شريط الأخبار
المغرب ضد اسكتلندا.. صدام بنكهة تاريخية وصراع شرس على بطاقة التأهل.. الموعد والقنوات الناقلة وزير إسرائيلي يؤكد أن إسرائيل ستشن حربا على سوريا عاجلا أم آجلا الأمير علي: النشامى يستحقون الدعم حتى صافرة النهاية الخارجية البريطانية: الأردن يقود دورا محوريا في توحيد الجهود الإقليمية لمواجهة التغيرات علوان يتصدر تصنيف دقة التسديد في المونديال متفوقا على ميسي نائب الملك يرعى احتفاء "أجيال السلام" بنيلها جائزة "جاك روج" العالمية غنيمات تستقبل سفير دولة الكويت لدى المملكة المغربية بين اتفاق أوباما ومذكرة ترامب .. هذه أبرز الفروقات الامير علي: زوجتي جزائرية لكن معانا .. والله يعين الحجر العجلوني .. مادة بناء صنعت هوية معمارية متفردة الجمعة .. اجواء صيفية معتدلة في أغلب المناطق مجلس الأمن القومي الإيراني يعلن آلية عبور مضيق هرمز بموجب مذكرة التفاهم فانس: واشنطن تتوقع من طهران ألا تمتلك صواريخ تهدد العالم تشكيل اللجنة العليا للإشراف على مهرجان جرش 2026 القيادة المركزية الأمريكية: رفعنا الحصار عن إيران ترامب: الاتفاق مع إيران نجاح وانتصار للولايات المتحدة بحضور شعبي واسع ... قبيلة السردية تُنظم احتفلاً وطنيًا مهيبًا بمناسبة الأعياد الوطنية ( صور وفيديو ) خامنئي: بزشكيان أقنعني بالتفاهم .. واذا تمادت واشنطن لن نخضع لها ولي العهد: من قلب التاريخ في عمّان جماهير النشامى الوفية عراقجي لنظيره الكويتي: الاتفاق مع الولايات المتحدة قد يعيد السلام للمنطقة

ولي العهد والسردية الأردنية: نحو وعي وطني جديد بالتاريخ والهوية

ولي العهد والسردية الأردنية: نحو وعي وطني جديد بالتاريخ والهوية
ولي العهد والسردية الأردنية: نحو وعي وطني جديد بالتاريخ والهوية

القلعة نيوز
شادي نبيل- لم يكن حديث سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبد الله الثاني عن السردية الأردنية كجملة عابرة في خطاب سياسي، بل قدّم نفسه بوصفه إعلاناً عن مشروع وطني معرفي يريد للأردن أن يمتلك روايته عن نفسه، وأن يثبتها في وعي أبنائه في مواجهة روايات ناقصة أو موجَّهة من الخارج. مما فتح باباً واسعاً للنقاش بين السياسيين والمثقفين والإعلاميين حول سؤالين جوهريين: من يكتب تاريخ الأردن؟ وكيف يمكن أن تتحول السردية من نص رسمي يُقال في المنابر إلى وعي حيّ يسكن عقول الناس ويعيد تعريف علاقتهم بالدولة والهوية والمستقبل؟
حين شدّد سمو ولي العهد، في لقائه مع أبناء محافظة الطفيلة، على ضرورة توثيق السردية الأردنية، لم يكن يتحدث عن إجراء توثيقي تقني بقدر ما كان يستدعي مساراً تاريخياً طويلاً يريد له أن يُروى بوحدة وتكامل، كمسار واحد متصل، يمثل حكاية متكاملة للدولة الأردنية.
فالسردية التي يتحدث عنها سموه ليست مجرد كتاب تاريخ مدرسي، بل هي رؤية شاملة تجعل من قصة الأردن إطاراً لفهم الهوية الوطنية، وتفسير التحولات السياسية والاجتماعية، وكيف نربط حاضرنا بجذور تاريخية عميقة، ليس فقط بتاريخ الدولة الحديثة، بل بتاريخ هذه الأرض وحضاراتها القديمة؟
ويتجسد هذا الفهم عملياً في المشروع الذي أطلقته وزارة الثقافة تحت عنوان السردية الأردنية.. الأردن – الأرض والإنسان، الهادف إلى توثيق تاريخ الأردن ضمن مسار زمني طويل يتجاوز حدود الدولة الحديثة، وتقديم رواية متماسكة عن تراكم الحضارة على هذه الأرض بعيداً عن أي اختزال يرى الأردن كأنه مجرد نتاج لحظة سياسية حديثة. بهذه المقاربة، تنتقل السردية من ضيق الاختزال إلى رحابة الرواية الوطنية الجامعة التي يُراد لها أن تكون مرجعاً وطنيا للمدرسة والجامعة والإعلام والباحثين، وأداة لتعزيز الانتماء داخلياً، ولتشكيل صورة قوية وواضحة عن الأردن خارجياً.
ومن خلال قراءة رئيس الوزراء الأسبق الدكتور عبد الرؤوف الروابدة، لا تُختزل السردية الأردنية في أرشفة حوادث وتواريخ، بل تُقدَّم باعتبارها منظومة فكرية وقيمية تعكس قدرة الأردن على بناء دولة مستقرة في وسط إقليمي مضطرب. فالرواية الوطنية، في هذا التصور، ليست دفتر تاريخ يُسجَّل فيه ما جرى، بل دستور وعي يفسر كيف تشكّلت الدولة، وكيف واجهت تحديات اللجوء والحروب والضغوط الاقتصادية والسياسية، وكيف نجحت، رغم ذلك، في الحفاظ على تماسك الهوية ووحدة الكيان السياسي.
وتقوم هذه المقاربة على ثلاثة أعمدة أساسية؛ أولها أن السردية الأردنية تشكّل حجر الأساس للهوية الوطنية،لأنها تضع الفرد في سياق دولة لها جذور ومسار واضح، فلا يعيش في فراغ جغرافي أو سياسي.
فالسردية هي أساس بناء الهوية. والفرد لا يرى نفسه في فراغ، بل يرى نفسه مواطناً في دولة لها قصة وجذور واضحة؛ مما يعطيه إحساساً بالانتماء والمعنى.
وثانيها أن هذه السردية تؤكد وحدة الدولة ومركزية الشرعية السياسية، فتغدو الرواية الوطنية خط دفاع ضد كل خطاب تفتيت، أو تشكيك، أو محاولات تقسيم البلد، أو التشكيك في هويته أو التلاعب بخرائطه لصالح مشاريع خارجية.
أما العمود الثالث، فيتمثل في كون السردية إطاراً يفسّر التضحيات والصبر اللذين قدّمهما المجتمع الأردني على امتداد العقود، حتى لا يبقى الثمن منفصلاً عن الحكاية الكبرى لدور الدولة ومكانتها في الإقليم. فهي تربط ثمن الصبر والتضحية بقصة الدولة ودورها الإقليمي، فيستشعر المواطن بأنه جزء وأساس لمشروع وطني أكبر.
ومع الاعتراف بقوة هذه المقاربة في تركيزها على البعد القيمي والسياسي للسردية، إلا أنها تواجه تحدياً واضحاً في تجديد لغتها ومفرداتها، إذ تميل أحياناً إلى إعادة إنتاج خطاب سياسي تقليدي يعرفه الأردنيون منذ زمن. ما يجعل الحاجة ملحّة لفتح هذه السردية على نقاش أوسع حول الحقوق والمواطنة والعدالة الاجتماعية، بل تتحول إلى حكاية مشتركة تُكتب من قبل ممثلي الدولة ونخبها ومن قبل مواطنيها على اختلاف مواقعهم وتجاربهم.
واستجابة لرؤية ولي العهد، تحركت الحكومة عبر وزارة الثقافة لإطلاق مشروع توثيق السردية الأردنية، في خطوة تعلن أن الدولة لا تريد أن تظل موضوعاً في روايات الآخرين، بل فاعلاً رئيساً في كتابة روايتها عن نفسها وبأدوات علمية ورقمية معاصرة. المشروع يقدم نفسه كمنصة وطنية مفتوحة، توثق المسار التاريخي للأرض والإنسان، وتُطلق منصة رقمية تفاعلية تتيح للأردنيين الإسهام في سرد قصصهم، بما يحوّل السردية من نص أحادي الاتجاه إلى فضاء حوار متعدد الأصوات تحت سقف مرجعية وطنية جامعة.
ومن زاوية إعلامية، يٌلقي هذا المشروع على عاتق وزير الاتصال الحكومي وفريقه مسؤولية ترجمة مفهوم السردية إلى سياسات تواصل واضحة، وبرنامج محتوى مستمر، وأولويات في إدارة الخطاب العام، بحيث لا يُترك المصطلح عرضة للتأويل المتناقض أو للاستخدام الموسمي. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في الإعلان عن المشروع، بل في إدماجه في التعليم، وفي الخطاب اليومي للحكومة، وفي الرسائل الخارجية للأردن، وتحويله إلى مادة صحفية وثقافية حيّة، لا مجرد بيان رسمي أو منصة رقمية مجهولة لدى الجمهور.
وفي ذات السياق يمكن رسم تصور أكثر شمولاً للسردية الأردنية يقوم على مجموعة مرتكزات مترابطة،
وأول هذه المرتكزات أن تُبنى السردية بوصفها مشروعاً معرفياً وطنياً ممتداً، يدمج التاريخ السياسي والعسكري والاقتصادي مع التاريخ الاجتماعي والثقافي والواقع المعيشي، أي أنه مشروع طويل الأمد،
يجمع بين: تاريخ الدولة الرسمي، وتاريخ المجتمع والثقافة والحياة اليومية.
وثانيها أن يقوم هذا المشروع على إطار علمي رصين، يشترك فيه مؤرخون وعلماء اجتماع وباحثون في الهوية والذاكرة، مع الاعتراف بتعدد الروايات داخل المجتمع تحت سقف وحدة الدولة مما يضفي ثراءً وتركيباً في التجربة الأردنية.
أما المرتكز الثالث، فهو ترجمة السردية إلى سياسات تعليمية وإعلامية وثقافية؛ بحيث يجد المواطن خيطاً ناظماً واحداً بين ما يدرسه في المدرسة، وما يسمعه في خطاب الدولة، وما يراه في الدراما والأفلام والبرامج الحوارية، وما يعيشه من سلوك وقيم لدى رجال الأمن والمعلم والطبيب والموظف العام.
ويبقى المرتكز الرابع والأخير، وهو أن تُمنح السردية بُعداً مستقبلياً واضحاً، فلا تظل حبيسة الماضي أو تُختزل في الدفاع عن الذات، بل تتحول إلى أداة لاستشراف غد الأردن: أي نموذج تنموي نريد؟ أي عقد اجتماعي نطمح إليه؟ أي موقع إقليمي نسعى إلى ترسيخه؟ وكيف يمكن للرواية الوطنية أن تكون رافعة للإصلاح السياسي والاقتصادي، لا مجرد سند معنوي للاستقرار؟ عند هذا المستوى، تصبح السردية الأردنية جسراً حقيقياً بين ذاكرة الأرض ومسيرة الدولة وطموحات الأجيال الجديدة، لا مجرد كتاب يُصفّ على رفّ التاريخ.
لتصبح السردية هنا لا مجرد رواية عمّا كان، بل مدخلاً إلى ما سيكون، فتغدو السردية الأردنية جسراً يربط بين ذاكرة الأرض ومسيرة الدولة وأمال الأجيال الجديدة.