إبراهيم أبو حويله
التغيير الحضاري لا يصنعه الأفراد المتفرقون، وإنما تصنعه "الكتلة الحرجة" من أصحاب المبادئ الذين يواصلون العمل دون استعجال النتائج. التي تربط بين السنن الشرعية والسنن الاجتماعية والتاريخية.
حتى يحدث التغيير في المجتمع، لا بد من صناعة الكتلة الحرجة التي هي أساس التغيير، والتي تحافظ على الكتلة الصلبة من المبادئ والأخلاق، وتعمل على تماسك المجتمع ومقاومة الانحراف والانجراف.
رسولنا الكريم -صلوات ربي عليه- لم يكن يلتفت إلى المحاولات المتعددة الضائعة، ولو ربط الجهد بالنتائج لكانت التصرفات مختلفة؛ فقد عرض نفسه على الناس، وعمل على التربية، وصبر على الدعوة السرية والجهرية، وسعى إلى خلق التحالفات. ولم يخرج من مكة، بعد ثلاثة عشر عامًا من كل هذه الجهود، إلا بعدد قليل (وفي رواية: تجاوز المئة بقليل). وقد بلغ بالصحابة الجهد والتعذيب مبلغه، حتى إن خبابًا، في صحن الكعبة، رفع صوته من الألم قائلًا: «يا رسول الله، ألا تدعو لنا؟ ألا تستنصر لنا؟».
النصر لا يُعطى، بل يُستحق. نعم، هذا البناء الشامخ الصامد كان هو الأساس الذي حفظ الدعوة لاحقًا. فما بُني في مكة، وما أُضيف إليه في المدينة، كان هو الركيزة، ومع ذلك كان هناك فرق بين من آمن قبل الهجرة ومن آمن بعدها، كما كان هناك فرق بين من آمن قبل الفتح ومن آمن بعده، وما دخلت الفتن والمحن والثورات إلا بعد الفتح.
ويأتي الجواب: «كان من قبلكم يُؤخذ الرجل، فيُحفَر له في الأرض، فيُجعل فيها، ثم يُؤتى بالمنشار، فيُوضع على رأسه، فيُشق باثنتين، وما يصده ذلك عن دينه...». ثم ختم النبي صلى الله عليه وسلم كلامه بعبارة هزّت التاريخ: «ولكنكم تستعجلون».
وفي المقابل، فإن هذا العلو الثاني لليهود، الذي انتظروه آلاف السنين، لم يصلوا إلى ما هم فيه إلا بعد نحو ثلاثة آلاف سنة، وعدد لا يُحصى من المحاولات، والصبر، والاستمرار، والتخطيط، والعمل. وكانت المحاولات غير الناجحة جزءًا من الأسباب التي أسهمت في وصولهم إلى ما هم فيه. فهذه الجهود المبذولة تهيئ النفس للتحدي، وتقوي الإرادة، وتدرب النفس والعقل والجماعات على العمل المنظم، وعلى الجهود الموجهة، وعلى عدم السكون، والاستمرار في الحركة بالكلمة، والمال، والتأثير في الآخر عبر وسائل التواصل المختلفة. فكل تجربة لم تنجح ليست فاشلة، بل هي خطوة على الطريق؛ علّمت، وأعدّت، وصقلت، وربما لم يبقَ إلا خطوات قليلة. فهل نحن نستعجل؟
نحن أمة كبيرة ومنتشرة، ولكن هل تنقصنا الفاعلية؟ يبدو أن الذين يتحركون ما زالوا قلة قليلة، والجهود المبذولة ليست عبثية كما يروق للبعض تسميتها. فالنجاح، أو النصر، أو التمكين، لن يتحقق بمحاولة هنا أو هناك، أو بجهد البعض فقط، بل لا بد من تضافر الجهود لتحقيق ذلك. والفشل المتكرر هو طريق للفهم، وللتصويب، وللعمل، وللوصول إلى النجاح والنصر.
من نجح، نجح لأنه استمر في المحاولة، وحسّن، وطوّر، وأضاف، ولم يتوقف. ومن توقف... توقف. ولكن كم هم أولئك الذين يعملون، ويتحركون، وينفقون، ويتكلمون؟ ومن هنا، فإن الذين يسعون، هل يريدون وقوف كل المسلمين معهم؟ أم تكفيهم تلك "الكتلة الحرجة" التي تعمل، وتنفق ولو جزءًا يسيرًا من دخلها لنصرة قضايا أمتها؟
اليوم، من المهم أن تسأل نفسك: أين تقف؟ مع الذين يتكلمون، أم مع الذين يعملون؟
نحن في وعاء، وهذا الوعاء لن يتغير حاله إلا عندما يصبح حجم الكتلة التي تعمل للتغيير مساويًا للكمية الحرجة التي تغيّر محيطها وواقعها. فهناك كمية من الملح تستطيع أن تمنح الطعام الطعم المطلوب، وكذلك سنن تغيير الأمم تخضع لهذه الكتلة الحرجة، ومن يتأثر بها ويعمل معها. وهل ستذهب جهودهم هدرًا؟ لا، طبعًا، بل ستظل تتجمع، وتؤثر، وتغيّر حتى تبلغ المطلوب، وعندها يتحقق التغيير.
«الحيوان يثق بغريزته، والإنسان يجلد وعيه». فالحيوانات الصائدة لا تنجح إلا في نسب تقل، في المجمل، عن 10%، لكنها تستمر في الصيد. وكأنها تطبق الفلسفة الرواقية؛ فتقوم بالجهد، وتترك النتيجة خارج حدود سيطرتها. كما أدركت الفلسفة الوجودية أن المعنى يُدرك بالجهد، لا بالعكس. وهذا هو مربط الفرس هنا. فليست الجهود مهدورة ولا ضائعة، والفراغ ليس فراغًا، بل هو مليء بكل ما نقوم به يوميًا. وهذه الجهود هي التي نرى أثرها يكبر يومًا بعد يوم؛ فقد أصبح الحاملون لقضية الأمة أصحاب همٍّ وجهد، ويتحركون في كل اتجاه. ولكن مهلًا... هم يتحركون، وأنا ماذا أفعل؟
وهنا مقتل آخر؛ فنحن لا تعيقنا الخسارة، ولا توقفنا الدماء، ولا التضحيات. فالنجاح لن يأتي إلا بعد أن تُرهقك الهزائم، وتعلمك الصبر، وتوقظ فيك المعنى الحقيقي للقوة. فالجهود التي تبدو مهدورة ليست عبثًا، بل هي شرط من شروط النجاح.
فنحن نسير في هذا الطريق إلى الله إيمانًا، ورغبة، وطمعًا، ونعلم بأن ما عند الله خير وأبقى، وأن الحياة قصيرة، وهي دار ممر لا دار مقام، وأن الشهداء أحياء عند ربهم يُرزقون، وأن من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فله إحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة.
ومن هنا تفهم تمامًا موقف الرسول صلى الله عليه وسلم في صحن الكعبة مع خباب رضي الله عنه؛ فالاستعجال لا يبني أمة، بل قد يهدم الفرد، أما الصبر الاستراتيجي، وتوحيد الجهود، والعمل المستمر ضمن خطة واضحة، فهو الذي يجعل أمة تنهض من العدم، وتنتصر على أقوى إمبراطوريتين في أقل من ثلاثة عقود.




