الدكتور نسيم أبو خضير
ليس كل مؤتمرٍ يُختتم بانتهاء جلساته ، وليس كل توصيةٍ تُكتب على الورق تصبح بالضرورة مشروعًا للمستقبل .
لكن المؤتمر العام التاسع عشر لمؤسسة آل البيت الملكية للفكر الإسلامي ، الذي إنعقد في عمّان خلال الفترة من 9 إلى 11 أيلول 2026 ، تحت عنوان « أولويات الأمة في الخمس والعشرين سنة القادمة 2026–2050 » ، جاء مختلفًا في فكرته ورسائله وأفقه الزمني ، لأنه لم يسأل فقط : ماذا يحدث للأمة اليوم ؟ بل ذهب إلى السؤال الأصعب : أي أمة نريد أن تكون في عام 2050 ؟
وهنا تحديدًا تكمن أهمية هذا المؤتمر ، الذي جمع أكثر من سبعين عالمًا ومفكرًا وباحثًا من نحو ثلاثين دولة ، ومن مختلف المذاهب والمدارس والإتجاهات الفكرية الإسلامية .
ومن الإنصاف أن يُقال إن هذا الحضور العالمي لمؤسسة آل البيت لم يأتِ من فراغ ، وإنما هو ثمرة رؤية هاشمية أردنية آمنت بأن قوة الأمة لا تكون بالسلاح والإقتصاد وحدهما ، وإنما أيضًا بقوة الفكر ، ووضوح الرسالة ، وقدرة العلماء على صناعة خطاب ديني يواجه العصر بدل أن يهرب منه .
وهنا تبرز جهود جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين ، الذي جعل من الأردن منذ سنوات طويلة مساحةً للحوار الإسلامي ، ومنارةً للإعتدال ، ومنبرًا للدفاع عن القدس والمقدسات ، وعن صورة الإسلام التي تقوم على الرحمة والوسطية والعيش المشترك .
وإذا كان الأردن قد إستطاع أن يستضيف علماء الأمة ومفكريها من مدارس ومذاهب متعددة ، فإن ذلك يعكس ثقةً دولية وعلمية بمساحة الحوار التي صنعتها عمّان ، وبالدور الذي تقوم به مؤسسة آل البيت الملكية للفكر الإسلامي .
والشكر هنا لا ينبغي أن يكون مجاملةً عابرة ، بل هو إعتراف بدور دولة وقيادة ومؤسسة حملت مشروعًا فكريًا يتجاوز حدود الأردن .
الأمير غازي ... حين يتحول الفكر إلى مشروع مستمر .
إن الحديث عن مؤسسة آل البيت لا يكتمل من دون الإشارة إلى الدور الفكري والعلمي المتواصل لسمو الأمير غازي بن محمد ، رئيس مجلس أمناء المؤسسة ، الذي حمل مسؤولية هذه المؤسسة على مدى سنوات ، وحافظ على أن تبقى عمّان نقطة إلتقاء للعلماء والمفكرين ، لا ساحةً للصراع بينهم .
واللافت في الدورة التاسعة عشرة أن المؤسسة لم تكتفِ بعقد جلسات علمية ، بل واصلت العمل على مشاريع تعليمية ومعرفية وتقنية ، من بينها مبادرات تستفيد من التكنولوجيا في التعليم ، ومشاريع تعليمية موجهة للطلبة الفلسطينيين ، ومبادرات تستهدف نشر المعرفة الدينية بصورة منهجية عبر الوسائط الرقمية .
إن المؤسسة التي تفكر في مستقبل الأمة لا يجوز أن تبقى أسيرة أدوات الماضي .
ربما تكون أهم رسالة في المؤتمر هي الإنتقال من عقلية إدارة الأزمة إلى عقلية صناعة المستقبل .
فالبيان الختامي لم يتوقف عند الشعارات ، بل طرح جملة من القضايا الكبيرة :
_ إصلاح التعليم
_ بناء القوة المعرفية
_ تطوير الخطاب الديني
_ الحوار بين المذاهب
_ الذكاء الاصطناعي
_. الإقتصاد والإنتاج
_ الصحة النفسية
_ الأسرة
_ المؤسسات الإسلامية
_ والعدالة
_ إلى جانب القضية المركزية للأمة : فلسطين والقدس .
ومن بين التوصيات اللافتة الدعوة إلى دراسة إنشاء محكمة عدل إسلامية للفصل في المنازعات بين الدول والأطراف الإسلامية ، والدعوة إلى إنشاء جامعة إسلامية رقمية مفتوحة عابرة للحدود ، ووضع إستراتيجية مشتركة للسياسات التربوية حتى عام 2050 .
وهذه ليست توصيات صغيرة ، لأنها إذا إنتقلت من الورق إلى التنفيذ فإنها يمكن أن تفتح أبوابًا جديدة أمام الأمة في التعليم والعدالة والتكامل المعرفي .
القدس ليست بندًا في البيان ... بل قضية أمة :
ومن أقوى ما حملته توصيات المؤتمر التأكيد على أن فلسطين والقدس الشريف أولوية إستراتيجية جامعة للأمة الإسلامية ، ودعم صمود الشعب الفلسطيني وإعادة إعمار غزة ، إلى جانب التأكيد على المحافظة على الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس الشريف ، وتفعيل دور الصندوق الهاشمي لإعمار المسجد الأقصى وقبة الصخرة المشرفة .
وهنا تبرز مرة أخرى خصوصية الموقف الأردني . فالوصاية الهاشمية ليست مجرد عنوان سياسي ، وإنما مسؤولية تأريخية ودينية وإنسانية تجاه مقدسات إسلامية ومسيحية ، وهذا ما يجعل الدفاع عن القدس في الخطاب الأردني جامعًا بين حماية المقدسات ، وحماية الهوية ، وحماية التعايش .
قد يظن البعض أن مؤتمرًا إسلاميًا تكون آثاره محصورة في العالم الإسلامي ، وهذا غير دقيق .
فعندما يدعو المؤتمر إلى العدالة ، وكرامة الإنسان ، والحوار ، ونبذ التعصب ، ومحاربة خطاب الكراهية ، وتعزيز المواطنة الجامعة والتعايش ، فإن هذه القيم لا تخدم المسلم وحده ، وإنما تخدم الإنسان أيًا كان دينه .
بل إن التأكيد على حماية المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس ، والحديث عن التعايش والحوار ، يفتح المجال أمام رسالة أوسع : أن مستقبل المنطقة لا يمكن أن يُبنى على إقصاء الآخر ، وإنما على الإعتراف به وإحترام حقه في العبادة والكرامة والأمن .
وهنا يمكن للأردن أن يواصل تقديم نموذجه الخاص في العيش المشترك ، نموذجًا يقول : إن الإسلام الذي نعرفه في مدرسة آل البيت هو إسلامٌ يحفظ للإنسان كرامته ، وللمقدسات حرمتها ، وللآخر حقه ، وللمجتمع أمنه .
ومن اللافت أن المؤتمر لم يتعامل مع الذكاء الإصطناعي بإعتباره قضية تقنية بعيدة عن الدين ، بل أوصى بإستخدامه في التعليم والتنمية ضمن أطر أخلاقية وتنظيمية ، مع التأكيد على أن أدوات الذكاء الاصطناعي في الفتوى ينبغي أن تبقى في إطار المساعدة البحثية وإستخراج النصوص ، بينما تبقى الفتوى والحكم الشرعي من إختصاص الفقيه الإنسان .
وهذه رسالة بالغة الأهمية ، لأننا أمام جيل سيعيش في عالم تتداخل فيه التقنية مع التعليم والإعلام والدين والإقتصاد والسياسة .
ومن لا يملك القدرة على فهم المستقبل التقني ، لن يستطيع أن يؤثر في المستقبل الإنساني .
كل التقدير لجلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين ، الذي وضع الأردن في موقع متقدم من مشهد الحوار الإسلامي والعالمي ، وحمل قضية القدس والمقدسات في المحافل الدولية ، ودعم مشروعًا فكريًا يجعل من الاعتدال قوةً ومن الحوار وسيلةً ومن العلم طريقًا للمستقبل.
وكل التقدير لسمو الأمير غازي بن محمد ، الذي واصل حمل رسالة مؤسسة آل البيت ، وجعل منها بيتًا علميًا وفكريًا يلتقي فيه المختلفون دون أن يتحول إختلافهم إلى خصومة ، ويبحثون عن المشترك دون أن يتخلوا عن ثوابتهم .
والتقدير لكل عالم ومفكر وباحث جاء إلى عمّان ليشارك في رسم ملامح السنوات الخمس والعشرين القادمة .
إن أجمل ما يمكن أن يقال بعد هذا المؤتمر : إن عمّان لم تكن مجرد مكان إنعقاد المؤتمر ، وإنما كانت جزءًا من رسالته .
فمن عمّان ، المدينة التي حملت تاريخًا طويلًا من التسامح والتعايش ، خرجت رسالة إلى الأمة والعالم :
أن المستقبل لا يُنتظر ، بل يُصنع .
وأن الأمة التي تريد أن تكون حاضرة في 2050 ، عليها أن تبدأ من اليوم ببناء الإنسان ، وإصلاح التعليم ، وإنتاج المعرفة ، وصيانة الأسرة ، وترسيخ العدالة ، وإحترام التنوع ، ومواجهة التطرف ، وحماية القدس ، والإستفادة من التكنولوجيا دون أن تفقد إنسانيتها .
وهذه هي قيمة مؤتمر آل البيت الحقيقية : أنه لم يسأل فقط ماذا بقي من الماضي ، بل سأل بجرأة ومسؤولية : ماذا نريد أن نترك للمستقبل ؟
وفي زمنٍ تتكاثر فيه الحروب والإنقسامات والكراهية ، ربما تكون أعظم رسالة يمكن أن تخرج من عمّان هي أن الإسلام حين يستعيد جوهره الأخلاقي والإنساني ، يصبح قوة بناء لا قوة صدام ، وأن الحوار حين يكون صادقًا يمكن أن يكون جسرًا بين المسلمين والمسيحيين ، وبين الشرق والغرب ، وبين الماضي والمستقبل .
حفظ الله الأردن ، وحفظ قيادته الهاشمية ، وحفظ القدس ومقدساتها ، وجعل هذا البلد كما أراده الهاشميون دائمًا : وطنًا للحوار ، ومنبرًا للإعتدال ، ورسالةً للسلام ، وصوتًا عربيًا وإسلاميًا مسموعًا في عالمٍ بأمسّ الحاجة إلى صوت العقل والحكمة .




