بعد أن أُثير الموضوع إعلاميًا وتحركت الجهات الرسمية...
بعد أن أثرتُ موضوع هروب العاملات وما يرتبط به من تساؤلات حول الجهات التي قد تستقطبهن أو تؤويهن أو تشغلهن، حظي الموضوع باهتمام عدد من وسائل الإعلام، وتبع ذلك تحرك من الجهات الرسمية المختصة.
وقد أسفرت الحملات الأخيرة عن ضبط 200 عاملة، تبيّن أن 56 منهن هاربات ومعمّم عليهن ومطلوبات، كما أكد الناطق الإعلامي باسم وزارة العمل أن الغرامة لا تقل عن 800 دينار بحق من يُضبط لديه عامل مخالف، بهدف الحد من تشغيل العمالة المخالفة وتنظيم سوق العمل.
ونحن نثمّن هذا التحرك، ونأمل أن تكون هذه الخطوة بداية لمعالجة أوسع وأكثر شمولًا، لا تقتصر على ضبط العاملة الهاربة، وإنما تمتد إلى معرفة أسباب الهروب، والجهات التي قد تستقطب العاملة أو تؤويها أو تشغّلها أو تساعدها على العمل بصورة مخالفة للقانون.
وفي الوقت نفسه، فإن حماية العاملة أمر لا يقل أهمية؛ ولذلك من الضروري وجود آلية رسمية للمتابعة والزيارات المفاجئة، وفق القانون، للتأكد من عدم تعرضها للعنف أو الإساءة. فإذا ثبتت الإساءة، تُحمى العاملة ويُحاسب من أساء إليها، وإذا ثبت أن الهروب كان بهدف الانتقال إلى عمل آخر بأجر أعلى، فلا بد أيضًا من وجود مسؤولية قانونية واضحة على من يثبت تورطه في ذلك.
كما أن الوقاية تبدأ من بلد العاملة، من خلال توعيتها بلغتها بحقوقها وواجباتها، وقوانين العمل والإقامة، والعواقب المترتبة على الهروب والعمل المخالف، مع تحميل مكاتب الاستقدام والجهات المتعهدة مسؤولية واضحة في هذا الجانب.
ونأمل كذلك أن تكون هناك مراجعة للتشريعات بما يحقق الردع والعدالة معًا، ويضع مسؤولية واضحة على كل طرف يثبت تورطه في استقطاب أو تشغيل العمالة المخالفة.
نحن لا نريد ظلم العاملة، ولا تحميل الكفيل ما لا ذنب له، وإنما نريد منظومة عادلة تحمي العاملة والكفيل والأسرة والمجتمع، وتغلق الأبواب أمام كل من يستغل حاجة أي طرف.
فالمعالجة الحقيقية لا تكون بملاحقة الهاربة وحدها، وإنما بفهم أسباب الهروب، والوصول إلى من يقف خلفها، ومعالجة الخلل من جذوره.
وما طُرح منذ البداية لم يكن اتهامًا لأحد، وإنما أسئلة للنقاش والحوار، هدفها الوصول إلى الحقيقة والمساهمة في إيجاد حلول تحفظ حقوق الجميع.




