطاقة في سباق مع الزمن لاحتواء موجات التضخم وارتفاع كلف الإنتاج والمعيشة.
أما الأردن، فقد وجد نفسه مرارًا أمام ارتدادات أزمات لم يكن طرفًا فيها، لكنه كان مضطرًا للدفاع عن سيادته، وحماية أجوائه، وصون أمن مواطنيه، في ظل بيئة إقليمية شديدة التعقيد، تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع المصالح السياسية والاقتصادية.
اتصلت بصديقي مستفسرًا:
"شو أخذك على هرمز يا رجل؟ وبأي مهمة؟”
فضحك وقال:
"أنا في هرمز… العاصمة باريس!”
وهنا تبدد كل شيء.
كان عقلي في وادٍ، وصديقي - الذي يعرف مدى اهتمامي بقضايا الأمن الإقليمي والسياسة الإستراتيجية في الشرق الأوسط - في وادٍ آخر.
فلم يكن في مضيق هرمز الذي يشغل ذهني، بل في متجر Hermès الفرنسي الشهير، الذي يُنطق بالفرنسية "إرميس”، بينما ينطقه كثيرون بالعربية "هرمز”، فتختلط الجغرافيا بعالم الأزياء، وتلتقي السياسة بالحرير.
عندها أدركت أن الرجل لا يريد أن يطمئنني على أمن الملاحة الدولية، ولا يحمل لي آخر تقارير التصعيد العسكري، ولا يسألني عن توقعاتي لأسعار النفط أو سيناريوهات إغلاق المضيق، بل أراد - بكل محبة - أن يعرف أي لون أفضل لربطة عنق من إحدى أشهر العلامات التجارية في العالم.
يا لها من مفارقة!
في منطقتنا، تكفي كلمة "هرمز” حتى تقفز إلى الذهن حاملات الطائرات، والصواريخ الباليستية، والطائرات المسيّرة، ومنظومات الدفاع الجوي، وبيانات الإدانة، واجتماعات مجلس الأمن، وحسابات الردع وتوازنات القوى.
ثم قفزت بي الذاكرة إلى مضيق جبل طارق، حيث عبر القائد المسلم الأمازيغي طارق بن زياد إلى الأندلس، في واحدة من أشهر المحطات العسكرية في التاريخ، حين خاطب جنوده بقوله:
"البحر من ورائكم، والعدو من أمامكم.”
فالمضائق البحرية لم تكن يومًا مجرد جغرافيا، بل كانت دائمًا مفاتيح للنفوذ، وشرايين للتجارة، ونقاط ارتكاز في موازين القوة الدولية.
"كما استحضرت بيتًا لأمير الشعراء أحمد شوقي
عندما تذكرت من نعرفهم جيدا لاعبوا كرة القدم ( كرة السياسة ) دائما التسلل حاضر في اهدافهم "
"الله أكبر، كم في الفتح من عجبٍ
يا خالدَ التركِ، جدّد خالدَ العربِ.”
ليس لاستدعاء التاريخ فحسب، بل للتأكيد أن الجغرافيا السياسية كثيرًا ما تعيد إنتاج نفسها بأدوات جديدة، بينما تبقى المصالح والاستراتيجيات هي الثابت الأكبر.
أما في باريس، فالكلمة نفسها تعني ربطة عنق فاخرة.
وهكذا أصبحنا نعيش زمنًا لم تعد فيه الكلمات بريئة؛ فلكل مصطلح أكثر من معنى، ولكل اسم أكثر من رواية، وما بين هرمز المضيق وإرميس المتجر تختبئ المسافة الفاصلة بين اقتصاد الحرب واقتصاد الرفاه، وبين من يصنع الأزمات ومن يصنع العلامات التجارية، وبين دول تُستنزف في الصراعات، وأخرى تجيد تحويل الاستقرار إلى قوة اقتصادية وقيمة مضافة.
ولعل الرسالة الأهم أن الأردن، رغم ما يحيط به من تصعيدات عسكرية وتوترات إقليمية غير مسبوقة، يواصل أداء دوره بثبات في حماية سيادته، والدفاع عن أجوائه، والحفاظ على أمنه الوطني، والتعامل باحترافية مع تداعيات الأزمات المحيطة، لأن استقرار الأردن لم يعد مصلحة وطنية فحسب، بل أصبح عنصرًا أساسيًا في استقرار الإقليم بأسره.
أما صديقي، فقد عاد من "هرمز” محملًا بربطة عنق أنيقة…
وأما أنا، فقد خرجت بدرس جديد:
ليس كل من قال: "أنا بهرمز”… يقصد المضيق.
لكننا أصبحنا نعيش في زمنٍ تذهب فيه عقولنا إلى السياسة قبل أن تذهب إلى اللغة، وإلى الأمن قبل أن تفكر في التجارة، وإلى احتمالات الحرب قبل أن تتأمل جمال المفردات.
ويبقى الأمل أن تظل الملاحة الدولية آمنة في مضيق هرمز، وأن تبقى سماء الأردن عصية على كل تهديد، بعيدة عن أي تصعيد لا ناقة لنا فيه ولا جمل، وأن يواصل الأردن، بقيادته الهاشمية، وقواته المسلحة – الجيش العربي، وأبطال سلاح الجو الملكي، وأجهزته الأمنية، أداء واجبهم في حماية الوطن، وصون سيادته، والحفاظ على أمنه واستقراره.
حمى الله الأردن، وحمى جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، وحمى قواتنا المسلحة وأجهزتنا الأمنية، لتبقى راية الوطن خفاقة، وليبقى الأردن واحة أمن واستقرار وسط إقليم وشرق اوسط (ربما جديد او من البالة )



