شريط الأخبار
صوت البادية والجفر.. حين ترتفع الحقيقة بلا رتوش ..النائب أبو تايه يفتح النار على الحكومة والسبب مشروع الناقل المدرسي غرف دبي تطلق مسارات تدريبية متخصصة لتمكين 14،000 شركة في القطاع الخاص من تبنّي تقنيات الذكاء الاصطناعي المساعد دوري A2RL يرسي معياراً دولياً جديداً في أول سباق أوروبي بخمس سيارات ذاتية بالكامل التَّعْلِيمُ... رِسَالَةٌ مُقَدَّسَةٌ أَمْ صِنَاعَةٌ لِلشَّهَادَاتِ؟ بيع صقر بـ2.1 مليون درهم (571 ألف دولار) في أبوظبي مسجلاً أعلى سعر في تاريخ مزادات الصقور عالمياً حين تخون العبارة صاحب الخبرة . الدكتور حيدر فريحات ، لماذا يحتاج الأردن إلى خبراته أكثر مما يحتاج إلى محاكمته على جملة؟!! رواية «لا أتنفس» للقاصة زهور كرام الحاج توفيق: مؤتمر الاستثمار الأردني - الأوروبي أولوية لغرف التجارة اللجنة الوزارية العربية: تكثيف جهود مطالبة الدول باتخاذ موقف ضد إسرائيل حين يترجل الفرسان عن صهوة الجياد، لا تنتهي رحلة العطاء .. طارق باشا الحجايا الله يعطيك العافيه الصفدي يترأس اجتماعا وزاريا عربيا بشأن القدس بتوجيهات ملكية .. العيسوي يطمئن على صحة مصابي حادث نويبع الجيش يوضح: تعذّر إخلاء مصاب أردني بحادث سير مصر الحاج توفيق: مؤتمر الاستثمار الأردني - الأوروبي أولوية لغرف التجارة رئيس هيئة الأركان المشتركة يستقبل السفير السوداني الجيش يحبط محاولة تهريب مخدرات بواسطة بالونات موجهة حملة حكومية لاستعراض نتائج عملها وانعكاساتها على المواطن بعد ترفيعهم لرتبة لواء .. الحراسيس يقلّد عدداً من كبار الضباط رتبهم الجديدة الخارجية: عودة 10 أردنيين أُصيبوا بحادث سير مصر بصراحه الشعب الاردني مش ناقصه بكفيه الي فيه .

التَّعْلِيمُ... رِسَالَةٌ مُقَدَّسَةٌ أَمْ صِنَاعَةٌ لِلشَّهَادَاتِ؟

التَّعْلِيمُ... رِسَالَةٌ مُقَدَّسَةٌ أَمْ صِنَاعَةٌ لِلشَّهَادَاتِ؟
التَّعْلِيمُ... رِسَالَةٌ مُقَدَّسَةٌ أَمْ صِنَاعَةٌ لِلشَّهَادَاتِ؟
القلعة نيوز -بقلم: أستاذ مشارك محمد حرب بشير اللصاصمة عميد كلية اللغات وعلومها

حِينَ يَنْتَقِلُ التَّعْلِيمُ مِنْ تَلْقِينِ الْمَعْلُومَةِ إِلَى صِنَاعَةِ الْإِنْسَانِ مَاذَا لَوْ أَنَّنَا أَعَدْنَا طَرْحَ السُّؤَالِ مِنْ جَدِيدٍ؟ لَيْسَ: كَمْ طَالِبًا تَخَرَّجَ؟ وَلَا: كَمْ شَهَادَةً أَصْدَرَتِ الْجَامِعَةُ؟ وَلَا حَتَّى: كَمْ مَقْعَدًا دِرَاسِيًّا أَتَاحَتِ الْمُؤَسَّسَةُ؟
بَلْ: أَيُّ إِنْسَانٍ خَرَجَ مِنْ بَيْنِ جُدْرَانِهَا؟ هُنَا تَبْدَأُ الْحِكَايَةُ الْحَقِيقِيَّةُ لِلتَّعْلِيمِ. فَالتَّعْلِيمُ لَيْسَ جِهَازًا إِدَارِيًّا، وَلَا سِلْسِلَةً مِنَ الْمُقَرَّرَاتِ، وَلَا سَاعَاتٍ تَقْضِي فِي قَاعَةٍ دِرَاسِيَّةٍ، ثُمَّ تَنْتَهِي بِامْتِحَانٍ وَشَهَادَةٍ. التَّعْلِيمُ أَعْمَقُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ.
إِنَّهُ رِسَالَةٌ تُسْهِمُ فِي صِنَاعَةِ الْإِنْسَانِ، وَمَنْهَجٌ يُعِيدُ تَشْكِيلَ الْعَقْلِ، وَمَسَارٌ يُهَذِّبُ الْوِجْدَانَ، وَقُوَّةٌ حَضَارِيَّةٌ تُحَدِّدُ قُدْرَةَ الْمُجْتَمَعِ عَلَى صِنَاعَةِ مُسْتَقْبَلِهِ.
لَيْسَ كُلُّ مُتَعَلِّمٍ مُتَعَلِّمًا: المُشْكِلَةُ لَيْسَتْ فِي أَنْ نُكْثِرَ مِنَ الْمَعْلُومَاتِ، بَلْ فِي أَنْ نَتَأَكَّدَ أَنَّ الْمَعْلُومَةَ قَدْ تَحَوَّلَتْ إِلَى وَعْيٍ، وَالْوَعْيُ إِلَى سُلُوكٍ، وَالسُّلُوكُ إِلَى قِيمَةٍ، وَالْقِيمَةُ إِلَى مُمَارَسَةٍ تَظْهَرُ فِي الْحَيَاةِ.
فَقَدْ يَحْمِلُ الْإِنْسَانُ أَعْلَى الشَّهَادَاتِ، وَلَكِنَّهُ يَفْتَقِرُ إِلَى الْحِكْمَةِ. وَقَدْ يَحْفَظُ عَشَرَاتِ الْمَعَادِلَاتِ وَالنَّظَرِيَّاتِ، وَلَكِنَّهُ يَعْجِزُ عَنْ فَهْمِ الْإِنْسَانِ الَّذِي يَعِيشُ مَعَهُ.
وَقَدْ يُتْقِنُ أَحْدَثَ التِّقْنِيَاتِ، وَلَكِنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْوَعْيَ الَّذِي يُمَكِّنُهُ مِنَ التَّمْيِيزِ بَيْنَ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَفْعَلَهُ وَمَا يَجِبُ أَلَّا يَفْعَلَهُ.
وَهُنَا يَكْمُنُ الْفَرْقُ بَيْنَ التَّعْلِيمِ الَّذِي يَمْلَأُ الْعَقْلَ، وَالتَّعْلِيمِ الَّذِي يَبْنِي الْإِنْسَانَ.
فِي زَمَنِ الذَّكَاءِ الِاصْطِنَاعِيِّ... مَنْ يُعَلِّمُ الْإِنْسَانَ؟
لَمْ يَعُدِ السُّؤَالُ الْيَوْمَ: كَيْفَ نَحْصُلُ عَلَى الْمَعْلُومَةِ؟
فَالْمَعْلُومَةُ أَصْبَحَتْ مُتَاحَةً بِسُرْعَةٍ لَمْ يَشْهَدْهَا تَارِيخُ الْبَشَرِيَّةِ.
السُّؤَالُ الْأَكْبَرُ هُوَ: كَيْفَ نُحْسِنُ اسْتِخْدَامَ الْمَعْلُومَةِ؟
وَكَيْفَ نُمَيِّزُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالزَّيْفِ؟
وَكَيْفَ نَجْعَلُ الذَّكَاءَ التِّقْنِيَّ خَادِمًا لِلْإِنْسَانِ لَا بَدِيلًا عَنْهُ؟
هُنَا تَتَغَيَّرُ وَظِيفَةُ التَّعْلِيمِ. فَالْمَدْرَسَةُ وَالْجَامِعَةُ لَمْ تَعُودَا مُطَالَبَتَيْنِ بِمُنَافَسَةِ مُحَرِّكَاتِ الْبَحْثِ أَوْ أَدَوَاتِ الذَّكَاءِ الِاصْطِنَاعِيِّ فِي تَخْزِينِ الْمَعْلُومَاتِ وَاسْتِرْجَاعِهَا؛ بَلْ أَصْبَحَتَا مُطَالَبَتَيْنِ بِبِنَاءِ مَا لَا تَسْتَطِيعُ الْآلَةُ أَنْ تَكُونَهُ بِمَعْنَاهُ الْإِنْسَانِيِّ: الضَّمِيرُ، وَالْقِيَمُ، وَالْحِكْمَةُ، وَالْمَسْؤُولِيَّةُ، وَالتَّعَاطُفُ، وَالْإِرَادَةُ، وَالْقُدْرَةُ عَلَى اخْتِيَارِ مَا هُوَ صَحِيحٌ وَنَافِعٌ.
وَمِنْ هُنَا فَإِنَّ الذَّكَاءَ الِاصْطِنَاعِيَّ لَا يُلْغِي دَوْرَ التَّعْلِيمِ، بَلْ يَدْفَعُنَا إِلَى إِعَادَةِ تَعْرِيفِهِ.
الْمُعَلِّمُ... لَيْسَ نَاقِلَ مَعْرِفَةٍ بَلْ صَانِعُ أَثَرٍ وَفِي مُنْتَصَفِ هَذَا التَّحَوُّلِ يَقِفُ الْمُعَلِّمُ.
لَا يَكْفِي أَنْ يَكُونَ الْمُعَلِّمُ مُتَمَكِّنًا مِنْ مَادَّتِهِ الْعِلْمِيَّةِ، مَعَ أَهَمِّيَّةِ ذَلِكَ؛ بَلْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى فَهْمِ الْمُتَعَلِّمِ، وَاسْتِثَارَةِ سُؤَالِهِ، وَإِطْلَاقِ قُدْرَاتِهِ، وَتَحْوِيلِ الْفَصْلِ الدِّرَاسِيِّ مِنْ مَكَانٍ لِتَلَقِّي الْإِجَابَاتِ إِلَى فَضَاءٍ لِإِنْتَاجِ الْأَسْئِلَةِ.
فَالْمُعَلِّمُ الْمُؤَثِّرُ لَا يَقِيسُ نَجَاحَهُ بِعَدَدِ الصَّفَحَاتِ الَّتِي شَرَحَهَا، بَلْ بِعَدَدِ الْعُقُولِ الَّتِي أَوْقَظَهَا، وَالْقُدُرَاتِ الَّتِي اكْتَشَفَهَا، وَالْقِيَمِ الَّتِي غَرَسَهَا، وَالثِّقَةِ الَّتِي بَنَاهَا فِي نُفُوسِ طُلَّابِهِ.
وَرُبَّمَا نَسِيَ الطَّالِبُ بَعْضَ مَا قَالَهُ الْمُعَلِّمُ، وَلَكِنَّهُ قَدْ يَحْمِلُ مَعَهُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةً أَثَرَ كَلِمَةٍ صَادِقَةٍ، أَوْ مَوْقِفٍ إِنْسَانِيٍّ، أَوْ قُدْوَةٍ أَخْلَاقِيَّةٍ رَآهَا فِي مُعَلِّمِهِ.
الْقِيَمُ لَا تُدَرَّسُ فِي كُتُبٍ فَقَطْ هُنَا نَصِلُ إِلَى جَوْهَرِ الْقَضِيَّةِ:
لَا يُمْكِنُ أَنْ نَبْنِيَ مُجْتَمَعًا مُتَقَدِّمًا بِتَعْلِيمٍ مُتَقَدِّمٍ تِقْنِيًّا وَمُتَأَخِّرٍ قِيَمِيًّا.
فَالْقِيَمُ لَيْسَتْ زِينَةً تَرْبَوِيَّةً تُضَافُ إِلَى الْمَنْهَجِ، وَلَا عُنْوَانًا يُكْتَبُ فِي آخِرِ الْخُطَطِ التَّعْلِيمِيَّةِ؛ بَلْ هِيَ الرُّوحُ الَّتِي يَجِبُ أَنْ تَسْرِيَ فِي الْمَنْهَجِ، وَالْبِيئَةِ، وَالْعَلَاقَةِ بَيْنَ الْمُعَلِّمِ وَالطَّالِبِ، وَفِي كُلِّ مُمَارَسَةٍ تَرْبَوِيَّةٍ.
إِنَّ الطَّالِبَ لَا يَتَعَلَّمُ الْعَدْلَ مِنْ كِتَابٍ عَنْ الْعَدْلِ فَقَطْ، بَلْ حِينَ يَجِدُهُ فِي الْمَعَامَلَةِ.
وَلَا يَتَعَلَّمُ الِاحْتِرَامَ مِنْ تَعْرِيفٍ نَظَرِيٍّ فَقَطْ، بَلْ حِينَ يُحْتَرَمُ.
وَلَا يَتَعَلَّمُ الْمَسْؤُولِيَّةَ مِنْ شَرْحٍ مُجَرَّدٍ، بَلْ حِينَ يُمْنَحُ فُرْصَةَ أَنْ يَتَحَمَّلَهَا.
وَلِذَلِكَ فَإِنَّ الْبِيئَةَ التَّعْلِيمِيَّةَ نَفْسَهَا مَنْهَجٌ خَفِيٌّ، يَتَعَلَّمُ فِيهِ الطَّالِبُ أَكْثَرَ مِمَّا يَتَعَلَّمُهُ مِنَ الْكُتُبِ.
مِنْ «التَّخَرُّجِ» إِلَى «الِاسْتِعْدَادِ لِلْحَيَاةِ» لَقَدْ آنَ الْأَوَانُ أَنْ نُعِيدَ النَّظَرَ فِي الْغَايَةِ النِّهَائِيَّةِ لِلتَّعْلِيمِ.
فَهَلْ نُرِيدُ خَرِّيجًا يَمْتَلِكُ شَهَادَةً؟ أَمْ نُرِيدُ إِنْسَانًا يَمْتَلِكُ الْقُدْرَةَ عَلَى التَّعَلُّمِ، وَالتَّفْكِيرِ، وَالِابْتِكَارِ، وَالتَّكَيُّفِ، وَالتَّعَاوُنِ، وَاتِّخَاذِ الْقَرَارِ، وَإِدَارَةِ التَّغَيُّرِ، وَمُوَاجَهَةِ الْمَجْهُولِ؟
إِنَّ الْمُسْتَقْبَلَ لَا يَنْتَظِرُ خَرِّيجًا يَعْرِفُ إِجَابَاتِ الْأَمْسِ فَقَطْ، بَلْ يَحْتَاجُ إِلَى إِنْسَانٍ قَادِرٍ عَلَى صِيَاغَةِ أَسْئِلَةِ الْغَدِ.
وَهُنَا يَصِيرُ التَّعْلِيمُ مَنْهَجَ حَيَاةٍ، لَا مَرْحَلَةً تَنْتَهِي بِشَهَادَةٍ.
فَالْإِنْسَانُ الْمُتَعَلِّمُ حَقًّا هُوَ مَنْ يَسْتَمِرُّ فِي التَّعَلُّمِ بَعْدَ الْمَدْرَسَةِ، وَبَعْدَ الْجَامِعَةِ، وَبَعْدَ الْوَظِيفَةِ؛ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ أَنَّ الْعَالَمَ لَا يَتَوَقَّفُ عَنْ التَّغَيُّرِ، وَأَنَّ الْجُمُودَ فِي عَالَمٍ مُتَحَرِّكٍ نَوْعٌ مِنَ التَّرَاجُعِ.
الْمُسْتَقْبَلُ لَا يُصْنَعُ بِالتَّقْنِيَةِ وَحْدَهَا قَدْ تَمْنَحُنَا التَّقْنِيَةُ أَدَوَاتٍ أَكْثَرَ ذَكَاءً، وَقَدْ يَمْنَحُنَا الذَّكَاءُ الِاصْطِنَاعِيُّ قُدْرَاتٍ لَمْ نَكُنْ نَتَخَيَّلُهَا، وَلَكِنَّ السُّؤَالَ الْأَكْبَرَ سَيَبْقَى إِنْسَانِيًّا: مَاذَا سَنَفْعَلُ بِكُلِّ هَذِهِ الْقُدْرَةِ؟
فَالتَّحَدِّي لَيْسَ فِي أَنْ نَجْعَلَ الْآلَةَ أَذْكَى، بَلْ فِي أَنْ نَجْعَلَ الْإِنْسَانَ أَكْثَرَ حِكْمَةً.
وَلَيْسَ فِي أَنْ نَمْلِكَ مَعْلُومَاتٍ أَكْثَرَ، بَلْ فِي أَنْ نَمْتَلِكَ بَصِيرَةً أَعْمَقَ.
وَلَيْسَ فِي أَنْ نُسَرِّعَ الْحَيَاةَ فَقَطْ، بَلْ فِي أَنْ نَضْمَنَ أَلَّا نَفْقِدَ مَعْنَاهَا وَنَحْنُ نُسَارِعُهَا.
وَفِي النِّهَايَةِ... مَاذَا نُرِيدُ مِنَ التَّعْلِيمِ؟
رُبَّمَا يَكُونُ السُّؤَالُ الْأَصْدَقُ الَّذِي يَجِبُ أَنْ نَطْرَحَهُ عَلَى أَنْفُسِنَا الْيَوْمَ:
هَلْ نُرِيدُ أَنْ نُعَلِّمَ الْإِنْسَانَ كَيْفَ يَكْسِبُ الْعَالَمَ، أَمْ كَيْفَ يَسْتَحِقُّ أَنْ يَعِيشَ فِيهِ؟
إِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ السُّؤَالَيْنِ هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ تَعْلِيمٍ يَصْنَعُ الْمُوَظَّفَ، وَتَعْلِيمٍ يَصْنَعُ الْإِنْسَانَ. وَبَيْنَ تَعْلِيمٍ يُعِدُّ لِلسُّوقِ، وَتَعْلِيمٍ يُعِدُّ لِلْحَيَاةِ. وَبَيْنَ تَعْلِيمٍ يُنْتِجُ شَهَادَاتٍ، وَتَعْلِيمٍ يُنْتِجُ وَعْيًا.
وَبَيْنَ تَعْلِيمٍ يَصْنَعُ مُسْتَقْبِلًا تَقْنِيًّا، وَتَعْلِيمٍ يَصْنَعُ مُسْتَقْبَلًا إِنْسَانِيًّا. لِذَلِكَ، فَإِنَّ التَّعْلِيمَ لَيْسَ مَا نَضَعُهُ فِي عَقْلِ الطَّالِبِ فَقَطْ، بَلْ مَا نَغْرِسُهُ فِي وَعْيِهِ، وَمَا نَبْنِيهِ فِي شَخْصِيَّتِهِ، وَمَا نُوقِظُهُ فِي ضَمِيرِهِ، وَمَا نَمْنَحُهُ مِنْ قُدْرَةٍ عَلَى أَنْ يَكُونَ فَاعِلًا فِي عَصْرِهِ، دُونَ أَنْ يَفْقِدَ قِيَمَهُ وَهُوِيَّتَهُ وَإِنْسَانِيَّتَهُ.
فَالتَّعْلِيمُ، فِي جَوْهَرِهِ، لَيْسَ صِنَاعَةَ شَهَادَاتٍ؛ إِنَّهُ صِنَاعَةُ إِنْسَانٍ.
وَحِينَ نُدْرِكُ هَذَا الْمَعْنَى، سَنَفْهَمُ أَنَّ أَعْظَمَ اسْتِثْمَارٍ لَا يَكْمُنُ فِي الْمَبَانِي، وَلَا فِي الْأَجْهِزَةِ، وَلَا فِي الْمَنْصَّاتِ الرَّقْمِيَّةِ، بَلْ فِي إِنْسَانٍ يَمْتَلِكُ عَقْلًا نَاقِدًا، وَضَمِيرًا قِيَمِيًّا، وَوَعْيًا رَقْمِيًّا، وَقُدْرَةً إِبْدَاعِيَّةً، وَرُؤْيَةً اسْتِشْرَافِيَّةً، وَإِرَادَةً قَادِرَةً عَلَى صِنَاعَةِ الْمُسْتَقْبَلِ.
وَذَلِكَ هُوَ، فِي النِّهَايَةِ، مَعْنَى أَنْ يَكُونَ التَّعْلِيمُ رِسَالَةً مُقَدَّسَةً وَمَنْهَجَ حَيَاةٍ.