شريط الأخبار
عاجل : النائب أبو تاية يؤكد للعيسوي ضرورة فتح مركز للتدريب في البادية الجنوبية العمل: 17 يوما لتصويب أوضاع العمالة المخالفة قبل بدء إجراءات التسفير مستشفى معان الحكومي: بدء استقبال مراجعي عيادات الاختصاص في المبنى الجديد السبت السعودية: إيقاف خط أنابيب شرق - غرب احترازيًا إثر تعرضه لعدة استهدافات الصحة: 90 ألف وافد خضعوا للفحص الطبي خلال تموز وآب وزير السياحة والآثار يلتقي نائب بطريرك موسكو المطران أنطوني العجارمة: نسب الأمية والتسرب المدرسي في الأردن الأقل عربيًا الأردن يروّج لمنتجه السياحي في موسكو ويعزز فرص استقطاب الروس رويترز: الحوثيون وصلوا إلى مضيق باب المندب القوات المسلحة الأردنية تشيّع جثامين خمسة من مكلفي خدمة العلم إثر حادث سير ترامب: إيران هي الراعي الأول للإرهاب حول العالم العمل: ضبط 56 عاملة منزل مسجل بحقهن بلاغات هروب من أصحاب العمل إسرائيل تطرد فريقاً بريطانياً راقب اعتداءات المستوطنين بالضفة وزيرا الدَّاخليَّة بالوكالة والصحَّة يزوران مصابي حادث حافلة مكلَّفي خدمة العلم غنيمات تشارك في أعمال النسخة الخامسة من «ملتقى شباب المعرفة» بالمغرب تشييع جثماني شابين من القويرة إثر حادث سير على الطريق الصحراوي ( صور ) نتنياهو: ضبطنا أسلحة في تلة علي الطاهر "أرسلتها إيران لحزب الله" القاضي ينعى ضحايا حادث الطريق الصحراوي ترامب: لو امتلكت إيران سلاحا نوويا لقضت على إسرائيل والشرق الأوسط جيش الاحتلال يزعم إحباط تهريب أكثر من 30 مسدسا وبندقيتين من الأردن

مؤتمر آل البيت... من عمّان تُرسم أسئلة المستقبل ، ومن الأردن تُحمل رسالة الأمة :

مؤتمر آل البيت... من عمّان تُرسم أسئلة المستقبل ، ومن الأردن تُحمل رسالة الأمة :
الدكتور نسيم أبو خضير
ليس كل مؤتمرٍ يُختتم بانتهاء جلساته ، وليس كل توصيةٍ تُكتب على الورق تصبح بالضرورة مشروعًا للمستقبل .
لكن المؤتمر العام التاسع عشر لمؤسسة آل البيت الملكية للفكر الإسلامي ، الذي إنعقد في عمّان خلال الفترة من 9 إلى 11 أيلول 2026 ، تحت عنوان « أولويات الأمة في الخمس والعشرين سنة القادمة 2026–2050 » ، جاء مختلفًا في فكرته ورسائله وأفقه الزمني ، لأنه لم يسأل فقط : ماذا يحدث للأمة اليوم ؟ بل ذهب إلى السؤال الأصعب : أي أمة نريد أن تكون في عام 2050 ؟
وهنا تحديدًا تكمن أهمية هذا المؤتمر ، الذي جمع أكثر من سبعين عالمًا ومفكرًا وباحثًا من نحو ثلاثين دولة ، ومن مختلف المذاهب والمدارس والإتجاهات الفكرية الإسلامية .
ومن الإنصاف أن يُقال إن هذا الحضور العالمي لمؤسسة آل البيت لم يأتِ من فراغ ، وإنما هو ثمرة رؤية هاشمية أردنية آمنت بأن قوة الأمة لا تكون بالسلاح والإقتصاد وحدهما ، وإنما أيضًا بقوة الفكر ، ووضوح الرسالة ، وقدرة العلماء على صناعة خطاب ديني يواجه العصر بدل أن يهرب منه .
وهنا تبرز جهود جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين ، الذي جعل من الأردن منذ سنوات طويلة مساحةً للحوار الإسلامي ، ومنارةً للإعتدال ، ومنبرًا للدفاع عن القدس والمقدسات ، وعن صورة الإسلام التي تقوم على الرحمة والوسطية والعيش المشترك .
وإذا كان الأردن قد إستطاع أن يستضيف علماء الأمة ومفكريها من مدارس ومذاهب متعددة ، فإن ذلك يعكس ثقةً دولية وعلمية بمساحة الحوار التي صنعتها عمّان ، وبالدور الذي تقوم به مؤسسة آل البيت الملكية للفكر الإسلامي .
والشكر هنا لا ينبغي أن يكون مجاملةً عابرة ، بل هو إعتراف بدور دولة وقيادة ومؤسسة حملت مشروعًا فكريًا يتجاوز حدود الأردن .
الأمير غازي ... حين يتحول الفكر إلى مشروع مستمر .
إن الحديث عن مؤسسة آل البيت لا يكتمل من دون الإشارة إلى الدور الفكري والعلمي المتواصل لسمو الأمير غازي بن محمد ، رئيس مجلس أمناء المؤسسة ، الذي حمل مسؤولية هذه المؤسسة على مدى سنوات ، وحافظ على أن تبقى عمّان نقطة إلتقاء للعلماء والمفكرين ، لا ساحةً للصراع بينهم .
واللافت في الدورة التاسعة عشرة أن المؤسسة لم تكتفِ بعقد جلسات علمية ، بل واصلت العمل على مشاريع تعليمية ومعرفية وتقنية ، من بينها مبادرات تستفيد من التكنولوجيا في التعليم ، ومشاريع تعليمية موجهة للطلبة الفلسطينيين ، ومبادرات تستهدف نشر المعرفة الدينية بصورة منهجية عبر الوسائط الرقمية .
إن المؤسسة التي تفكر في مستقبل الأمة لا يجوز أن تبقى أسيرة أدوات الماضي .
ربما تكون أهم رسالة في المؤتمر هي الإنتقال من عقلية إدارة الأزمة إلى عقلية صناعة المستقبل .
فالبيان الختامي لم يتوقف عند الشعارات ، بل طرح جملة من القضايا الكبيرة :
_ إصلاح التعليم
_ بناء القوة المعرفية
_ تطوير الخطاب الديني
_ الحوار بين المذاهب
_ الذكاء الاصطناعي
_. الإقتصاد والإنتاج
_ الصحة النفسية
_ الأسرة
_ المؤسسات الإسلامية
_ والعدالة
_ إلى جانب القضية المركزية للأمة : فلسطين والقدس .
ومن بين التوصيات اللافتة الدعوة إلى دراسة إنشاء محكمة عدل إسلامية للفصل في المنازعات بين الدول والأطراف الإسلامية ، والدعوة إلى إنشاء جامعة إسلامية رقمية مفتوحة عابرة للحدود ، ووضع إستراتيجية مشتركة للسياسات التربوية حتى عام 2050 .
وهذه ليست توصيات صغيرة ، لأنها إذا إنتقلت من الورق إلى التنفيذ فإنها يمكن أن تفتح أبوابًا جديدة أمام الأمة في التعليم والعدالة والتكامل المعرفي .
القدس ليست بندًا في البيان ... بل قضية أمة :
ومن أقوى ما حملته توصيات المؤتمر التأكيد على أن فلسطين والقدس الشريف أولوية إستراتيجية جامعة للأمة الإسلامية ، ودعم صمود الشعب الفلسطيني وإعادة إعمار غزة ، إلى جانب التأكيد على المحافظة على الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس الشريف ، وتفعيل دور الصندوق الهاشمي لإعمار المسجد الأقصى وقبة الصخرة المشرفة .
وهنا تبرز مرة أخرى خصوصية الموقف الأردني . فالوصاية الهاشمية ليست مجرد عنوان سياسي ، وإنما مسؤولية تأريخية ودينية وإنسانية تجاه مقدسات إسلامية ومسيحية ، وهذا ما يجعل الدفاع عن القدس في الخطاب الأردني جامعًا بين حماية المقدسات ، وحماية الهوية ، وحماية التعايش .
قد يظن البعض أن مؤتمرًا إسلاميًا تكون آثاره محصورة في العالم الإسلامي ، وهذا غير دقيق .
فعندما يدعو المؤتمر إلى العدالة ، وكرامة الإنسان ، والحوار ، ونبذ التعصب ، ومحاربة خطاب الكراهية ، وتعزيز المواطنة الجامعة والتعايش ، فإن هذه القيم لا تخدم المسلم وحده ، وإنما تخدم الإنسان أيًا كان دينه .
بل إن التأكيد على حماية المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس ، والحديث عن التعايش والحوار ، يفتح المجال أمام رسالة أوسع : أن مستقبل المنطقة لا يمكن أن يُبنى على إقصاء الآخر ، وإنما على الإعتراف به وإحترام حقه في العبادة والكرامة والأمن .
وهنا يمكن للأردن أن يواصل تقديم نموذجه الخاص في العيش المشترك ، نموذجًا يقول : إن الإسلام الذي نعرفه في مدرسة آل البيت هو إسلامٌ يحفظ للإنسان كرامته ، وللمقدسات حرمتها ، وللآخر حقه ، وللمجتمع أمنه .
ومن اللافت أن المؤتمر لم يتعامل مع الذكاء الإصطناعي بإعتباره قضية تقنية بعيدة عن الدين ، بل أوصى بإستخدامه في التعليم والتنمية ضمن أطر أخلاقية وتنظيمية ، مع التأكيد على أن أدوات الذكاء الاصطناعي في الفتوى ينبغي أن تبقى في إطار المساعدة البحثية وإستخراج النصوص ، بينما تبقى الفتوى والحكم الشرعي من إختصاص الفقيه الإنسان .
وهذه رسالة بالغة الأهمية ، لأننا أمام جيل سيعيش في عالم تتداخل فيه التقنية مع التعليم والإعلام والدين والإقتصاد والسياسة .
ومن لا يملك القدرة على فهم المستقبل التقني ، لن يستطيع أن يؤثر في المستقبل الإنساني .
كل التقدير لجلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين ، الذي وضع الأردن في موقع متقدم من مشهد الحوار الإسلامي والعالمي ، وحمل قضية القدس والمقدسات في المحافل الدولية ، ودعم مشروعًا فكريًا يجعل من الاعتدال قوةً ومن الحوار وسيلةً ومن العلم طريقًا للمستقبل.
وكل التقدير لسمو الأمير غازي بن محمد ، الذي واصل حمل رسالة مؤسسة آل البيت ، وجعل منها بيتًا علميًا وفكريًا يلتقي فيه المختلفون دون أن يتحول إختلافهم إلى خصومة ، ويبحثون عن المشترك دون أن يتخلوا عن ثوابتهم .
والتقدير لكل عالم ومفكر وباحث جاء إلى عمّان ليشارك في رسم ملامح السنوات الخمس والعشرين القادمة .
إن أجمل ما يمكن أن يقال بعد هذا المؤتمر : إن عمّان لم تكن مجرد مكان إنعقاد المؤتمر ، وإنما كانت جزءًا من رسالته .
فمن عمّان ، المدينة التي حملت تاريخًا طويلًا من التسامح والتعايش ، خرجت رسالة إلى الأمة والعالم :
أن المستقبل لا يُنتظر ، بل يُصنع .
وأن الأمة التي تريد أن تكون حاضرة في 2050 ، عليها أن تبدأ من اليوم ببناء الإنسان ، وإصلاح التعليم ، وإنتاج المعرفة ، وصيانة الأسرة ، وترسيخ العدالة ، وإحترام التنوع ، ومواجهة التطرف ، وحماية القدس ، والإستفادة من التكنولوجيا دون أن تفقد إنسانيتها .
وهذه هي قيمة مؤتمر آل البيت الحقيقية : أنه لم يسأل فقط ماذا بقي من الماضي ، بل سأل بجرأة ومسؤولية : ماذا نريد أن نترك للمستقبل ؟
وفي زمنٍ تتكاثر فيه الحروب والإنقسامات والكراهية ، ربما تكون أعظم رسالة يمكن أن تخرج من عمّان هي أن الإسلام حين يستعيد جوهره الأخلاقي والإنساني ، يصبح قوة بناء لا قوة صدام ، وأن الحوار حين يكون صادقًا يمكن أن يكون جسرًا بين المسلمين والمسيحيين ، وبين الشرق والغرب ، وبين الماضي والمستقبل .
حفظ الله الأردن ، وحفظ قيادته الهاشمية ، وحفظ القدس ومقدساتها ، وجعل هذا البلد كما أراده الهاشميون دائمًا : وطنًا للحوار ، ومنبرًا للإعتدال ، ورسالةً للسلام ، وصوتًا عربيًا وإسلاميًا مسموعًا في عالمٍ بأمسّ الحاجة إلى صوت العقل والحكمة .