القلعة نيوز
الصحفي محمد الماجد الفايز
في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، لم يكن جلالة الملك عبدالله الثاني يتحدث عن أحداث عابرة، بقدر ما كان يلفت الانتباه إلى خطر أكبر، فليس الخطر في أن العالم لا يرى، بل في أن يعتاد ما يرى، ثم يفقد انتباهه له.
وكما أكد جلالته أن الحرب في غزة، وما يجري في الضفة الغربية، ومحاولات فرض وقائع جديدة على الأرض، ليست أخبارًا تنتهي بانتهاء النشرة، ولا صور تسقط قيمتها بانطفاء عدسة الكاميرا، بل هي أحداث تعيد رسم ملامح المنطقة، وتمس الأمن والاستقرار والاقتصاد، وتتجاوز آثارها حدود الشرق الأوسط إلى العالم، بما فيه أوروبا.
ومن هنا جاءت الرسالة المتعلقة بما يجري على الأرض الفلسطينية، وما يرافقه من سياسات وتجاوزات تمس مستقبل القضية الفلسطينية وحق أصحاب الأرض، باعتبار أن استمرار هذه الوقائع يضعف فرص السلام والاستقرار الإقليمي، ويبقي المنطقة أمام دائرة مفتوحة من الصراع.
والرسالة الأعمق أن إهمال اليوم يكلفنا غدًا، فترك الصراعات والأحداث الراهنة دون معالجة، أو التعامل معها باعتبارها مشاهد مؤقتة، قد يصنع آثارًا لا تظهر كاملة إلا في المستقبل،
كما لم تغيب أهمية العمل الصحفي في نقل الحقيقة والدفاع عنها في كلمة جلالته، وهنا يبرز السؤال، أين الحقيقة حين تصمت الكاميرا؟
فحين يقتل الصحفي وهو ينقل الحقيقة، لا يسقط جسده وحده، بل تسقط معه نافذة العالم على المشهد، وغياب الأحداث عن الشاشة، ولا يعني أن أثرها غاب عن الأرض، فما لا نراه قد يستمر في صناعة الواقع.
ومن هذا المعنى تأتي الرسائل المتعلقة بأمن الأردن وحدوده ومياهه وتطورات الجنوب السوري، لتؤكد أن ما يجري في الإقليم ليس بعيدًا عن مصالح المملكة وأمنها الوطني، وأن أي تطورات تمس الحدود أو المياه أو استقرار المنطقة لا يمكن التعامل معها كأحداث بعيدة عن الأردن، وهي رسائل تحمل في مضمونها موقفًا أردنيًا واضحًا، لا سكوت ولا تهاون حين يتعلق الأمر بأمن الأردن وحدوده ومياهه.
ولعل الأهم في خطاب جلالة الملك أن «الانتباه» الذي يدعو إليه لا يتوقف عند فلسطين، بل يمتد إلى ما يدور في الشرق الأوسط والعالم، وما نلامسه من التفاوت الاقتصادي، وانعدام الأمن الغذائي، والكوارث، وتغير المناخ، وهي تحديات كانت واضحة قبل أن تتحول بعض آثارها إلى أزمات أكثر تعقيدًا.
وهنا تكمن الرسالة الأوسع، بأن المشكلة ليست دائمًا في أننا لا نرى، بل في أننا نرى ثم ننسى بعد انتهاء المشهد.
وهنا تصبح كلمة جلالة الملك أكثر من خطاب أمام العالم، إنها تذكير بأن ما نهمله اليوم لن يبقى في اليوم، فالحدث قد يغادر الشاشة، لكن أثره يبقى على الأرض، وما نؤجل مواجهته اليوم قد يكون فاتورة يدفعها الغد، وقد تدفعها أجيال لم تكن طرفًا في صناعة الأزمة.
والذي ينتهي بانطفاء الكاميرا هو المشهد، لا الحدث




