شريط الأخبار
الخارجية: وصول جثامين 9 أردنيين توفوا بحادث حافلة على طريق نويبع في مصر عراقجي يرد على الصفدي: كم يجب أن ننتظر للرد على من انتهك سيادتنا؟ الحراسيس يتلقى التهاني بمناسبة الثقة الملكية السامية بتعيينه رئيساً لهيئة الأركان المشتركة " الدكتورة شنكول قادر " مُلهمةٌ الرافدين مزجت بين سحر الفن وحكمة الاقتصاد، فبنت في الإبداع جسوراً للتواصل بين الشعوب الملك يتلقى رسالة من الفريق المتقاعد يوسف الحنيطي KAST، المدعومة بالعملات المستقرة، تطلق منصة أعمال تعمل على مدار الساعة لصالح الشركات العالمية الدكتور محمد بيان يشارك في جلسة تكتل قطاع الصناعات الدوائية والمعدات الطبية شركة Gradiant تفوز بعقد رئيسي للمياه لتطوير مجمّع لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي تابع لإحدى شركات الحوسبة فائقة النطاق في غرب تكساس البيئة الداعمة والخدمات المساندة.. حجر الزاوية في تمكين ذوي الاحتياجات الخاصة Robo.ai Inc. تسجّل أداءً قوياً خلال الفترة من يونيو إلى أغسطس مع تسجيل إيرادات تتجاوز 180 مليون دولار أمريكي ZEDEDA وVAS Limited يوقعان اتفاقية توزيع لإتاحة حلول الذكاء الطرفي في المملكة العربية السعودية تعديل السلوك لدى أطفال التوحد.. من التشخيص العلمي إلى بيئة المنزل رئيس هيئة الأركان للملك: القوات المسلحة ستبقى دوما سياج الوطن ودرعه الحصين الصناعة والتجارة تدعو مالكي مركبات JAC إلى تقديم شكاوى مصدر حكومي: الناطقة "فرح" لن تتفاعل مع الاسئلة في المرحلة الأولى الملك والعاهل البحريني يبحثان تطورات المنطقة ووقف التصعيد مصدر حكومي: الناطقة "فرح" لن تتفاعل مع الاسئلة في المرحلة الأولى رئيس مجلس النواب يعزي بضحايا حادث مصر المفجع انطلاق مهرجان الجوافة الأول في مادبا رئيس البرلمان العربي يعزي الأردن ومصر بضحايا حادث انقلاب حافلة جنوب سيناء

قبل أن تحكم… حاول أن تفهم

قبل أن تحكم… حاول أن تفهم
الأستاذ الدكتور أمجد الفاهوم

قبل أكثر من ألف عام، ذهب أبو الريحان البيروني إلى الهند، فوجد مجتمعًا مختلفًا في لغته ومعتقداته وعاداته. وكان يستطيع أن يحكم عليه من نافذة ثقافته، لكنه اختار الطريق الأصعب: تعلّم، وسأل، وقرأ، واستمع، وحاول أن يفهم الناس كما يفهمون أنفسهم. لم يكن سؤاله: من المخطئ؟ بل: لماذا يفكر هؤلاء بهذه الطريقة؟

بعد قرون طويلة، ما زلنا بحاجة إلى هذا السؤال.

نحن سريعون في إصدار الأحكام، بطيئون في البحث عن الأسباب. نرى طالبًا ضعيف التحصيل فنصفه بالكسل، وموظفًا تراجع أداؤه فنصفه بالإهمال، وشابًا يرفض وظيفة فنقول إنه مدلل، ومسؤولًا يتردد في قرار فنعتبره ضعيفًا. نختصر الإنسان في موقف، والمشكلة في نتيجة، والحكاية في كلمة قد تكون خاطئة.

قد يتغيب طالب عن محاضراته، فيراه المدرس غير ملتزم ويبدأ بالعقوبة. لكن ماذا لو اكتشف، بعد دقائق من الحديث معه، أنه يعمل ليلًا ليدفع رسوم دراسته؟ الغياب لا يصبح صحيحًا، لكنه يصبح مفهومًا. والفهم لا يعني التبرير، بل يساعد على اختيار العلاج المناسب: ضبط، أو مساعدة، أو كلاهما.

وفي الإدارة، قد يرى مسؤول جديد بطء الإجراءات فيتهم الموظفين بمقاومة التطوير، ثم يكتشف لاحقًا أن المشكلة في نظام إلكتروني معطل، وصلاحيات متداخلة، وتعليمات متناقضة، وخمس توقيعات لمعاملة تحتاج إلى توقيع واحد. لقد عالج الأشخاص بينما كان المرض في النظام.

هنا يظهر الفرق بين مدير يريد إثبات سلطته وقائد يريد معرفة الحقيقة. الأول يسأل: من المسؤول؟ والثاني يسأل: لماذا حدث الخطأ؟ فالمحاسبة مهمة، لكنها تأتي بعد التشخيص لا بدلًا منه.

وفي سوق العمل، يقول صاحب العمل إن الشباب لا يريدون العمل، ويقول الشباب إن أصحاب العمل يستغلونهم. وقد يكون في كلام الطرفين شيء من الحقيقة: وظيفة لا يغطي راتبها تكاليف النقل، وشاب يريد أن يبدأ حياته المهنية من موقع المدير، وشركة لا تدرب موظفيها ثم تشكو من ضعف مهاراتهم، وخريج لم يتعلم مهارة خارج حدود الامتحان. لذلك لا يكفي أن نبحث عمن نلوم؛ علينا أن نسأل: ما الذي ينبغي إصلاحه؟

وفي التعليم، لا يكفي أن نقول إن السوق مشبع. علينا أن نسأل: لماذا استمررنا في قبول أعداد كبيرة في تخصصات محدودة الطلب؟ ولماذا بقيت الخطط الدراسية ثابتة بينما تغيرت المهن والتكنولوجيا؟ ولماذا نخبر الطالب بعد التخرج أن السوق لا يحتاج تخصصه، بدل أن نرشده قبل اختياره؟

حتى الأهل قد يقعون في الفخ نفسه. فقد يدفعون ابنهم إلى تخصص أكاديمي يرونه أكثر وجاهة، رغم رغبته في تخصص تقني أو مهني، متأثرين بصورة اجتماعية قديمة. وبعد سنوات يحمل شهادة يعتز بها الجميع، لكنه يجد نفسه يبحث عن فرصة لا تأتي. المشكلة ليست في حب الأهل، بل في الحكم على المهن من صورتها القديمة، بدل النظر إلى اقتصاد اليوم وفرص الغد.

وفي حياتنا الاجتماعية، نفسر الصمت تكبرًا، والاعتذار تغيرًا، والاعتراض سلبية، وكثرة الأسئلة إزعاجًا. وربما كان الصامت يملك فكرة لم يجد مساحة آمنة لطرحها، وكان المعترض يرى مشكلة لا نراها، وكان كثير الأسئلة هو الأكثر رغبة في الفهم.

والأخطر أن الحكم المبكر يجعلنا نبحث عن أدلة تؤيده. فإذا اقتنع المدير أن موظفًا كسول، رأى تأخره دقائق وتجاهل بقاءه ساعة إضافية. وإذا صنف المدرس طالبًا بأنه ضعيف، فسّر سؤاله دليل جهل بدل أن يراه رغبة في التعلم.

لهذا فإن منهج البيروني ليس درسًا في دراسة الشعوب فحسب، بل في إدارة البشر أيضًا: اقترب من الظاهرة، اسمع أصحابها، افهم ظروفها، ثم احكم. فالناس لا يتصرفون في فراغ، والمؤسسات لا تفشل بسبب عامل واحد.

ومع ذلك، لا يعني الفهم تبرير الخطأ. فهم أسباب الفساد لا يجعل الفساد مقبولًا، ومعرفة أسباب ضعف الطالب لا تعفيه من المسؤولية. الفهم يسبق الحكم حتى يكون الحكم أكثر عدلًا والعلاج أكثر دقة.

نحتاج اليوم إلى ثقافة السؤال. عندما تتراجع النتائج، نسأل: ماذا تغير؟ وعندما يستقيل موظف متميز، نسأل: لماذا أصبح الرحيل أكثر جاذبية من البقاء؟ وعندما يعزف الشباب عن تخصص أو مسار، نسأل: ماذا يرون في نهايته؟ وعندما تفشل سياسة، نعود إلى الناس الذين مستهم لنعرف ما حدث على الأرض.

فأخطر القرارات ليست دائمًا سيئة النية؛ أحيانًا تكون حسنة النية، لكنها مبنية على فهم ناقص.

المجتمع الناضج ليس الذي يتوقف عن الحكم، فهذا مستحيل، بل الذي يؤخر حكمه قليلًا حتى تكتمل الصورة. وقد لا نحتاج دائمًا إلى تحقيق طويل؛ أحيانًا تكفي دقائق من الاستماع وسؤال صادق قبل أن نقرر مصير طالب، أو موظف، أو ابن، أو مؤسسة.

لذلك، قبل أن تصدر حكمك القادم، توقّف قليلًا: استمع إلى صاحب الشأن، اطرح سؤالين أو ثلاثة عن الأسباب والظروف، ثم قرر ما إذا كان المطلوب محاسبةً أم مساعدةً أم إصلاحًا للنظام.

لا تحكم قبل أن تسمع، ولا تسأل: من أخطأ؟ قبل أن تسأل: ماذا حدث؟