شريط الأخبار
الموت الذي لا يفوت.... شائعات وفاة ترامب .. ماذا يحدث إذا توفي رئيس في منصبه؟ الأطرش: زيارة الملك لكازاخستان تمهد الطريق للقطاع الدوائي لتوسيع تواجده بأسواقها السفير الماليزي: تعاون أردني ماليزي تحت مظلة الأمم المتحدة و"التعاون الإسلامي" الرئيس الفرنسي: الكارثة الإنسانية في غزة غير مقبولة المنتدى الاقتصادي يناقش أهمية جداول المدخلات والمخرجات بتحليل الروابط القطاعية داخل الاقتصاد ارتفاع عدد ضحايا المجاعة في قطاع غزة الى 332 شهيدا الذكرى 23 لوفاة الأمير زيد بن شاكر تصادف اليوم الجيش الإسرائيلي يعلن إصابة 7جنود بانفجار عبوة بناقلة جند مدرعة عيد ميلاد الملكة رانيا العبدالله غدا بالفيديو...أورنج تحتفل بتخريج الفوج الأخير من أكاديمية البرمجة في العقبة البدور يعلن خطة شاملة لتقليص انتظار الرنين المغناطيسي في المستشفيات الحكومية ملف الكلاب الضالة .. . اختفاء ٤ جنود صهاينة.. قتلى وإصابات في سلسلة هجمات للمقاومة هي الأخطر منذ 7 اكتوبر بعد ساعات من إعلان جيش الإحتلال اغتياله.. رئيس أركان "أنصار الله": العدوان الإسرائيلي على صنعاء لن يمر دون عقاب ضبط شحنة زيت مغشوش بالكرك.. والتاجر يلوذ بالفرار تاركًا مركبته خلفه تلفزيون سوريا: رتل مؤلف من نحو 30 سيارة دفع رباعي محملة بجنود الاحتلال الصهيوني يدخل الان الأراضي السورية من الجولان المحتل وينتشر في قرية العشة بريف القنيطرة الجنوبي بالأسماء...إعلان قائمة منتخب الأردن لمواجهتي روسيا والدومينيكان.. 30 لاعبا عاجل...وسائل إعلام إسرائيلية: المروحيات الست التي أرسلها الجيش للإجلاء تعرضت لنيران كثيفة في حي الزيتون عاجل ..وسائل إعلام إسرائيلية: انتهت الأحداث في غزة وانسحبت قواتنا من حي الزيتون إلى مواقعها

الشوابكة يكتب : الحرب الناعمة: خرائط الغزو بلا رصاصة

الشوابكة يكتب : الحرب الناعمة: خرائط الغزو بلا رصاصة
الصحفي جمعه الشوابكه
ليست كل الحروب تُرى على الخريطة؛ بعضها يجري في طبقاتٍ أدقّ: في القيم واللغة والخيال الجمعي. هذه هي الحرب الناعمة، صراع منخفض الضجيج عالي الفاعلية، يشتغل على مفاصل الثقة والمعنى فيُضعف الدولة قبل أن يُسقطها. ليست قصتها "من يملك الدبابات؟" بل "من يملك السردية؟". الحرب الخشنة تحسم مساحات، أما الحرب الناعمة فتحسم عقولًا؛ الأولى تحتل الأرض ثم تعيد تشكيل أهلها، الثانية تُعيد تشكيل أهل الأرض فتُصبح الأرض لاحقًا تفصيلًا. أدواتها مألوفة: شاشة تُلهي، مناهج تُعاد هندستها، اقتصاد يُعصر، ومنصات تُبرمج الانتباه، والنتيجة مجتمع يشكّ في ذاته، يخاصم تاريخه، ويستهلك رؤى خصمه وهو يظنها رؤاه.

في هذه الحرب، السردية والإطار أهم من الخبر نفسه، إذ تُبنى بيئة معنى جديدة تجعل من قيمك عبئًا ومن تضحياتك بلا جدوى. الثقافة الترفيهية تصنع ذائقة ثم قناعة: الطبيعي هو ما تراه كثيرًا، لا ما هو حقًّا. التعليم الموجَّه يعدّل بوصلة الأجيال من "من نحن؟" إلى "كيف نصير نسخة من الآخر؟". الاقتصاد يتحول إلى سلاح عبر العقوبات والإغراق والتلاعب بسلال الإمداد، فيُعاد تعريف الممكن والمعقول في وعي الناس. أما الفضاء الرقمي، فتتحكم به خوارزميات تفضّل الإثارة على الحقيقة، وتطلق جيوشًا إلكترونية تبني استقطابًا يعطّل أي توافق وطني.

التاريخ يثبت أن الإمبراطوريات لم تنتصر بالقوة وحدها؛ فالرومان نشروا القانون واللغة قبل نشر الفيالق، والاستعمار الحديث سلّط المدرسة على النخبة قبل أن يسلّط المدرعة على المدن، وفي القرن العشرين كانت الحرب الباردة مختبرًا كاملًا لهذه الحرب عبر الإذاعات، والسينما، ورموز الحياة اليومية التي تحولت إلى سلع استراتيجية. واليوم، حلّ اقتصاد الانتباه محل اقتصاد السلاح في معركة الوعي، وأصبح الزمن الذي يقضيه الفرد أمام الشاشة هو الأرض الجديدة. الخوارزميات لا تسأل "ما الصحيح؟" بل "ما الذي يُبقيك أطول؟"، ومعها تتآكل مؤسسات الوساطة كالنقابات والصحافة والمدرسة، فينفتح الطريق أمام أي لاعب يمتلك رأس مال رقمي ودهاء سردي.

الهزيمة هنا لا تأتي بدبابات عند الحدود، بل بمؤشرات داخلية: تسوّس الثقة من الإعلام إلى الدولة، تطبيع العبث حتى مع المقدسات الوطنية، استيراد الخصومة حتى يصبح المواطن واجهة لأجندات خارجية، وتشظّي اللغة حتى تفقد الكلمات معانيها. الردع في هذه الحرب لا يكون ببيانات نارية أو حجب ساذج، بل بهندسة مناعة على ثلاث طبقات: مناعة فردية عبر ثقافة نقدية تحصّن من التصديق الأعمى، مناعة مجتمعية عبر سردية جامعة وفن وأدب وصحافة معيارية تعيد تعريف الجميل والمفيد، ومناعة دولة عبر سياسات ذكية توفر الشفافية، ترد على التضليل قبل أن تنتشر الشائعات، وتحمي الاقتصاد الحقيقي لتبقى الجبهة الداخلية صلبة.

الحروب الناعمة لا تبحث عن علمٍ تُنزله من فوق مبنى؛ تبحث عن معنى تُنزله من داخل النفوس. والأمم لا تُصان بالحدود وحدها، بل بالمعادلة التي تمنح مواطنيها سببًا يرفضون به الكذب، ويغلبون به الإغواء، ويواصلون به البناء. والسؤال لم يعد: هل نتعرض للحرب الناعمة؟ بل: هل نملك ما يكفي من سرد صادق وقيم حية واقتصاد متماسك لنحبط جاذبية السرد الزائف قبل أن نصحو على وطن بلا هوية؟