ليست كلُّ الإنتخابات مجردَ أرقامٍ وأسماءٍ ونتائجَ تُعلنها الصناديق ، فبعضُ الإنتخابات تحمل في نتائجها رسالةً واضحةً من أصحاب الإختصاص إلى من يرون فيه القدرةَ على حمل الأمانة ومواصلةَ المسيرة . وهذا ما يمكن قراءته في إنتخابات غرفة صناعة عمّان 2026 ، التي أعادت المهندس فتحي الجغبير إلى مجلس إدارة الغرفة متصدراً الفائزين بـ 587 صوتاً ، في نتيجةٍ عكست حجم الثقة التي حازها بين الصناعيين .
وعاد الجغبير إلى المكان الذي يعرفه جيداً ، ويعرف تفاصيله ، وتعرفه أروقته ومصانعه ورجال الصناعة فيه .
والحديث عن فتحي الجغبير ليس حديثاً عن رجلٍ فاز في إنتخابات فحسب ، وإنما عن شخصيةٍ إرتبط إسمها خلال السنوات الماضية بملف الصناعة الأردنية ، وبالدفاع عن مصالح القطاع الصناعي ، والتحدث باسمه أمام الحكومة والجهات الرسمية ، والعمل على تعزيز دوره بإعتباره أحد الأعمدة الرئيسية للإقتصاد الوطني .
الجغبير.. إدارة تعرف طريقها :
لقد أثبتت التجربة أن إدارة القطاع الصناعي ليست مهمةً بروتوكولية، ولا منصباً يُقاس بعدد الإجتماعات والبيانات ، وإنما هي مسؤولية تتطلب معرفةً دقيقةً بكلفة الإنتاج، والطاقة، والنقل ، والأسواق ، والتصدير ، والإستثمار ، والتشريعات ، والعمالة ، والمنافسة الإقليمية والدولية .
ومن هنا جاءت أهمية تجربة الجغبير ، فقد كان حاضراً في الملفات الإقتصادية والصناعية ، ومدافعاً عن ضرورة تخفيض كلف الإنتاج ، وتعزيز تنافسية المنتج الأردني ، وتوسيع قاعدة التصدير ، وفتح أسواق جديدة أمام الصناعة الوطنية .
ولم يكن حديثه عن الصناعة مجرد شعارات ، فقد أظهرت البيانات التي عرضها خلال الفترة الماضية أن القيمة المضافة الصناعية إرتفعت من نحو 8 مليارات دينار عام 2020 إلى قرابة 9.9 مليار دينار عام 2025 ، فيما إرتفع الإنتاج الصناعي من نحو 12 مليار دينار إلى 20 مليار دينار .
وهذه أرقام لا يجوز المرور عليها مروراً عابراً ، لأنها تعكس تحولاتٍ حقيقيةً في وزن الصناعة داخل الإقتصاد الوطني .
الصناعة الأردنية.. لم تعد قطاعاً مكملاً :
لقد أصبح القطاع الصناعي واحداً من أهم محركات الإقتصاد الأردني ، وتشير بيانات غرفة صناعة الأردن إلى أن مساهمته المباشرة في الناتج المحلي الإجمالي بلغت نحو 24.2 بالمئة ، فيما حقق القطاع نمواً بلغ 4.7 بالمئة خلال عام 2025 وأسهم بنحو 40 بالمئة من إجمالي النمو الإقتصادي السنوي .
كما أن الصناعة الأردنية لم تعد محصورةً في السوق المحلية ، فهناك نحو 2500 منتج صناعي أردني يصل إلى 150 دولة حول العالم ، ضمن قاعدة صناعية تضم أكثر من 18 ألف منشأة وتوفر مئات آلاف فرص العمل المباشرة .
وهنا تحديداً تظهر قيمة الإدارة الصناعية التي تعرف أن مستقبل الأردن الإقتصادي لا يمكن أن يقوم على الإستهلاك وحده ، وإنما على الإنتاج ، والتصنيع ، والتصدير ، والإستثمار ، وتشغيل الأردنيين .
من الإنجاز إلى مرحلة التحدي :
عودة الجغبير لا ينبغي أن تُفهم على أنها عودة إلى ما كان عليه الحال ، بل يجب أن تكون إنتقالاً إلى مرحلة جديدة أكثر طموحاً .
فالمطلوب اليوم ليس فقط المحافظة على ما تحقق ، وإنما البناء عليه .
الصناعة الأردنية أمام تحديات كبيرة :
إرتفاع كلف الطاقة والنقل ، المنافسة الخارجية ، سرعة التطور التكنولوجي ، الذكاء الاصطناعي ، التحول الصناعي الأخضر ، سلاسل التوريد العالمية ، فتح أسواق جديدة ، وتعزيز القيمة المضافة للمنتج الأردني .
وهنا سيكون على قيادة غرفة صناعة عمّان أن تجعل من المرحلة المقبلة مرحلة صناعة أكثر ذكاءً ، وأكثر قدرة على التصدير ، وأكثر إعتماداً على التكنولوجيا ، وأكثر إرتباطاً بالجامعات ومراكز البحث العلمي .
المنتج الأردني أولاً :
ومن الملفات التي تستحق أن تكون في مقدمة الأولويات تعزيز مكانة المنتج الوطني .
وقد جاء رفع الأفضلية السعرية للمنتج الصناعي الوطني في العطاءات والمشتريات الحكومية من 15 إلى 20 بالمئة خطوةً مهمةً في هذا الإتجاه ، وهو ما رحب به الجغبير بإعتباره دعماً للمنتج الوطني وتعزيزاً لقدرة الصناعة الأردنية على المنافسة .
لكن الطموح يجب أن يتجاوز حماية المنتج إلى تطويره .
نريد منتجاً أردنياً ينافس في الجودة قبل السعر ، وفي الإبتكار قبل التقليد ، وفي القيمة المضافة قبل حجم الإنتاج .
الجغبير أمام مرحلة جديدة :
المهندس فتحي الجغبير يدخل هذه المرحلة وهو يحمل تجربةً متراكمةً ، لكنه في الوقت نفسه أمام مسؤولية أكبر .
فالقطاع الصناعي الأردني يحتاج إلى رؤية تتعامل مع الصناعة بإعتبارها أمنًا إقتصادياً وطنياً .
فالمصنع الذي يعمل يعني وظيفة ، والوظيفة تعني أسرةً مستقرة ، والتصدير يعني عملةً صعبة ، والإنتاج المحلي يعني تقليل الإعتماد على الخارج ، والإستثمار الصناعي يعني نمواً مستداماً .
وقد أثبتت الصناعة الأردنية خلال الأزمات أنها قادرة على الصمود ، إذ أكد الجغبير أن المصانع الأردنية إستطاعت مواصلة الإنتاج والتكيف مع إضطرابات المنطقة وسلاسل الإمداد ، مستندةً إلى قاعدة إنتاجية قوية .
نحو الأردن الصناعي الجديد :
المطلوب في المرحلة المقبلة أن تتحول غرفة صناعة عمّان من غرفةٍ تدافع عن مصالح الصناعيين فقط إلى منصةٍ وطنية لصناعة المستقبل .
منصة تجمع الصناعيين بالحكومة ، والجامعات ، والبنوك ، والمستثمرين ، والشباب ، والخبراء ، وتعمل على إنتاج حلول حقيقية لإجتياز العقبات .
والفرصة كبيرة ، فالبرنامج التنفيذي لرؤية التحديث الإقتصادي للأعوام 2026–2029 يتضمن 392 مشروعاً بالشراكة مع القطاع الخاص وبقيمة إستثمارية تقدر بنحو 10 مليارات دينار ، وهي مساحة واسعة يمكن للصناعة الأردنية أن تكون شريكاً رئيسياً فيها .
كما أن أمام الأردن فرصاً كبيرة في الصناعات الغذائية والدوائية والكيماوية والهندسية ، وهي قطاعات تمتلك بالفعل قاعدة إنتاجية وتصديرية يمكن البناء عليها .
ثقةٌ ومسؤولية :
إن فوز فتحي الجغبير بأعلى الأصوات في إنتخابات غرفة صناعة عمّان ليس نهاية الطريق ، بل هو بداية مسؤولية جديدة .
الصناعيون قالوا كلمتهم ، والمرحلة المقبلة تقول كلمتها أيضاً .
والرسالة الأهم للجغبير ليست فقط : لقد عدت .
بل :
لقد عادت إليك الأمانة ، وعاد إليك العرين ، وعادت معك مسؤولية أن تجعل الصناعة الأردنية أكثر قوةً وقدرةً على المنافسة والحضور في الأسواق العالمية .
فالأردن الذي يريد أن يحقق أهداف رؤية التحديث الإقتصادي يحتاج إلى اقتصاد منتج ، والإقتصاد المنتج يحتاج إلى صناعة قوية ، والصناعة القوية تحتاج إلى إدارة تعرف واقعها وتقرأ مستقبلها .
ومن هنا ، فإن عودة المهندس فتحي الجغبير إلى قيادة غرفة صناعة عمّان يمكن أن تكون فرصةً جديدةً لفتح صفحةٍ عنوانها :
« من حماية الصناعة إلى قيادة الصناعة .. ومن الإنتاج المحلي إلى الحضور الصناعي الأردني في العالم » .
ومع " والعود أحمد " الآن يبدأ التحدي الحقيقي : ماذا سيفعل العرين في المرحلة القادمة ؟









































