آخر الأخبار
مجلس الشيوخ الأميركي يرفض قرارا لإعداد تقرير عن انتهاكات إسرائيلية في الضفةهيغسيث يتجه لتقليص قيادات البنتاغون بنسبة 20%روسيا تشن هجوما واسعا على منشآت الطاقة في أوكرانياوفد عسكري ليبي يزور مديرية القضاء العسكريعودة دفعة من أطفال غزة إلى القطاع بعد استكمال علاجهم في الأردنبلدة حوشا بين المقاطعة والحوار: رسالة إلى وزارة الإدارة المحلية .هل تنوي فيكتوريا بيكهام الرجوع للغناء من جديد؟4684 فرصة عمل.. والبلديات تدخل المسار الأخضرأبو سند.. ثقةٌ تليق به ومهمةٌ بحجم الطموح: رئيسًا لمجلس إدارة غرفة تجارة عماندراسة جديدة في غزة تكشف عن تحسن ملحوظ في معارف الصحة الإنجابية بفضل التثقيف الصحي بقيادة الشباب
رأي

الفاهوم يكتب : قانون تنظيم العمل المهني 2026 بين ضبط السوق وبناء قيمة مهنية مستدامة

منذ 8 أشهر3 دقائق قراءة
التحكم بالخط:
الفاهوم يكتب : قانون تنظيم العمل المهني 2026 بين ضبط السوق وبناء قيمة مهنية مستدامة
بقلمالقلعة نيوزكاتب مقال · 11,290 مقالاً
كل مقالات الكاتب

الأستاذ الدكتور أمجد الفاهوم


تشكل موافقة مجلس الوزراء على الأسباب الموجبة لمشروع قانون تنظيم العمل المهني لسنة 2026 محطة مفصلية في مسار إصلاح سوق العمل المهني والتقني في الأردن، ليس بوصفها خطوة إجرائية أو تنظيمية فحسب، بل باعتبارها محاولة جادة لإعادة تعريف مفهوم العمل المهني، ونقل هذا القطاع من حالة التشتت والاجتهادات الفردية إلى إطار مؤسسي واضح تحكمه معايير الجودة والكفاءة والمساءلة. فالسياق العام الذي يأتي فيه المشروع يعكس إدراكًا رسميًا متناميًا بأن الاختلالات المزمنة في سوق العمل لا تعالج فقط بخلق فرص تشغيل، بل بتنظيم مخرجات التدريب وضبط جودة المهنة ذاتها، وربطها بمسار مهني واضح يحمي العامل وصاحب العمل والمجتمع في آن واحد.


ينطلق مشروع القانون من فكرة جوهرية مفادها أن الدخول إلى سوق العمل المهني يجب ألا يكون عشوائيًا أو قائمًا على الحد الأدنى من المهارة، بل مرتبطًا بشهادة مزاولة مهنة تضمن حدًا مقبولًا من الكفاءة المهنية. وهذا التوجه، في جوهره، يعيد الاعتبار لقيمة المهارة المعتمدة، ويضع حدًا للفوضى التي سمحت في مراحل سابقة بممارسة مهن تقنية وحساسة دون تأهيل كافٍ، بما انعكس سلبًا على جودة الخدمات وثقة السوق. كما أن شمول القانون لخريجي مختلف مؤسسات التدريب المهني، العامة والخاصة، يكرّس مبدأ العدالة وتكافؤ الفرص، ويؤسس لسوق موحد المعايير، لا تُقاس فيه القيمة باسم الجهة المانحة للشهادة، بل بمستوى الكفاءة التي يثبتها الخريج فعليًا.


وفي بعده المؤسسي، ينتقل مشروع القانون خطوة أبعد من الفرد ليضع مزوّدي التدريب أنفسهم تحت مظلة تنظيمية واضحة، من خلال اشتراط الترخيص واعتماد البرامج والمدربين. وهنا تتجلى إحدى أهم نقاط القوة في المشروع، إذ لا يمكن الحديث عن مخرجات تدريب عالية الجودة دون ضبط المدخلات، سواء على مستوى المناهج أو الكوادر التدريبية أو بيئة التدريب ذاتها. فترخيص مؤسسات التدريب واعتماد برامجها يحد من انتشار برامج شكلية لا تضيف قيمة حقيقية للمتدرب، ويجبر المؤسسات على الاستثمار في المحتوى والكفاءة بدل الاكتفاء بالشكل أو الاسم. كما أن تصنيف المدربين واعتمادهم يرسخ مفهوم الاحتراف المهني في التدريب، ويعيد للمدرب مكانته بوصفه صانع مهارة لا مجرد ناقل معلومات.


غير أن قوة هذا التوجه التنظيمي قد تتحول إلى نقطة ضعف إذا لم تُدار بحساسية ومرونة كافيتين. فالإفراط في الإجراءات أو تحميل المؤسسات والمتدربين أعباء إدارية ومالية مرتفعة قد يؤدي إلى نتائج عكسية، أبرزها عزوف بعض الفئات عن التدريب النظامي، أو لجوء آخرين إلى مسارات غير رسمية خارج نطاق الرقابة. كما أن نجاح هذا القانون لا يقاس بنصوصه بقدر ما يقاس بقدرة وزارة العمل على تطبيقه بكفاءة، من حيث توفر الكوادر الرقابية، وعدالة التفتيش، وسرعة الإجراءات، وشفافية الاختبارات المهنية، وهي تحديات حقيقية تتطلب بنية مؤسسية قوية وأدوات رقمية متقدمة.


وتبرز كذلك مسألة التكامل التشريعي بوصفها عنصرًا حاسمًا في نجاح القانون، إذ لا يمكن فصله عن منظومة التعليم والتدريب المهني والتقني الأوسع، ولا عن سياسات الاعتماد والجودة المعمول بها في التعليم العالي والتدريب التقني. أي ازدواجية في المرجعيات أو تضارب في الصلاحيات قد تفرغ القانون من مضمونه، بينما يفتح التنسيق الحقيقي الباب أمام بناء مسار مهني متكامل يبدأ بالتدريب، ويمر بالمزاولة، وينتهي بالتدرج الوظيفي والمهني.


أما الاستفادة العميقة من مشروع القانون، فلا تتحقق بمجرد ضبط السوق، بل باستثماره كأداة استراتيجية لتغيير الثقافة المجتمعية تجاه العمل المهني. فعندما تصبح شهادة مزاولة المهنة معيارًا معترفًا به، وعندما ترتبط المهنة بمسار واضح للتطوير والترقية، تتحول المهن التقنية من خيار اضطراري إلى خيار مهني محترم وقابل للنمو. ويزداد الأثر حين يُربط القانون بشراكات حقيقية مع القطاع الخاص، تُسهم في تحديث المعايير باستمرار وفق احتياجات السوق، وتفتح آفاق تشغيل حقيقية لا شكلية.


في المحصلة، لا يمثل مشروع قانون تنظيم العمل المهني لسنة 2026 مجرد تشريع جديد يضاف إلى المنظومة القانونية، بل فرصة حقيقية لإعادة بناء الثقة بسوق العمل المهني، ورفع كفاءته، وتعزيز مساهمته في الاقتصاد الوطني. غير أن هذه الفرصة ستظل مشروطة بحسن التطبيق، وواقعية المعايير، والقدرة على الموازنة بين الضبط والتنمية، وبين التنظيم والتحفيز، بما يجعل من القانون أداة لتمكين المهارة لا تقييدها، ومن التنظيم رافعة للجودة لا عبئًا إضافيًا على العاملين في هذا القطاع الحيوي.

عن الكاتبالقلعة نيوز

أحدث مقالاته

المزيد في قسم مقالات

الأكثر قراءة

الأخبار العاجلة

كن الأول في معرفة آخر المستجدات فور حدوثها

ابقَ على اطّلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى واتساب مباشرة فور النشر.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام و سياسة الخصوصية.
+962